في ما يفكر به ياكوب فان غونْتِن: لا شيء خاطئ ولا شيء صحيح

حجم الخط
1

من دون مقدّمات أو تهيئة مسبقة، يتوجه الفتى ياكوب إلى «معهد بِنْيامِنتا». بأقل الكلام، وبما يشبه التسليم بسوء التفاهم بينه وبين المدير، وجد الفتى نفسه منتسبا إلى المعهد. لن يطول به الأمر هناك حتى يعرف «أن ما يتعلمه المرء هنا قليل جدا»، إذ ثمة نقص في المعلّمين، ومن يقومون بإدارة المعهد هو المدير، السيد بنيامنتا (للإدارة)، وأخته الآنسة بنيامنتا (للتعليم) ولا أحد سواهما. الدرس الرئيسي الذي يُعطى لياكوب وزملائه العشرة يتركز بنحو رئيسي «على تطبيعنا على الصبر والطاعة»، وياكوب أدرك، منذ يومه الأول أيضا، أن الصفتين هاتين لا تَعِدان إلا بالقليل من النجاح، أو بلا شيء منه أبدا. ربما تعِدان بنجاحات داخلية، «ولكن هذه ما فائدتها لفتى مملؤة مخيّلتُه بصور البذخ والتنقل بالعربات وارتياد الأمكنة المبهرة.
لكن ياكوب لم يلبث أن رضخ لما يعّده له المعهد. لم يبدر منه إلا احتجاج سريع وذلك حين أشار له المدير إلى غرفة المنامة، التي سيتشاركها مع ثلاثة زملاء آخرين. كان ذلك احتجاجا سريعا، بمثابة آخر اندفاعة نزِقة تصدر عن ياكوب، الذي لن يعود إلى مثلها أيضا. لم يُسئه أن يعلم أن الدروس جعلت لتجيب على سؤال واحد فقط هو: «كيف على الفتيان أن يسلكوا». زملاؤه الذين سبقوه حقٌّقوا نجاحا في ذاك التقدّم «الداخلي»، وأولهم كراوس، الذي يشبه القرد، والذي بلغ من الانضباط والطاعة حدّ الكمال، إذ أنه لا يخطئ أبدا، وهو ليس محيّدا نفسه عن كل ما يجري تحصينا للانضباط، بل إنه مندفع للعمل، حتى أن السيد بنيامنتا فوّضه القيام بكل شيء.
الآخرون ممتثلون أيضا، بل راضون عن وجودهم، مؤجّلين في الوقت نفسه رغبات وأحلاما لم يجبرهم الانضباط على تركها. في وصفه لزميل آخر هو شاخت يقول إن هذا الأخير يحلم أن يصير موسيقيا: «يقول لي إنه بواسطة قدرته على التخيّل، يعزف على الكمان بطريقة رائعة، وعندما أنظر إلى يديه (الخاليتين من الكمان طبعا) أصدّقه».
أما هاينريش فبلا شخصية، لأنه لا يعرف بعد ما تعني كلمة شخصية. وهناك بيتر الذي يجيد أشياء لم تُختبر أبدا. فهو يتقن اللغتين الهنغارية والبولونية، لكنه لم ينطق بكلمة منهما إذ لم يطلب أحد منه ذلك. باستثناء كراوس، الشبيه بالقرد، والمتفوّق في انضباطيته، لا حضور لأحد من هؤلاء الزملاء في تتابع صفحات الرواية. لا أحد منهم يحتج أو يقبل، أو يقوم بفعل، ولا يحدث أن يصادف لأحدهم الوقوع في مشكلة ما.

في الرواية لا يجري شيء حدثي أو فعلي، لا أحد يتشاجر مع أحد، ولا يتعرض أي من شخصيات الرواية لتدخّل خاص يأتيه من خارج ذاك المبنى الغامض المحتجب أكثره عن أنظار الزملاء.

هم موجودون فقط لإذكاء الحوار الذي يجريه ياكوب بينه وبين نفسه. الحوار الذي لن تنتصر فيه وجهة نظر على وجهة نظر أخرى، فكلها، هذه وتلك، من تداعيات ياكوب وتجري في رأسه وحده. في نظره لكل شيء وجهتان، أو وجهات عديدة متداخل بعضها ببعض حتى ليستحيل التوصل إلى أي يقين حول أي شيء، مهما كان عارضا وجزئيا. فحين يفرض عليهم المعهد، على سبيل المثال، ارتداء زيّ موحد، أعمل ياكوب تفكيره فتوصل إلى أن هذا الزي «كان يذلّنا ويرفعنا في الوقت نفسه. إننا نبدو به كأناس غير أحرار، لكننا نبدو به أنيقين، وهذا ينأى بنا عن مهانة أولئك الناس الذين يتجولون في ثيابهم الشخصية الخاصة، لكنها ممزقة ووسخة. بالنسبة لي أعتبر الزي الموحد مريحا جدا، ولا أعرف ما كان يفترض بي لولاه أن ألبس».
في الرواية لا يجري شيء حدثي أو فعلي، لا أحد يتشاجر مع أحد، ولا يتعرض أي من شخصيات الرواية لتدخّل خاص يأتيه من خارج ذاك المبنى الغامض المحتجب أكثره عن أنظار الزملاء. لقد استأثر ياكوب بالرواية كلها، متسائلا على الدوام ماذا هو وكيف ينبغي له أن يكون، وإلى ماذا يوصله، أو لا يوصله، كل شيء يفكّر فيه أو يعرض له. هي دوامة مدوّخة قصد بها الكاتب إرهاق قارئه من دون إمداده بأفكار من ذلك النوع الذي يجيب عن أسئلة، سواء كانت أسئلة بلا معنى، أو كانت من موضوعات التفكير السائدة وعناوينه في ذلك الزمن. فقط تمارين جارية في ذلك الرأس المتفاعل مع ذاك المحيط الضيق، محيط «المعهد»، الذي لا تناقض أو تخالف بين مكوّناته. وإذ بدا أن تعليم الزملاء في المعهد انتهى وحان وقت تفرّقهم، خرج هؤلاء أو توزّعوا، من دون شعور بالربح أو بالخسارة، بالرضى أو بالندم.
الرواية التي صدرت في 1909 اعتبرها نقاد وكتاب كبار مؤسِّسة للرواية الأوروبية الحديثة التي تلتها. روبرت موزيل قال إنه حين قرأ كافكا ظنّه حالة خاصة لروبرت فايزر. وقارئ هذه الرواية، على أي حال، لا تفوته مقارنتها برواية موزيل «رجل بلا قيم»، لتقاربهما إزاء غياب المعايير الأخلاقية والفكرية لدى الفرد الأوروبي. الياس كانيتي صاحب رواية «أوتو دافيه» كتب أنه لولا فالزر لم يكن كافكا موجودا.
للقارئ العربي يعود روبرت فالزر مرة أخرى. من نحو عشرين سنة نُقلت روايته هذه إلى العربية، ثم تلتها ترجمات لرواياته وقصصه القصيرة. كما نشرت في مجلات أدبية ترجمات لقصص أخرى له، لكن ذلك لم يرسّخ حضوره، على نحو ما تحقّق لآخرين عاصروه أو جاؤوا من بعده. هي زيارة ثانية له بدأت في 2018 مع صدور «مشوار المشي» في 2018، وها هو المترجم نبيل الحفار يصدر، من جيد، في 2020 ياكوب فان غونتن عن منشورات تكوين ودار ممدوح عدوان للنشر.

٭ روائي لبناني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية