عاموس هرئيل
خطاب الرئيس الأمريكي، جو بايدن، يبدو كمحاولة أمريكية شبه أخيرة لوضع إسرائيل وحماس على طريق المفاوضات، على أمل إنهاء الحرب في قطاع غزة. غير الواضح في هذه المرحلة هو مدى معرفة رئيس الحكومة، نتنياهو، المسبقة، بصفته شريكاً بدرجة ما، بالخطة الأمريكية. عرض الرئيس الاقتراح الذي طرحه مساء السبت على أنه اقتراح إسرائيلي. ولكن يبدو، كما حدث أكثر من مرة على طول المفاوضات، أن هناك فجوة بين تفسير أمريكا وإسرائيل للاقتراح، خصوصاً حول مراحل انسحاب الجيش الإسرائيلي من القطاع وحجمه.
على دول الوساطة، الولايات المتحدة وقطر ومصر، جسر نقاط خلاف حاسمة بين الطرفين. أعلن نتنياهو، حتى بعد الخطاب، بأن الحرب ستستمر حتى بعد استكمال صفقة التبادل. في حين يرى رئيس حماس في القطاع، يحيى السنوار، أنه لا اتفاق بدون تعهد بوقف الحرب تماماً.
من غير المعروف حتى الآن ما مستوى التنسيق بين دول الوساطة، والطرفين قبل خطاب بايدن المفصل. هل هناك محاولة لدول الوساطة مع معرفة حماس مسبقاً، لفرض اتفاق على إسرائيل؟ أم (تقديراً، يبدو أقل معقولية هذا الآن) أن نتنياهو معني بالضغط الخارجي، للنزول عن مسار الحرب اللانهائي التي يعرف أنه لن يستطيع الانتصار فيها؟ في إحاطة للمراسلين بعد الخطاب، قال مصدر رفيع في الإدارة الأمريكية إن الرئيس عرض الاقتراح الأخير الذي طرحته إسرائيل في المفاوضات. وقال هذا المصدر إن العبء سينتقل الآن إلى حماس كي تثبت بأنها لن تفشل الصفقة. يبدو هذا كمحاولة من الإدارة الأمريكية لتقييد نتنياهو بالأقوال التي يكتبها ويقولها في الغرف المغلقة. وإذا كان هذا بحق اقتراحاً إسرائيلياً، فسيجد نتنياهو صعوبة في شرح الاقتراح لشركائه في اليمين المتطرف. هو يعارض بعض الأمور التي قالها علناً حتى الآونة الأخيرة.
الإدارة الأمريكية أعدت عملية واسعة هنا؛ فبعد ساعات على خطاب الرئيس، حصل نتنياهو على دعوة رسمية من الحزبين الكبيرين في الولايات المتحدة لإلقاء خطاب في الكونغرس. تمنى رئيس الحكومة هذه الدعوة منذ فترة طويلة، لكن الديمقراطيين لم يستجيبوا له بسبب طريقة إدارته للحرب. أما الآن فيبدو أن هناك خليطاً من العصي والجزر استهدف جلب إسرائيل إلى المشرب.
توقيت الخطاب، مساء الجمعة حسب التوقيت الإسرائيلي، أوجد فترة زمنية ليوم، لا يمكن فيها لحزبين دينيين شريكين لنتنياهو في اليمين المتطرف أن يردا على هذه الأقوال. انحرف مكتب نتنياهو عن عادته، وأصدر مساء السبت بياناً يصعب منه معرفة رد رئيس الحكومة على الاقتراح بوضوح. وقبله، هاجم الاقتراح مصدر سياسي غير معروف (هذه المرة لا يقين بأن الأمر يتعلق بنتنياهو نفسه). وقال هذا المصدر إن الأمر يعتبر انتصاراً لحماس. أمس ظهراً، نُشر بيان للمكتب باللغة الإنجليزية فقط، وصف أي اقتراح يخلو من “تدمير قدرات حماس العسكرية والسلطوية” بأنه ليس نقطة للانطلاق. في منتهى السبت، وجد رئيس الحكومة مرة أخرى نفسه عالقاً بين سموتريتش وبن غفير وبين غانتس وآيزنكوت. معارضة الجناح اليميني المتطرف للصفقة واضحة تماماً، وما يهم هذه المجموعة هو هزيمة حماس، أما إعادة المخطوفين على قيد الحياة فأمر ثانوي. وأما وقف الحرب فهو عندهم بإعادة الاستيطان في “غوش قطيف”، والقفز على نافذة الفرص التي كانت في إطارها ترغب في تدمير حكم السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية.
تبدو إحدى قائمتي “المعسكر الرسمي” خارج الباب الآن؛ خصوصاً أنه لم يبق سوى أسبوع على الموعد النهائي الذي وضعه غانتس للانسحاب من الحكومة. وإذا استجاب نتنياهو لضغط بايدن، فسيكون بحاجة إلى غانتس وآيزنكوت في الجناح اليساري في الحكومة. قد تدخل أقوال بايدن رياحاً في أشرعة الاحتجاج الذي يطالب بإعادة المخطوفين وإنهاء الحرب. وحسب معظم المشاركين في الاحتجاج، فإنهم يطالبون أيضاً باستقالة الحكومة وإجراء انتخابات في الفترة القريبة. حتى الآن، كانت مشاعر الالحاح واليأس تعتمل في الاحتجاج. ربما وفر بايدن القليل من الأمل أيضاً.
الغضب يقلق نتنياهو
بعض أقوال بايدن تثير تخوفاً من الموقف الإسرائيلي. فهو يريد إنهاء الحرب الآن، لكن كما يظهر أيضاً في بيان نتنياهو، فإن الرئيس لا يبلغ كيف ستتم هزيمة حكم حماس في القطاع، التي لم تؤد عمليات الجيش الإسرائيلي على الأرض إلى هزيمتها. ادعاء بايدن هو أن إسرائيل يمكنها الاكتفاء بالضرر الذي تسببت به لقدرات حماس العسكرية، الذي لا يسمح لها بتكرار مذبحة 7 إدارة. هذا بعيد جداً عما وعد به نتنياهو ناخبيه، حتى لو قلص رئيس الحكومة في الفترة الأخيرة ما يقوله دائماً حول تحقيق النصر المطلق.
في المقابل، حياة عشرات المخطوفين على كفة الميزان. 125 إسرائيلياً وأجنبياً، مدنيين وجنوداً، ما زالوا محتجزين في القطاع؛ نصفهم ليسوا الآن على قيد الحياة، بحسب تقديرات مختلفة. من الواضح أن الدمج بين ظروف الأسر وتنكيل حماس وهجمات إسرائيل، كل ذلك يعرض حياة الباقين للخطر. في نهاية الأسبوع، نشرت حماس فيلماً آخر، سمع فيه صوت المخطوفة نوعا ارغماني وهي تتوسل من أجل إنقاذ حياتها وحياة زملائها. يجب إيلاء الأهمية العليا لحياة المخطوفين في أي حساب إزاء أي أفضليات وعيوب ستتضمنها الصفقة التي ربما ستكون واقعية في القريب. فشل الحكومة وجهاز الأمن في إهمالهم يوم المذبحة وعدم إعادتهم لاحقاً، هو جرح لن يلتئم في الوعي العام الإسرائيلي.
في الأسبوع الماضي، قدر رئيس مجلس الأمن القومي، تساحي هنغبي، بأن الحرب ستستمر في القطاع سبعة أشهر أخرى على الأقل. وقبل هدوء العاصفة التي سببتها أقواله، هبت عاصفة جديدة عندما نشرت “أخبار 12” اقتباساً لمحادثة متوترة أجراها مع عائلات المخطوفين. كان هنغبي، حسب شهادة المشاركين في المقابلة، قد اتهم بعض ممثليهم بالكشف عن مظاهر مأساوية مبالغ فيها، ما يعتبر إشارة لعدم وجود صفقة أخرى باستثناء المرحلة الإنسانية التي سيعاد فيها النساء وكبار السن، حتى إنه -وفقاً ألقوال غيل ديكمان، في مقابلة مع “صوت الجيش”- قال: “لن يتقدم نتنياهو نحو الصفقة بدون أي تغيير في استطلاعات الرأي العام”.
في هذه الأثناء، تطاول أعضاء كنيست في المقاعد الخلفية في الائتلاف، على عائلات المخطوفين ومؤيدي نتنياهو وهاجموها جسدياً في الشوارع. وعلى خلفية ذلك، ليس غريباً أن يزداد غضب هيئة الأسرى والمفقودين. والسؤال هو: هل سيكون هذا كافياً لربط هذه الأمور، على رأسها خطاب بايدن، لإخراج الجمهور من اللامبالاة والعودة إلى الشوارع؟ هذا سيناريو مقلق جداً لنتنياهو. والدليل هو تقرير غيدي فايس الخميس الماضي، الذي بحسبه رفض رئيس “الشاباك” رونين بار، مؤخراً ضغط وزراء في الليكود لجعل “الشاباك” شرطة سرية ضد حركات الاحتجاج.
هآرتس 2/6/2024