في مختبر الأحياء

هو أستاذ (عدنان) المختص بعلم البيولوجيا في السنة الأولى من دراسة الطب، وصار الرجل بشخصيته الجذابة وقامته الربعة وصلعته الفسيحة على مساحة رأسه كأنه علامة دالة في كلية الطب، ولما تقدمت السنين وتقاعد الرجلُ تحول صفه التدريسي إلى نوع من التقويم الزمني ـ الدراسي بين الأطباء، فيُقال مثلا لفلان إنه أكمل الدراسة وكان من جيل المعلم عدنان، أو إنه درس الطب بعد سنتين من تقاعده، أو ثلاث أو عشر… إلى أن ذابتْ ذكرى الرجل في غبار الحروب التي أكلت البلاد والعباد والذاكرة، وفي هذه الكلمات يجهد اليراع من أجل إعادة روح أستاذي إلى الوجود، فنحن لسنا سوى أرواح تلبس أجسادا تذوب حتما ذات يوم، لكن أشباحها تبقى هائمة في الزمان والمكان.
أطال الله في عمر أستاذي إن كان حيا، وإذا كان قد صار رمادا لا اسم له ولا جسم ولا رائحة، فها أنا أغامر بأن أعيد الثلاثة إلى الحياة ثانيةً، فهل أستطيع؟
إن ذاكرة أي طبيب لا بد أن تعود إلى درس تشريح الضفدعة بإمرة الأستاذ (عدنان فروك) وقد أخذ الرجل لقبه من اسم هذا الحيوان باللغة الإنكليزية التي كانت، ولا تزال، أداة التدريس في كليات الطب في البلاد. وعندما تتمكن من فحص الحيوان الصغير بدقة تشريحية تبلغ العظام والدماغ والمعي، وكذلك المخ والمخيخ والخلايا والدم، عندما يرى الطالب في الصف الأول كل ما في الكائنات بصورتها الدقيقة، يقدر عندها أن يتعامل مع المرض الذي يصيب الإنسان. إن دراسة الأحياء الصغيرة تعطينا الشجاعة والقدرة على اقتحام الجرم المجهول والغامض، وهو الإنسان، ومدارس الطب التي لا تسير على هذا النهج لا يخرج منها إلا النطاسي الخائف والخائب، ذلك أنه يجابه عملاقا أول ما يجابه، هو البشر ابن آدم أبينا وأمنا حواء، فيصرعه هذا من أول نظرة حتما، ولا تقوم له قائمة بعد ذلك مثل المصارع الذي خسر النزال، فلا بد له من مغادرة الحلبة.
شيء من السذاجة في شخص الأستاذ عدنان تعطيه الحماية من آفة النسيان، مع شيء من العفوية وطيبة القلب، وهو يلقي محاضرته علينا في مختبر الأحياء، بينما تجوس أيادينا أجساد الضفادع، تفتح الجلد بالمشرط أولا، ثم يأخذ المقص دوره في فتح أغلفة الأحشاء، والحيوان مخدر في الأثناء، بطنه إلى أعلى وظهره إلى أسفل، ومصلوب بواسطة دبابيس تخترق أطرافه الأربع إلى وعاء معدني مستطيل الشكل فيه ماء معقم، وفيه كذلك ما لا أدريه من محاليل القَصْر والتثبيت، في سبيل أن يظل قلب الضفدع ينبض طوال زمن الدرس.
الجو بارد في الخارج، والوقت ضحى والشمس في حفيفها، والمكان هو جامعة بغداد/ كلية الطب، على بعد أمتار من الشارع الذي يحمل اسم هارون الرشيد، ملك الشرق والغرب والشمال والجنوب في زمانه، ومن نهر دجلة الذي ينساب ببطء في مجراه، والقباب الزرق القاشانية للجوامع القريبة تذوب في السماء بألوانها، وفي كل مكان هناك غناء العصافير الرقيق مرة والصاخب أخرى، وكل هذا لا يعطي تفسيرا للصمت الغريب وللظلال القوية في المختبر، للعتمة في وجه معلمي وفي وجوهنا نحن الطلاب، ولا شمعة يمكن أن تُضاءَ، للصحو المشتعل في أعلى الهواء وكان ينزل فوق رؤوسنا مثل المطر، لسقف المبنى والجدران التي كانت تنظر إلينا بثبات، لشُجيرات الورد في الحديقة مرمية في انكسارها، حتى غناء العصافير كان يبتعد، ويتضاءل، وكنتُ أسمعه كأنه من وراء حلم، وكل هذا لأن ثلاثين ضفدعة مصلوبةً في أوعية التشريح الخاصة، ومباضع الطالبات والطلاب الثلاثين تعمل في أجسادها، وكل طالب يرى ما في الحيوان نفسه وبدنه، وينبض فؤاد الضفدع طوال زمن الدرس، وكذلك ذهنه وعيناه اللتان تريان كل شيء، سارحةً فينا من أثر التخدير، كأننا خيال، حتى الصمت القوي الذي يملأ الفراغات بين شرح الأستاذ كانت له ظلال ثقيلة. لا أدري حقا كيف كانت مشاعري وأنا أمر بهذه التجربة أول مرة، لكنها لم تكن طبيعية حتما، وإلا ما تركت أثرا قويا ظل باقيا في ذاكرتي، رغم مرور حوالي نصف قرن.
كانت الطالبات يرتدين قفازات خاصة بدرس التشريح، وكن يضفين على المشهد أناقة ولطافة وعطرا، كما أنه عليك أن لا تقطع في أثناء عملك شرايين كبيرة تسيل منها الدماء في المحلول الذي يسبح فيه الحيوان. أكثر ما كان يربكني في أثناء عملي هو برودة أصابعي وهي مغمورة في الماء، وحرارة الدم في قلب الضفدع، وجسمه مشدودٌ إليه كله مثل وردة حمراء تقرع الهواء بالموسيقى التي كنتُ أسمعها واضحة، الدم الحار يبين من وراء العري الشديد الذي صار فيه القلب مكشوفا إلى الهواء، والمباضع تقص جُرمَه الصغير، وفي وهلة في أثناء العمل، كنت أخال الضفدع يتخلص من دبابيس الصلب، وبقفزة واحدة يكون في الخارج، طائرا عبر إحدى النوافذ الست للمختبر، تشده البِرك والمستنقعات والرياح.

فائدة الواقع الشعري أنه يشرح كل ما في عالمنا من صور وأصوات وروائح، ويطرح أسئلة ويكشف ما لا يمكن رؤيته أو لمسه أو سماعه، لكن يمكن إثبات وجوده بواسطة الإحساس، وهذا قديم جدا في دنيا الأدب، وحديث كذلك.

رفعتُ أنفي في أحد الدروس أشم السكون الذي يلف الجو، وكان ممتلئا بأفكار الحيوان المصلوب، المكشوفة أحشاؤه. كان يتحتم على قلب الحيوان أن يتوقف في ذلك اليوم، من أثر المفعول القاتل لأحد العقاقير. تم الفعلُ تماما، وصدقَ ما قاله الأستاذ، وشعرتُ عندها كما لو أن العالم قد ضاع أو فُقد. لكنه القلب يا أستاذ، وأنتَ تُذيقه السُم في وضح النهار. لو أجلتَ الأمرَ إلى الليل يا أستاذ، الموت في النهار أشد أنواع الظُلم والله. قال رامبو لأخته وهو يحتضر: «بعد قليل أنتِ تسيرين تحت الشمس وأنا ميت». ألهذا السبب يُساق المحكومون بالإعدام إلى الشنق في ساعة الليل الأخيرة، أي أن الأمور تصل إلى نهايتها تحت جنح الظلام؟ هو نوع من الرأفة بهم أنهم لا يرون وقت السحر ساعة موتهم، لأننا قبس من الشمس، فمن يشهد طلوعها يكون النهار ملكه حتما، والغسق والعشية كذلك، أما الليل فهو من حصة الآلهة، تجول في السماء، ثم تنزل في ساعة على الأرض وترسم بكلمات خفيفة قدرنا. يقول سارتر: «لا يكفي أن نموت، لكن لا بد أن نموت في أوقاتنا» وأضيف تحت ستار الظلام الشديد، كي لا تكون نهايتنا جديرة بالشفقة، وتشبه الوفاة عندها نومةً هانئةً طويلة، تتخللها أحلام سعيدة.
كان يمكن للحيوان أن يرسل لي كلمة واحدة كي أتوقف عن إتمام التجربة، لكنه كان مخدرا تماما، بينما كنتُ في كامل صحوي، وعندما انتهى الدرس كان قلبي تمتصه حفرة شديدة الظلام، وظلت استغاثة القلب الميت تصلني ويغمرني الحزن والكآبة كما لو أني أفكر في عدم مغادرة هذا الجو لأن ما يشبه الصليل سيظل يلاحقني وإن تجولتُ في أنحاء العالم، فهو يبقى يتبعني أينما حللتُ. تمكنتُ في تلك الساعة من إدراك الفرق بين الواقعين الحياتي والشعري، والأخير هو الحقيقي لأن مصدره الخيال الأدبي، حيث تتلاطم مقاييس الأشياء مع أسارير الكائنات، وعن طريق هذا الصراع نكتشف حقيقة الوجود.
فائدة الواقع الشعري أنه يشرح كل ما في عالمنا من صور وأصوات وروائح، ويطرح أسئلة ويكشف ما لا يمكن رؤيته أو لمسه أو سماعه، لكن يمكن إثبات وجوده بواسطة الإحساس، وهذا قديم جدا في دنيا الأدب، وحديث كذلك، نطالعه في حكايات كليلة ودمنة وقصص ألف ليلة وليلة، وكذلك في ما يُسمى اليوم بالواقعية السحرية وآخر ما جاءنا من أدب ما بعد الحداثة، فقد أنطقَ الروائيون به الحجر والشجر والإنسان الميت والحيوان والحشرة. الواقع الشعري أو السحري، ولك أن تدعوه ما شئتَ، ينقل إلينا الصورة والحقيقة كاملتين، وتحصل لنا في الحياة اليومية مشاهدُ مماثلةٌ لبشر نلتقيهم صدفة أو يعيشون معنا، والواحد منهم يكون مصلوبا في مشاهد من العوز أو النصَب أو القهر الشديد، وحاله حال الضفدع في مختبر الأحياء، الذي توقف قلبه لأنه صار مكشوفا أمام الجميع، والعوز والقهر والتعب الشديد له مفعول يشبه ما للسُم القاتل.
عليّ أن أقول شكرا مرتين لأستاذي عدنان، الأولى لأنه علمني حرفا ومهنة، والثانية لأنه وضع قدمي على الدرب الذي نتمكن فيه من رؤية الوجود بصورته الصحيحة، مستعملين الحواس والحدس، بالإضافة إلى ما تطلع عليه النفس الشاعرة، وهذه الخطوة تحتاج لدى كل كاتب إلى تجربة عظيمة تشبه ما مر بي مع الضفدع المثبت بالدبابيس، وكان يكتب بفكره ورؤاه قصيدة ربما عثرتُ عليها بين أوراقي ذات يوم، وفيها أغنية العذاب التي تجري على لساني، وعلى ألسنتنا جميعا.

كاتب عراقي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية