شاعر ثوري ، مفتون بالبحث عن الحكمة ، يعتقد نيتشه أن الفلاسفة هم أطباء عليهم تقديم يد العون للمجتمع لغاية إيجاد الطريق الحقيقي ، طريق الحياة ، حرة وقوية . لماذا نهتم بفكر نيتشه ؟ إنه من قام بالدفع بعيدا بالحاجة إلى الجذرية التي يجسدها التفكير الفلسفي . وهو من شكك ، ليس في هذا المذهب أو ذاك ، بل في الممارسة الفلسفية في عمومها . فالفلاسفة بالنسبة إليه لايفعلون ما يقولون . وبالتأكيد ، فهم يزعمون استبعاد الرأي والاعتقاد ، بلا رحمة كي لايقبلوا إلا بما هو شرعي ومبرهن عليه بطريقة موضوعية . لكن ، ألم تنس الفلسفة دفعة واحدة في تبرير مواقفها للبداية ؟ الم تشيد على أساس إجماع سري ، سلسلة من الاقتناعات ما تمت مساءلتها قط ، عاملة آنئذ على مناقضة مثالها ؟ هو ذا الامتياز الذي منح على الفور للحقيقة . ‘ لنفترض أننا نتوخى الحقيقة : فلماذا لانتوخى بالأحرى اللاحقيقة ؟ ثم عدم اليقين ؟ وحتى الجهل ؟ ‘ يتساءل نيتشه في كتاب في ما وراء الخير والشر (1886) . سيعمل والحالة هذه ، على مطاردة أحكام الفلاسفة المسبقة التي يدين نزاهتها الفكرية . ثم إعادة تعريف المشروع الفلسفي بهدف جعله في تصالح مع طموحه . هكذا يعلن العمل النيتشوي عن نفسه ؛ مثلما يبرهن أنه ، وراء كل فكر ، توجد سرا في العمل غرائز ، تلك السيرورات اللاشعورية هي التي تبنين الجسد وإليها تعود فكرة إرادة القوة . تعبر الغرائز عن الاختيارات الأصلية للأحياء ، الجاذبية أو التنافراللذان لايقهران واللذان يبنينان طريقته في العيش . وهو مايسميه نيتشه بالـ’ قيم ‘ ، فمثلا أفضلية الحقيقي ، التي تلائم الرعب الذي يتم الإحساس به بخصوص الخديعة . كذلك الإيمان بالخير في ذاته ، الغيرية ، اللامبالاة ، الشفقة … في كل مرة تعمل القيم على تحديد زاوية نوعية والتي من خلالها يدرك الواقع ويعاش : كل فكر هو تأويل : اعتقادنا في حقائق موضوعية ، احترام مثال المعرفة اللامبالية ، الاعتقاد الذي يوجد تفكيرا خالصا ، محايدا ، مؤثرا بإخلاص في طبيعة العالم نفسه ، هو منظور مماثل ـ من بين العديد من المنظورات الأخرى الممكنة ، لم تتقاسمه الحضارات برمتها . وكون أنه ينتصر في حضارتنا ، سليلة الأفلاطونية ، فإنه يعمل من الآن فصاعدا على إخفاء خاصيته المتفردة . نزاهة لاعيب فيها كان الفلاسفة مصابين بالعمى بشكل مأساوي ، لأنهم ، بالنسبة لنيتشه ، كانوا سجناء اختيارات ثقافية عملوا على إطالتها في غفلة منهم ؛ فقد اعتقدوا التوصل إلى معرفة مطلقة ، خالية من كل تكييف ، ونسوا أن كل فكر يرتكز على اختيارات لايدركها الوعي . إذا كانت الفلسفة تبتغي لنفسها أن تكون سؤالا جذريا ، لنزاهة لاعيب فيها ، ستكون تحليلا للقيم ، وهو ما يسميه نيتشه بالجنيالوجيا ، الذي ينبغي عليه بناء قضيته الأساسية ، وليس البحث عن الحقيقة ، التي ليست سوى قيمة من بين قيم أخرى . إن مثل هذا البحث حول مختلف أنماط الامتيازات التي تنظم مجموع الحياة الإنسانية تستوجب والحالة هذه ، فهما جديدا للفلسفة ، وهو الفهم الذي يقدمه نيتشه على شكل عقل حر : وسيشكل الانعتاق فضيلته الأساسية ، وسيتمظهر هذا الانعتاق عبر قدرته على الانفصال على القيم السائدة بهدف مساءلتها . ولكن يوجد ماهو أسوأ بالنسبة لنيتشه من اكتشاف سطحية الفلاسفة : هو ما تحمله قيمنا الأوروبية من خطر . تجعل منا الحقبة المعاصرة شهودا على زوال المعالم المؤسسة التي قادتنا منذ ما يزيد عن ألفي سنة ثم على انبثاق العدمية ـ وهو الحدث الذي تشير إليه صرخة مجنون كتاب العلم المرح (1882) : ‘ مات الإله ! ظل الإله ميتا ! ‘ إن شك التناقض بين الواقع وتوقيراتنا الأساسية ( الحقيقة ، الكينونة ، الخير ، إنكار الذات ، الشفقة ) ، يقذف بفقد الثقة على هذه القيم الآنف ذكرها . إن انهيار المعالم يحدث تشاؤما معمما ونفورا من الوجود . يعرض هذا التطور التراجيدي مستقبل الإنسان للخطر فهو الذي يسوغ تدخل الفيلسوف . وبالفعل فإن القيم هي تنظيمات تطبيقية ، وليست أفكارا عقلية خالصة : تكون شروط حياتنا ، تمارس تأثيرا عميقا على تطورنا . وعليه ، فإن الفيلسوف لطالما تم الخلط بينه وبين الطبيب ، ‘ طبيب الثقافة ‘ ، أعني [ طبيب ] تنظيم الوجود الإنساني في كل أبعاده . هكذا يرد نيتشه الإنسان إلى قلب التفكير الفلسفي : على هذا الأخير أن ينشغل بـ ‘ ملاحظة نبتة ‘ الإنسان ‘ إلى حدود الساعة أين ومتى نبتت ونمت بقوة كبيرة ‘( في ما وراء الخير والشر) . ينجم عن طموح ‘ السمو بالإنسان ‘ الإنسان الأعلى ، معبرا عن شكل صحة خارقة . التعصب للحقيقة يعتبر الوضع الحالي نقديا : ‘ كل القيم التي بها توجز الإنسانية في الوقت الراهن أسمى أمنياتها ، هي قيم انحطاط ‘ ، يؤكد نيتشه في كتاب ضد المسيح (1888) . تنقاد الثقافة الأوروبية التي تهيمن عليها الأفلاطونية مناوبة مع المسيحية ، إلى القيم الأخلاقية التي تدين ما هو محسوس ، الجسد على وجه الخصوص ، والتي تطرح عالما خياليا آخر كموضوع للتوقير : عالم الكينونة ، الفكر باعتباره أزليا ، مطابقا ، مثل الـ’ عالم الحقيقي ‘ ، كما يشير إلى ذلك كتاب أفول الأصنام ( فصل بعنوان ‘ كيف غدا الـ’ عالم الحقيقي ‘ خرافة ‘ ) . تتضح الغرائز المدانة من قبل تلك الأخلاق أنها ليست دائمة فقط في العمل إلى وجودها في الـ’ فضائل ‘ التي يعظمها هذا الأخير [ العمل ] ، ولكن بصفة خاصة فهي تعتبر ضرورية لتطور الحياة وازدهارها : ‘ ألايزال الإنسان الضارب في الضرر أكثر نفعا ، ضمن منظور المحافظة على النوع ؛ لأنه يصون لديه ، أو ، بعمله ، لدى آخرين ، غرائز جنسية لولاها لأصاب الإنسانية ما أصابها من الضعف أو التعفن منذ امد بعيد . ‘ (العلم المرح ) . ألا يصير الـ’ خير ‘ والـ’ شر ‘ أكثر ترابطا كما قد يعتقد ؟ إذا كان ‘ كل ما في الإنسان يتعلق بالجارحة والحية يتم استخدامه بالتساوي للرقي بالنوع ‘ البشري مثل نقيضه ‘ ( في ما وراء الخير والشر ) ، ينبغي على الفلسفة آنذاك مساءلة صحة انشقاقاتها : التفكير ‘ في ما وراء الخير والشر ‘ . فما الذي يمكن ان تعنيه مثل هذه الأخلاق التي ، تخلط بين المحسوس والشر ، تأمر الأحياء باتخاذ إنكار الوجود العضوي كشرط للحياة ؟ ‘ لا’ موجهة إلى الحياة بالحياة ذاتها ، أو عبر شكل من أشكالها ، يتساءل نيتشه ؛ ومع ذلك ألا يشير إلى ذلك سرا تعصب الحقيقة التي تقطن ثقافتنا : ‘ إذا كان صحيحا أننا نعيش بفضل الخطإ ، فكيف يمكن أن تكون ‘ إرادة الحقيقة ‘ في هذه الحالة ؟ ألا ينبغي عليها أن تصير ‘ إرادة للموت ‘ ؟ ( شذرات بعد وفاة المؤلف 1885 ) . يقود تعديل البحث الفلسفي آنئذ ، إلى إظهار أن القيم التي عشناها هي قيم موت ، تتسبب للإنسانية الأوروبية في موت بطئ . فنان الصــحة يفسر هذا التشخيص مشروع القيم ، الذي يجب على الفيلسوف الطبيب ، ‘ الإنسان ذو مسؤولية واسعة النطاق ، المالك لوعي منشغل بتطور الإنسان في جملته ‘ ( في ما وراء الخير والشر ) ، تنفيذه . يعتقد نيتشه أنه ينبغي العمل على الأفضليات سيئة التنظيم ، إنكارية ، مرضية ، توجد في مصدر العدمية ، استئصال المرض والصراع من أجل إحداث ‘ قوة وإشراق أسمى ، ممكنين في ذاتهما ، من نوع إنساني ‘ ( جنيالوجيا الأخلاق ، 1887 ، من المقدمة ) . ليست القيم صحيحة ولاخاطئة . وبالمقابل فهي تعتبر خيرة أو مؤذية . من أجل مقاومة هذه الأخيرة ، على الفيلسوف أن يصير مبدعا : ‘ الفلاسفة الحقيقيون هم أشخاص يأمرون ويشرعون . […] فهم يمدون يد ا مبدعة بهدف التحكم في المستقبل كل ما كان ويكون لصالحهم ، هذا الفعل ، وسيلة ، أداة ، مطرقة . ‘ ( في ما وراء الخير والشر ) . وبوصفه فنان الصحة ، سينذر المشرع نفسه في فرض شروط حياة تؤيد الواقع بدلا من الهروب منه ، وبقولها نعم للحياة ، عاملة على تفضيل تقويتها : ربما إلى حد إرادة العودة إلى الحياة بطريقة مماثلة . من خلال عود أبدي . ــــــ Patrick Wotling) ( ، أستاذ بجامعة ريم ، من بين أعماله : نيتشه وقضية الحضارة منشورات (puf،collection ‘ quadrige ‘، 2012 ) عن مجلة لوبوان الفرنسية عدد ممتاز تحت عنوان : نيتشه يونيوـ يوليوز 2013 عدد 14 [email protected] ترجمة : الحسن علاج