في مديح اللا معنى

بقليل من التأمّل في هذا المصير الكارثي الذي ينتظر الإنسان في العقود المقبلة، والمبشّر بهيمنة الرقمنة وتغوّل الآلة على حياته، وكل مناحيها المختلفة، سيخلص إلى حقيقة مفادها أنه غدا عبدا رهينا لهذا العالم الموحش والغريب، فالارتياب حاصل، والحيرة ظاهرة جلية، والدهشة عنوان المرحلة، وبالتالي فواقع الحال لا يُبشّر إلا بالأفظع.
والعلماء يتنبأون بأن الكرة الأرضية مآلها الاندثار بفعل الإنسان الذي يلتهم المعنى ويقتله لنصرة اللامعنى، فالكل تمّ تشييئه، وحياة البشرية في جحيم يومي، فالرغبة في الغنى السريع بكل الوسائل المشروعة وغير المشروعة حوّلت الناس إلى قطيع تابع وخانع، خاضع وتافه، وصارت القيّم آخر ما يفكّر فيه. الضحالة والإسفاف، الوقاحة والتّعالم، الجهالة والمال، كلها مؤشرات ستفضي إلى جعل العالم مجرد فضاء للقتل والتضبيع، للتّخريب والتّدمير، الأرض لمن ينهك حرمة الحياة، والفناء لكل من يقاوم من أجل الإنسان والقيم. فهذه المفاهيم غدت هوية الإنسان المعاصر، فما أنتجته الحضارة الإنسانية من جمال غدا قبحا يطوق الكون كله، فبفعل هذا الاجتياح المرعب والمتسارع للشبكات العنكبوتية، وللغة الماركتينغ، الناس في أوهامهم غارقون، البعض يستأسد على الآخر، وينهب ويسرق باسم العولمة وما شابهها من أيديولوجيات أسهمت في تمييع الحياة.
اللامعنى واقع، غبي من يتغاضى عنه، فهو الكتاب المفتوح على البشاعة والانتصار للوقاحة، على البؤس الذي يشكل حزاما ناسفا ستكون الكلمة الفصل في مصير العالم. لأن هذا الإنسان مازال يتمادى في انتهاك حرمة الوجود، والسعي نحو التدمير العشوائي لكل ما يمت بصلة إلى نظام الطبيعة، حيث الجشع في العمران وتغييب الإنسان والقضاء على قيم النبل والحق والخير والجمال، قيم الحياة التي ضحّت من أجلها البشرية منذ وجود آدم على وجه البسيطة، الأمر هنا يدعونا إلى إثارة انتباه هذا الإنسان المعاصر المهدّد في كل شيء وبكل شيء، في وجوده، في أرضه، في قيمه، في حضارته. فالرقمية غدت خطرا محدقا بالبشرية قاطبة، جرثومة تستشري في أجساد الناس، لا أحد ينتبه إلى ما تحمله من سلبياتها ونتائجها التي تصبح وبالا على الجميع، الكل هائم في أوهامه وصفاقته، في غيّه وضلالته، في عزلته وفردانيته المرضية، فما نراه ونعايشه من ظواهر اجتماعية تتنافى مع جوهر الإنسان وتتناقض مع منطق الوجود، وتقوّض ما شيده الإنسان في العهود السابقة، جدير بالتوقف ولو برهة من الزمن العابر، قصد إعادة النظر في كل ما يحيط بنا من أبشع الصور، الفظاظة والنرجسية والفردانية والأمراض النفسية، وتحطيم جدار القيم، وتفكيك العلاقات الأسرية والاجتماعية، تجليات من ملامح عصر التشظي بامتياز. هذا التشظي الملازم للذوات التائهة في تفاهات اليومي والمبتذل، والساعية بشكل نلمس فيه نوعا من الاعتباطية، دليل ساطع على تيه الإنسان المعاصر في مسالك اللاذوق، ذلك أن التلذذ بالحياة أصبح بلا طعم ولا نكهة، التلذذ بحياة المعنى ما عاد له موطئ تفكير في عقل هذا الإنسان، بقدر ما بدأ تسفيه الثقافة والعمل الإنساني، والتقليل من دور النور العلمي والفكري في إضاءة المعتم والمحيِّر في هذا العالم أي أولوية، الأهمية، اليوم، للتسطيح والاتكالية المقيتة، للخيانة العلمية والوجودية التي دبّت في كل شيء، حتى الحياة تتم خيانتها بقتل الجليل والجميل والبهي فيها، عين البصيرة مصابة برمَد البصر، وعن كل العيوب كليلة.

اللامعنى هوية هذا العصر وحقيقته المضنية، والحارقة لكل من لا يزال يحمل ذرة من جوهره الإنساني، وهو نتاج المابعد حداثة، حيث الفوضى سيدة العالم، والعبث السيف الذي يقتل في الروح كل بصيص أمل في الخروج من هذا النفق المظلم والمعتم.

إنسان الألفية الثالثة بدون رؤية واضحة ولا ملامح تثبت أنه قادر على تصحيح المختل في الكون، الرقمنة والحروب، الغابوية بوجوهها المتعددة من إثارة الحيوانية بكل تجلياتها، حيوانية الجنس، حيوانية الجَوْر، حيوانية المادة، حيوانية فاقت الحيوان، فالقتل/ التخريب/ التدمير/ الاغتصاب/ الانتحار/ الشذوذ بتعبيراته/ التطرف بوقاحته وقبحه/ التّعالم بأفظع ممارساته/ التجبّر والعتو والتسلط/ هذه المسميات كلها مسمى لواحد اللامعنى.
اللامعنى هوية هذا العصر وحقيقته المضنية، والحارقة لكل من لا يزال يحمل ذرة من جوهره الإنساني، وهو نتاج المابعد حداثة، حيث الفوضى سيدة العالم، والعبث السيف الذي يقتل في الروح كل بصيص أمل في الخروج من هذا النفق المظلم والمعتم، والعدمية التي غدت ملمحا من ملامح التصحر الحضاري، هكذا تجد البشرية ذاتها في مجابهة هذا الطوفان العولماتي، الذي سيغرقها في ظلام دامس من الغوغائية والشعبوية المقيتة. هذه الأخيرة العنوان البارز في حياة إنسان يدّعي الحداثة والعصرنة، وأنه إنسان الآلة ولكنه، في العمق، يلبي غرائزه الوضيعة بشوفينية مميتة لكل القيم. ويعمّق من مأساته في هذا الوجود، ذلك رغم مظاهر حداثته فهو يعبّر ويشتغل ويتعامل وفق نسق تقليدي بشع، ومثير للاندهاش، ويطرح العديد من الأسئلة.
أليس اللامعنى تعبيرا عن هذه الجهالة؟ عن هذا العمى في البصر والبصيرة؟ عن البشاعة التي تؤذي القلب قبل العين؟ عن ارتكاسة حضارية لم تشهدها القرون الماضية؟ عن الموت الذي انتصر على الحياة؟ عن الحياة التي استسلمت للظاهر السطحي؟ عن اللاإنسان الذي تغلغل في البشر والعالم؟
تلك أسئلة لابد لنا من سبر مغالقها، والحفر عميقا في مكنوناتها قصد التوصل لإجابات تخفف من وطأة هذا الرعب الذي يسكن العالم والإنسان، ويزيل عنا الغشاوة، الحاجز الواقف أمامنا بين الحقيقة واللامعقول، بين العتمة والضوء، بين الشيء واللاشيء، بين الحيرة والالتباس، بين الجليل والعجيب. إن الثنائيات الجامعة أعناق المتنافرات – بتعبير عبد القاهر الجرجاني- المطروحة سلفا تثير فينا الرغبة في اجتراح مُدْخلات، في اعتقادنا، بمُكْنِها تشريح اللامعنى للكشف عن مكمن الداء العضال الذي التهم ويلتهم ما تبقى للإنسان من إنسانيته، لأن طبيعة التغيّرات المفاجئة والمذهلة أسهمت في تثبيت دعائم هذا الشعور، وفقدان الأمل في إيجاد حلول ناجعة لهذا المصاب الجلل في مسار الحضارة الإنسانية، فالغالب أن تحويل الإنسان إلى بضاعة بعيد كل البعد عن كُنْهه وعمقه بكونه كائنا يحمل بين ضلوعه كل العواطف والرغبات واللذات، وفي عقله كل الأفكار والتصورات تجاه ذاته والعالم، وتحويل ما هو جوهري إلى شيء تافه ولا قيمة له، والأجدر هو التكيّف مع هذا المعطى الكارثي للنظرة الاحتقارية للإنسان؛ قد تكون من بين العوامل الرئيسة التي زادت من تضييق الخناق على المعنى، أي معنى الإنسان والكون والكائنات المحيطة به، ومعنى الوجود والحياة. هكذا تتحول الديمقراطية وحقوق الإنسان وفلسفة الأنوار والإبداع والموسيقى والفنون بشتى المسميات – وهنا نتحدث عن القيم الذي تسمو بالروح والذات إلى الأجمل والأبهى – إلى مجرد أضحوكة أمام الاجتياح العرمرم لعولمة الإسفاف والاستخفاف من النتاج البشري، والنظر إليه على أنه مضيعة للوقت، وتعطيل لعجلة التقدم والسير صوب ارتياد عالم بلاستيكي، وهنا نؤكد على أنه منذ ظهور الورود البلاستيكية دبّ الجمود في كل القيم، المحبة، العلاقات الإنسانية، المشاعر، السكينة والأمن، في الحياة التي فقدت مناعة الصبر والبهجة والبراءة ومعانقة الجمال.

في الثقافة الوضع كارثي، لا ثقافة ولا هم يحزنون، وإنما الغاية ريع ثقافي زائل، وإذاعة ثقافة التسطيح والاستغباء، الابتذال والضحالة، والكل تحوّل إلى منظر وناقد وشاعر وروائي وتشكيلي ومسرحي وقاص.

إن واقع اللامعنى سمته الأساس ضياع الإنسان في سفاسف الأشياء، ولعل ما أصبح يعمّ الحياة اليومية له يؤكد بالملموس أنه يعيش حالة استلاب خطيرة، وتدجينا ممنهجا من لدن غرف العمليات لأعداء الإنسان هؤلاء الرأسماليين المتوحشين الفاقدين للوازع الإنساني، والغارقين في رسم ملامح كون ملوّث/ عليل بأنفلونزا الكآبة والضجر/ المترع بأمراض نفسية واجتماعية وسياسية وفكرية تشرعن لشعبوية هذا اللامعنى. الشعبوية تجلياتها متعددة، فهي بارزة ناصعة في كل مجال من مجالات الحياة، في السياسة كثر مرتزقوها حتى اختلط الحابل بالنابل، وغدونا ضحايا هيئات سياسية غايتها اقتسام الغنائم، وترك الحبل على الغارب، وتضييع فرص لبناء مجتمع يضاهي الأمم التي بلغت ما بلغته من رقي وتقدم، في الوقت الذي نندب حظنا من المكوث في الحال نفسها، حال الجهل والفقر والتخلف بمستوياته المختلفة، والسلطة تنعم في بحبوحة الحياة ضاربة عرض الحائط أنين الثكالى ووجع اليتامى، تشرد الصبايا والأطفال الأبرياء في شوارع مقيتة ومميتة، أحزمة الفقر التي تطوق البلاد والعباد بقنابل قابلة للانفجار في أي لحظة من لحظات الزمن العربي والعالمي الهائم في تقسيم العكعكة في غرف مشيدة لرسم معالم العالم بالشكل الذي يرتضيه زعماء الظلم والجور، الفساد والنهب، القتل والتهجير والتشريد. في الدين الكل عالم والتطرق كالفِطَرِ ينمو وينتشر بدون أن يثير الانتباه، وكل متعالم ديني يغني على ليلاه، ويمجد الإله الذي يعشق، والناس يتخبطون في ويلات التأويلات والتأويلات المضادة، فاشتعلت الحروب باسم الربِّ وآلهة الاقتصاد المتغوّل والمستبد، فضاع الدين بين متدينين لا يفقهون فيه شيئا، ويعيثون فسادا في أرض الله بدون رقيب ولا حسيب.
في الثقافة الوضع كارثي، لا ثقافة ولا هم يحزنون، وإنما الغاية ريع ثقافي زائل، وإذاعة ثقافة التسطيح والاستغباء، الابتذال والضحالة، والكل تحوّل إلى منظر وناقد وشاعر وروائي وتشكيلي ومسرحي وقاص… ضاعت الفنون وشبعت جيوب المنتفعين. في مناحي الحياة الأمور ملتبسة وغامضة، ومثيرة لأسئلة كثيرة ومحرقة، أسئلة مرتبطة بالمآل الكارثي الذي يهدد الذاكرة البشرية، وعليه ألا تعتبر نتائج الثورة الصناعية الثالثة التي زادت من سرعة التقدم العلمي والتقني كارثة، إذا لم يتم استثمار منجزاتها بالشكل المعقلن؟ لأن ما نعاينه من ظواهر اجتماعية تنذر بيباس في العلاقات الأسرية، ومن تمّ الاجتماعية، وفي هذا تهديد للسلم الكوني والإنساني. فالعالم الرقمي وما شهده من انتقالات رهيبة تجعل المرء يقف حائرا ومرتبكا أمام هذا السّيْل الهائل الذي يشهده العالم الافتراضي، وقد ملك البلاد والعباد، وسحر القلوب وأعمى العقول؛ فبتنا رهائن لهذا العالم، وأصبح شغلنا الشاغل متغافلين عن الواقع المعيش الذي يزداد تفاقما ومفارقة والتباسات.
وجملة الأمر، على العاقل الوقوف في وجه هذا الارتكاس الحضاري، وصد كل المحاولات الرامية إلى قتل الذاكرة؛ والقضاء على الخصوصيات التي تميّز مجتمعا عن آخر، وهذا لا يعني أننا ضد ما هو تقني ورقمي، ولا نرفض هذه الميديا التي باتت واقعا لا مفر منه، وقدرا وجوديا بفعل التطور المعلوماتي، ولكن ضد كل ما يسلب الإنسان إنسانيته ويقضي على القيم الرفيعة، ويبعده عن الغابوية الجديدة. ويروم القضاء على الجوانب المعنوية الروحية في الكائن البشري، كما يريد جعل هذا الأخير رهن الآلة المقيتة.

٭ شاعر مغربي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية