في محافظة المنوفية لم يعد هناك أثر لجماعة الإخوان: السعودية تشجع التقارب الروسي ـ المصري وموسكو ترغب باستثمار تراجع النفوذ الأمريكي

حجم الخط
1

لندن- ‘القدس العربي’ ـ إعداد : أصبحت مصر فيما بعد الحركة العسكرية في تموز (يوليو) التي عزلت الرئيس محمد مرسي ساحة للفرص بالنسبة لروسيا التي ترى فيها مكانا لتوسيع تأثيرها في المنطقة، وأخذ القياد من أمريكا على الأقل في منطقة حوض البحر المتوسط.
وقد أعطى موقف الإدارة الأمريكية من الحكم الجديد وتعليقه لجزء من المساعدات الأمريكية السنوية لمصر إلى اغضاب النخبة الحاكمة في مصر ومن هنا يفهم طبيعة التحول في العلاقة التي ترى صحيف ‘التايمز’ البريطانية أنه يذكر بحقبة الخمسينات من القرن الماضي عندما استفاد جمال عبد الناصر من تدفق الأسلحة السوفييتية المتقدمة، وأسهم القوة الشيوعية هذه ببناء السد العالي، وظلت العلاقات قائمة حتى وفاة عبدالناصر حيث تحولت مصر السادات للفلك الأمريكي وأقامت معاهدة مع إسرائيل.
ونقلت الصحيفة عن غريغوري مينسكي، الباحث الرئيسي في معهد الإقتصاد العالمي والعلاقات الدولية في موسكو قوله ‘ لم تعد الولايات المتحدة تلعب نفس الدور الذي كانت تلعبه في الماضي’.
وأضاف أن روسيا لن يكون بمقدورها تقديم نفس الدعم السنوي الذي تقدمه الولايات المتحدة لمصر، 1.5 مليار دولار ‘ولكن لماذا لا تحاول موسكو إعادة نفوذها في المنطقة باستخدام ضعف التأثير الأمريكي’.ويقول مينسكي أنه في حالة قررت مصر شراء أسلحة فروسيا ستكون سعيدة لتلبية الطلب، مشيراً إلى ان روسيا ليست في وضع إقتصادي يجعلها تفعل ما فعله نيكيتا خروتشوف قبل خمسين عاماً.

استعراض عضلات
وتقول صحيفة ‘ديلي تلغراف’ إن التعاون الروسي- المصري يعبر عن حالة من ‘استعراض العضلات’ الروسية في المنطقة، حيث ترى في الجهود الروسية ‘جبهة جديدة لأخذ القياد من أمريكا في المنطقة’.
وقالت الصحيفة أن مصر ترغب بشراء معدات عسكرية بعد تعليق الدعم الجزئي من قبل أمريكا وبريطانيا على خلفية مقتل آلاف المتظاهرين بعد الأطاحة بمرسي.
ومن بين المعدات التي ترغب مصر بشرائها كما تقول الصحيفة معدات لمكافحة الشغب، واجهزة متقدمة كي تستخدمها القوات المصرية الخاصة ضد المتشددين الإسلاميين في سيناء.
ونقلت ما أشار إليه مسؤولون روس من أن قائمة المشتريات المصرية تضم أيضا طائرات ميغ-29، مع أن صفقات لشراء أسلحة متقدمة يعتمد على قدرة مصر لدفع الفاتورة في ظل وضع يعاني منه الإقتصاد المصري من أزمة.
ويقول التقرير أن الجيش المصري المدعوم من القنوات التلفازية المعادية للإسلاميين عبروا عن غضبهم للموقف الأمريكي الذي رأوا فيه دعما لمرسي وللإخوان المسلمون، في الوقت الذي كانت تقول فيه واشنطن أنها دعمت العملية الديمقراطية بعيدا عن هوية الفائز فيها.
وتعتبر الصفقة الروسية- المصرية الأكبر منذ عقود، مشيرة إلى تصريحات وزير الخارجية المصري، نبيل فهمي الذي عبر عن رغبة لتوسيع السياسة الخارجية المصرية أبعد مما كانت عليه في عهد حسني مبارك الذي كان مرتبطا بواشنطن.
وكان مدير الإستخبارات الخارجية الروسي ميخائيل فرادكوف قد زار مصر، وطرح فكرة إنشاء قاعدة عسكرية روسية في مصر، خاصة أن القاعدة الروسية الوحيدة في طرطوس السورية تتعرض لخطر كبير بسبب ظروف الحرب الأهلية في ذلك البلد.وكان المصريون قد استقبلوا الفرقاطة الروسية ‘فيرياغ’ يوم الإثنين باستعراضات عسكرية وإطلاق 21 طلقة ترحيبا بها.
وترى الصحيفة أن التقارب بين مصر وروسيا بعد عقود من التطلع غربا لأمريكا يقدم صورة عن التحولات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة العربية في مرحلة ما بعد الربيع العربي.وألمح التقرير إلى أن السعودية التي عبرت عن دهشتها لعدم تدخل واشنطن لانقاذ مبارك، قامت بضخ المليارات بعد الإنقلاب على محمد مرسي، وقد تقوم حالة استدعت الضرورة بدفع فاتورة أي نفقات عسكرية.
ويشير المراقبون إلى التناقض في المشهد فروسيا التي يقول البعض أنها تلقى تشجيعا من السعودية لبناء علاقات مع النظام المصري الجديد هي نفسها الحليف الأكبر لنظام بشار الأسد.مما دفع بعض المحللين للقول أن مصر وحلفائها الخليجيين يقومون بلعبة مخادعة تهدف لدفع أوباما فعل ما يريدون.
وفي الوقت الذي يؤكد فيه المسؤولون المصريون أن الهدف من التقارب مع روسيا هو إضافة حلفاء لا استبدالهم بآخرين.
ويقول تيودور كراسيك، الباحث في معهد الشرق الأوسط للتحليل العسكري للشرق الأدني ودول الخليج ان الإنجازات الروسية في المنطقة تنبع من مهارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على التعامل مع المصالح المتصارعة في وقت واحد فيما يبدو اوباما قادرا على التعامل مع قضية او مصلحة واحدة.
وقال إن ‘الامريكيين يخسرون حلفاءهم لأن واشنطن لم تكن قادرة على تقديم سياسية قابلة للحياة خاصة تجاه سورية وإيران ومصر’.
وتأتي التطورات على ملف السياسة الخارجية في وقت تعاني منه الأطراف المنخرطة في العملية السياسية والتي دعمت الإنقلاب من حالة من التشتت وغياب التنظيم وعدم قدرتها على الإستفادة من الفرصة التي سنحت لها بتدمير منافسها القوي وهم الإخوان المسلمون، حسب تقرير لصحيفة ‘واشنطن بوست’.

في الفيوم
وفي مقال آخر كتبه من المنوفية المعلق في الصحيفة ديفيد إغناطيوس تحت عنوان ‘ في مصر، ربيع السخط’ حيث زار مدينة المنوفية، وجاء فيه أن ‘ قصة الثورة المضادة الصاخبة توضحت من خلال زيارة إلى هذه البلدة في قلب منطقة الدلتا، حيث تواجه مزيجا متضادا بين الرفض الشعبي من القاع للإخوان المسلمون والإنقلاب العسكري من أعلى، وكنت سعيداً بالإستماع لمطالب المواطنين بحصولهم على الحقوق، حتى وسط التصفيق للجنرالات، ولكن من العدل القول أن المشكلة الرئيسية لهذه المنطقة لم تحل بعد، أي عدم توفر فرص عمل لمنطقة يزيد عددا سكانها بشكل كبير’.
ولم ير إغناطيوس أي اثر للإخوان ، فهم إما في السجون او مختفين ‘وتم تحويل مقرهم الرئيسي في شارع ناصر إلى مركز عناية يومي، فيما استولت شركة تصميم على مقر الجناح السياسي للإخوان حزب ‘الحرية والعدالة’، حيث لا يفصل بينهما سوى عدد من البنايات، مما يعطي شعورا بالخوف حيث اصبح الإخوان ‘لا أشخاص’ لا يرون ولا يتحدث عنهم’.
وينقل عن طالب تجارة إسمه محمد، حيث إنضم إبن عمه للجماعة تفسيره عدم شعبيتها في المنوفية بقوله انها جماعة تعمل في الظلام ‘وعندما اعطوا الفرصة للعمل في النور فشلوا’.
وعلى الرغم من هذا فالكاتب كان يحاول التعرف على الشعور العام في البلاد، حيث التقى ناشطين من حركة 6 إبريل الذين ساهموا في الإطاحة بمبارك، وكانوا من الشاجبين لحكم مرسي، حيث التقاهم في مقهى في شارع طلعت حرب.
ووجدهم واضحين في تحذيرهم من استمرار الحكم العسكري.

الحماية لا الحكم
ونقل عن محمد كمال، مدرس الحاسوب في مدرسة محلية قوله ‘ الكثير كرهوا الإخوان المسلمون ومرسي’ وهو وإن عبر عن امتنانه لما قام به الجيش إلا أنه قلق من عودة العسكر للسياسةـ ‘ نقدر ما فعله السيسي بالتخلص من الإخوان لكن الجيش موجود لحمايتنا لا للحكم’.
وقال آخر من حزب ‘الدستور’ أنه ذهب إلى محافظ منطقة وعنفه بالقول ‘لا شيء سيتغير حتى تغير من هم تحتك’ أي ‘ الفلول’.
ومع ذلك يعترف الناشطون أنهم أقلية وفي حالة قرر السيسي الترشح فسيحصل على نسبة 90 بالمئة مشيرين إلى أن السبب هو ‘الفوضى’ حيث يرغب الناس بالعودة لحياتهم الطبيعية.
ويقول إن ما حدث العام الماضي يوضح لماذا خسر الإخوان الدعم في المنوفية، فقد حاولوا تعيين محافظ ولكنه لم يبق في منصبه سوى ثلاثة أشهر، وبقي منصب المحافظ شاغرا لفترة حتى قرروا تعيين محافظ منهم، ولكن لم يصل إلى مقره بسبب التظاهرات اليومية امام مكتبه.
وقد حاول الإخوان توزيع انابيب الغاز للحصول على الدعم والرعاية السياسية.ويقول الناشطون انه في ظل الإخوان لم تكن هناك خطة واضحة لتطوير المنوفية ‘لا استثمار، لا زيارات من الوزراء، لا فتح مصانع، وكنت تشعر بحس الجمود’ حسب مراسل في صحيفة ‘أخبار اليوم’.
وفي الوقت الذي يقول فيه الكاتب أن الناس يشعرون بالإرتياح والبهجة لتدخل الجيش إلا انه بدون عمل، فالطالب الذي تحدث إليه لا يعرف ماذا سيفعل بعد تخرجه سوى التفكير بالهجرة ‘فالشخص الذي يتخرج في المنوفية ولا يجد وظيفة فيها يركب الحافلة’ ويهاجر.

الذاكرة ضحية
ومع ذلك فالحكومة لا تريد استمرار التظاهرات ولا أي إشارة للاعتصمامات، وتقول صحيفة ‘نيويورك تايمز’ في تقرير لها أن الذاكرة في مصر أصبحت ضحية، مشيرة إلى اعتقال فتيات وتفتيشهن والتحقيق معهن بتهم تتعلق بتهديد الأمن القومي، لأنهن وزعن بالونات صفراء، اللون الذي استخدمه معتصموا رابعة العدوية من مؤيدي مرسي.
وكانت الفتيات يوزعن البالونات في مدينة الإسماعيلية الشهر الماضي حيث كان شقيق واحدة منهن قد مات في الساحة.
ونقل مراسل الصحيفة عن رقية سعيد (17 عاما) قولها ان السلطات ‘خائفة من رابعة’، وهي ‘ نقطة سوداء لا يمكنهم مسحها’.
ويقول كاتب التقرير أن الذاكرة في مصر أصبحت ضحية منذ الثورة التي أطاحت بالرئيس مبارك في عام 2011 حيث يقوم قادة بإطالة أمد التحقيقات والتوصل للحقيقة حتى تأتي مذبحة أخرى وتغطي على الأولى.
ولكن لم يتفوق أحد بعد على جهود الحكومة المصرية الحالية ومؤيديها لمسح ذاكرة رابعة العدوية، المكان الذي شهد أسوأ مذبحة في تاريخ مصر الحديث، والمكان الذي لا يزال شاهداً على غياب العدالة ويعلم الاستقطاب في الحياة المصرية.
وينقل التقرير عن احمد عزت، الناشط في مجال حقوق الإنسان ان عدم استعداد أي من القادة السياسيين لمواجهة الانتهاكات يعني استمرار الرضوض النفسية.
وأشار التقرير إلى أمثلة عن غياب الاستعداد للمصالحة والتسامح من مثل ملاحقة رياضيين تجرأوا على رفع شعار رابعة.
ومن أجل مسح ذاكرة الحادثة قام الجيش بإعادة تغيير صورة الساحة بدون أن يترك أي اثر، باستثناء الرصاص الذي اخترق واجهات البيوت وأعمدة الإنارة.
فيما تم تعبيد شوارع الساعة بالإسفلت الجديد، فيما تم دهن المسجد الذي كان مركز الإعتصام باللون الأبيض.
ويقول التقرير أن محاولة الجيش توثيق ذكرى ما قال عنها ‘أصعب مرحلة في تاريخ مصر’ لم تهتم إلا بالجيش والشرطة فالنافورة التي وضع فيها نصب يمثل يدان- يبدو أنه يعيد كتابة التاريخ بدلاً من مواجهة الواقع.
وتقول رابعة أبو سلامة، المقيمة في الحي ‘لقد انتهوا منه بسرعة’ في محاولة لاظهار أن شيئاً لم يحدث هنا.
ولم تتخذ الحكومة أية إجراءات للتحقيق في أحداث رابعة حيث ترك الموضوع للمجلس الوطني لحقوق الإنسان- شبه الحكومي والذي لا يملك سلطات تنفيذية.وبحسب عضو فيه قالت أنهم بدأوا بجمع الشهادات وأفلام الفيديو، وهي واثقة من تحقق العدل لكن ‘سيحدث هذا لاحقاً’.
وفي الوقت الحالي لم تتفق الحكومة ولا المعارضة ولا حتى المنظمات غير الحكومية على عدد قتلى رابعة، فهم ما بين 683 -1000 حسب الحكومة، وبالآلاف حسب الإخوان.ويساعد الحكومة في محاولاتها نسيان رابعة موقف الشعب من الإخوان.
وفي مصر، ومنذ الثورة تحل ذكرى المذابح والإنتهاكات وتذهب دون تحقيق العدل أو الإعتراف بوقوعها.
وينقل عن هبة مورايف، من هيومان رايتس ووتش قولها ان ذاكرة مصر القصيرة أصبحت أسوأ خلال العملية الإنتقالية الصاخبة فقد ‘نسي الناس حقوق الشهداء’ الذين لا يتذكرهم سوى أمهاتهم وعائلات الضحايا والمحامون عنها.
ومع رابعة فالدولة تنقل حالة فقدان الذاكرة لمستوى أعلى لدرجة ‘الإنكار’، مشيرة الى تصريحات وزير الداخلية الذي قال أن عدد القتلى لم يتجاوز الأربعين في الوقت الذي كانت تقول فيه وزارة الصحة أن القتلى وصل عددهم 300 .
وقد ساعد الإعلام المحلي على تأكيد حالة الإنكار هذه، وخفف من الضغوط على الحكومة لإجراء تحقيق في الاحداث.وبالنسبة لسكان الحي فما حدث سيظل حيا في نفوسهم، وبحسب أحد سكانه محمود رزق سيظل ‘نقطة سوداء وللأبد’.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية