في محطة مصر : فيلم مصاب بفقر الدم والدراما!

حجم الخط
0

وجبة سينمائية سريعة الطهي

القاهرة ـ “القدس العربي” ـ من كمال القاضي: طرحت السينما بين ما طرحت من قضايا هموم الطبقة الوسطي وركزت ضمنا علي مشاكل الفرد باعتباره جزءا من المجموع يتأثر بالظروف الاجتماعية والاقتصادية ويسري عليه ما يسري علي الدول أحيانا بتداعي الحالات وتفاقم الأزمات، وليس غريبا أن يكون المواطن البسيط محورا أساسيا لأحداث درامية مدتها ساعتان أو أكثر، فقد حدث ذلك مئات المرات في مئات الأفلام، وحتي علي المستوي الكوميدي ثم تقديم نموذج الشخص البائس ـ العاطل الباحث عن فرصة عمل دون جدوي والأمثلة كثيرة بدءا من نجيب الريحاني وإسماعيل يس وانتهاء بعادل إمام الذي جسد الشخصية ذاتها في نحو خمسين فيلما تعاون خلالها مع أساطين الكتابة الدرامية، وحيد حامد ومصطفي محرم وغيرهم، وحيث أن القياس يتم دائما علي أهمية المضمون وحرفية التناول ومدي ارتباط ما يطرح بمصالح الجماهير، فإن الحديث عن فيلم في محطة مصر آخر تجارب السيناريست بلال فضل والمخرج أحمد البدري يستوجب أن نسمي الأشياء بمسمياتها الصحيحة فما يطلق عليه سينما هو في الواقع ليس أكثر من ألعاب لها ملامح الدراما من الناحية الشكلية، فيما تجافي طبيعتها التسمية، ولو جاز لنا أن نضع لها عنوانا رائعا بها سيكون في وصفه الدقيق مجرد تنويع ساذج لأفلام مقاولات أتصور أنها كانت أقوي من هذا المسخ المشوه، فالحدوتة التي يعيد ويزيد فيها بلال سبق أن قدمها في أفلام كتبها هو شخصيا وأقر بها فيلم وش إجرام الذي تناول بذات النمطية والخفة قضية البطالة التي دفعت خريج الجامعة للعمل بودي غارد، كما أن أول أفلامه حرامية في كيجي تو لعب علي نفس الوتر مقتبسا الفكرة من حادثة سرقة المتحف المصري التي قام بها عاطل وكانت انعكاسا حقيقيا لعلاقة البطالة بالجريمة فتحولت بفضل موهبة بلال الدرامية الفذة إلي سخرية والوصف هنا مخفف جدا لاعتبارات اللياقة والأدب لأن محاكاة الكوميديا كما يصوغها في أفلامه سيحول الكتابة الي وصلة من النكت ويشغلنا عن مناقشة فيلمه الجديد الذي دخل سباق المهرجان القومي للسينما المصرية لينافس علي الجوائز معززا قيمة كريم عبدالعزيز بطل فيلم واحد من الناس أحد إبداعات بلال فضل أيضا الذي يبدو أنه وقع عقد احتكار مع منتجي سينما الإفيه للاستحواذ علي انتاج الموسم كله وملأ دور العرض بما لذ وطاب من مشهيات الضحك علي الجمهور!

نعود إلي فيلم في محطة مصر، حيث يتسق الاسم مع المضمون لارتباط محطة مصر كمكان يموج بحركة المسافرين ذهابا وإيابا من وإلي القاهرة بتعدد حالات النصب والاحتيال واستغلال السذج والمغتربين وهي ملاحظة رصدها بلال نفسه وأشار اليها سريعا في بهلوانية البطل الذي ذهب إلي المحطة ليروج بضاعته المغشوشة عملا بنصيحة صاحب المحل الذي دفع به إلي ساحة التجارة غير المشروعة واختفي، فلم نره طوال الأحداث بعد انقطاع صلة البطل كريم عبدالعزيز به إثر فوزه بجولة حرة بإحدي قري كفر الشيخ مسرح الأحداث الجديد الذي انتقل إليه كريم أو رضا برفقة الفتاة الجميلة منة شلبي التي طلبت منه أن يلعب دور زوجها لمدة 24 ساعة أمام والدها لطفي لبيب ووالدتها إنعام سالوسة للحيلولة دون إجبارها علي الزواج من شاب آخر، غير أيمن الذي أحبته وتواعدت معه علي لقاء في محطة مصر ولم يأت فتفتق ذهنها عن فكرة جهنمية لاستبدال المدعو أيمن بذلك الشاب الوسيم مندوب المبيعات كريم عبدالعزيز الذي التقته صدفة بالمحطة ـ هكذا ببساطة ـ استقر ذهن السيناريست والمخرج فضل والبدري علي أن تكون هذه البداية نقطة الالتقاء بين البطل والبطلة دون أدني مقدمات تبرر حالة الإطمئنان التي تم بموجبها الاتفاق بين الطرفين علي أداء تمثيلية الزواج، غير أن التصاعد الإيجابي في علاقة الزوج المزيف بالعائلة الريفية المحافظة جاء مضحكا ليس لأنه كوميديا، وإنما لفرط ما يشوبه من فبركة وسهولة تؤكد إنعدام وعي الكاتب والمخرج بطبيعة أهل الريف وتقاليد القري الذين يتحرون جيدا عن أي شخص يريد مصاهرتهم حتي وإن كان من أهل القرية ذاتها، فإذا كان هذا الحال بالنسبة لإبن البلد فماذا يكون الأمر إذا كان العريس جاء علي جناح السرعة متأبطا ذراع ابنتهم التي لم يفصح الفيلم عن سبب وجودها بالقاهرة والظروف التي جمعتها بالحبيب الأول أيمن، ناهيك عن أن تطور علاقة البطلة نفسها بمن شاركها مغامرة الزواج كانت أشبه بالمسرحية الذلية فالأب لم يطلب من زوج ابنته وثيقة الزواج للتأكد من شرعية العلاقة مثلا برغم أن هذا حق مكفول له بحكم القانون وتصرف بديهي في مثل هذه الحالات، ولكن لأن الارتباط بالمنطق يصعب مهمة الكتابة والإخراج ويعطل مكينة الانتاج السريع لدي كتاب الدراما الصيفي فقد خلق الكتاب منطقا خاصا لا يتقيد بضروريات، وعليه صارت الكتابة فعلا ممكنا في ظل الرواج الطاغي وتدفق الأموال وسوق العرض والطلب المفتوحة أمامهم بلا عوائق!! في ظني أن القانون الأدبي لصناعة السينما يحظر جرأة الإبداع علي هذا النحو ويجرم المصنف الفني الذي يتولد قسرا بفعل الرغبة في التواجد وحصد الأموال، إذ أن ما يتبقي من تاريخ المبدع هو ما يمكث في الذاكرة ويعتد به كإبداع حقيقي، أما الاختلاق والتلفيق والتحايل باسم السينما ليس إلا فراغاً وخواء ولهاثا وراء الشهرة والمال.

الثنائي الذي شكله بلال وكريم عبدالعزيز أفرز تجارب محسوبة بالسلب علي السينما فلا يمكن تصنيف ما قدماه سويا علي انه كوميديا في مجمله ولا تراجيديا، ولكن هو تراوح بين هذا وذاك، أي أنه الوقوف بين الضحك والبكاء فكريم ليس ممثلا كوميديا يمتلك القدرة والأدوات التي تصنع منه نجما يمكن الاعتماد عليه في شباك التذاكر، كما أن قدرته علي الإقناع في أدوار الشر محدودة للغاية لأنه يمتلك ملامح هادئة تتسم بالحياد، بل هي أقرب الي الوداعة والطيبة، وربما ذلك ما يجعل توظيفه كممثل مهمة صعبة سواء في رسم الدور علي الورق أو علي مستوي الإخراج، والأنسب من وجهة نظري هو الاتجاه الي الأدوار الرومانسية لو طبقنا عليه قواعد الشكل والجسم وكان ضروريا أن يظل نجما سينمائيا، وللأمانة فإن ارتباط كريم عبدالعزيز ببلال فضل آخر به كثيرا برغم ما تحقق له من نجاح جماهيري لأنه حجم قدراته وقطع الطريق علي كتاب آخرين كان من الممكن أن ينوعوا في أدواره فيصبح لديه تراكم في الخبرات والأداء، ومن ثم يجد ما يفعله غير إجهاد نفسه في إضحاك الجمهور بالقوة دون الإرتكان إلي جملة حوارية حقيقية تدعم أدواته التي يسخرها فيما لا طائل منه فيبدو كالملاكم الذي يبدد قوته في اللف حول الخصم بغير أن يوجه له ضربة واحدة تثبت قدرته علي الفوز أو حتي المنافسة! ولو جاز أن نقارن في مستوي الأداء بين فريق العمل والبطلين الرئيسيين سنجد أن هناك تفاوتا واضحا في الخبرات والقدرات وثمة شيء يتأكد باستمرار أن قوة الممثل وبداعته ليست بمساحة الدور، فالفارق جاء بالطبع لصالح لطفي لبيب وإنعام سالوسة فكلاهما أدي دوره ببراعة وتلقائية علي الرغم من سذاجة الحوار وعدم وجود نقاط قوة بالشخصية تساعدهما علي إبراز ما يمكن أن يبرز في الشخصيتين، أما عن منة شلبي فلم تتجاوز قدراتها في أفلامها السابقة، حيث جري عليها ما جري علي بقية الشخصيات التي عانت من أنيميا وفقر مدقع طوال مدة الأحداث، لم ينقذها منها غير إطلاق سراحها لحظة إضاءة أنوار الصالة ونزول تترات النهاية المؤلمة!!2

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية