في مركز الرواية العربية ـ قابس:’ الرواية بين الضفتين’ أو عندما يكون العبور كشفا للحجب

حجم الخط
0

محمد صالح مجيّدمِنْ عبق الرواية وغواية الحكي وسحره، قُدَّ مركز الرواية العربية بقابس (تونس)عُنوانا من عناوين السرد العربيّ ودليلا للباحث في مسالك الرواية العربيّة..وقد نجح هذا المركز في أن يشدّ أنظار المهتمين بالمنجز السردي على مدى ثلاثة أيام بمناسبة الندوة الدولية التي عقدها تحت عنوان ‘الرواية بين الضفتين’ أيام 22 و23 و24 فيفري 2013 بمدينة قابس النائمة في حضن المتوسّط جنوب البلاد التونسيّة.لم يمرّ هذا الملتقى الأدبي الذي حضره أساتذة ونقاد من تونس والمغرب وسوريّة والأردن ،دون أن يتطارح المشاركون فيه ‘عنوان الندوة’ (الرواية بين الضفتيْن) ومدى مشروعيّة الخوض فيه في هذا الوقت العصيب تحديدا.لذلك تفاعل كثير من المحاضرين والحاضرين مع هذا العنوان المفتوح لقراءات شتى’دعما ونقدا ونقضا. وقد اعتبره أغلب الحضور عنوانا عامّا مفتوحا على كلّ الاحتمالات والتصورات. ولئن رأى البعض أنّه من الأفضل أن يكون العنوان دقيقا ومنصبا على مسألة دقيقة، ذهب آخرون في المقابل إلى اعتباره مدخلا لفهم رحلة العبور إلى الضفاف الأخرى وتبيان دورها في تزويد المبدع بما به يطوّر تجربته ومصادره ذلك أنّ الحياة لا تمنح الفرد إلّا عمرا واحدا ـ وإن طال- و بمثل هذا العبور إلى’الآخر أو وفوده دون حواجز لغوية تتوفر فرصة اكتشاف رؤى جديدة للحياة وتصورات مغايرة للوجود الإنساني.الأستاذ ‘بطرس الحلاق'(سوريا) رأى أنّ العنوان يستفزّ الباحث، ويدعوه إلى النظر في العلاقة التي ربطت الرواية الغربية المنشإ بما أبدعه الروائيون العرب.ومثل هذه المقاربة من شأنها أن تنظر في هذا التفاعل والتجاذب والتنافر كشفا لخصوصية الرواية العربية من جهة وتبيانا لاستلهامها الروافد الغربية وتوطينها بحيث يظهر المنجز السردي أصيلا متجانسا مع بيئته رغم توفر علامات وإشارات إلى ضفاف أخرى سار المبدع العربي في دروبها دون أن يسقط أو يفقد قدرته على المسايرة والتفاعل’.ورأى التونسي الأستاذ ‘بوشوشة بن جمعة’ المختص في السرديات أنّ طرح العنوان لا يخلو من وجاهة بعد أن تبيّن بما لا يدعو أي مجال للشكّ أنّ الرواية العربية قد استفادت منذ بداياتها وإلى الآن من تفاعلها واحتكاكها بالرواية الغربية. وأمسى البحث في هذا التفاعل بين الثقافات والتجارب الإنسانية داخل الرواية يتجاوز الوقوف عند عتبات التأثير والتأثر ليرقى إلى مستوى النظر في تشكّل النص الروائي واستوائه أصيلا منسجما مع محيطه ومنفتحا على الآخر كيفما كانت لغته لأن التجارب الإنسانية وإن اختلفت تظلّ تعبّر عن الذات القلقة في كلّ مكان فتسقط بذلك حدود الجغرافيا وينشأ تاريخ إنساني مشترك.وبيّن الأستاذ فخري صالح الناقد الأردني من جهته أنّ النظر في تفاعل الأنا مع الآخر سبيل لتتبّع تشكّل المنجز السردي، وتلمّس المرتكزات المفهوميّة والحضارية التي قام عليها هذا الضرب من فنون الإبداع. فالتفاعل والتجاذب أصبحا واقعا ملموسا. ولم يعد بالإمكان اليوم أن نتوقف عند البحث في إيجابية هذا التفاعل أو سلبيته ذلك أنّ القراءة الموضوعية اليوم تقضي بأن ينظر الناقد في قدرة الروائي العربي على تمثل قواعد البناء الروائي الغربية وتأصيلها بحيث ينشأ النصّ المبدع عربيّا متماسكا غير هجين ولا يشعر القارئ أنّه شتات وعملية بناء مغشوش قامت على الجمع والتلفيق.وبالمحصّلة الرواية وعاء جامع لتجارب شرقية وغربية وقد انصهرت حتى لا تعارض ولا تمايز ولا تنافر’ أما الأستاذ المغربي ‘رشيد بن حدو’ فقد بيّن أنّ التفاعل مع الآخر كيفما كان، علامة من علامات الحياة وهي تتجدّد وتتطوّر بالانفتاح. وكلّ محاولة لإلغاء الآخر هي حركة معاكسة لطبيعة الحياة.لم يعد العبور في اتجاهاته المختلفة من الغرب إلى الشرق أو من الشرق إلى الغرب خيارا أو موقفا يتخذه الفرد بل أمسى واقعا معيشا وضرورة لا يتنصّل منها إلّا مَنْ يلغي دورة الحياة. على أنّ للعبور بعض المساوئ إذا ما تحوّل إلى محاولة لفرض موضوعات لا تنبع من خصوصية الواقع العربي. وأعتقد أن بعض الروائيين العرب وخاصة فيما يعرف بالرواية التجريبية قد أقصى واقعه وانبتّ عندما هرول وراء محاكاة طرق في الكتابة قد لا تجد هوى عند القارئ العربي الذي ولد على إيقاع حكي مخصوص سمعه من الجدّة أو من الأمّ’.الأستاذ ‘محمد الباردي’ الجامع بين النقد والإبداع أكّد أهميّة تنويع المصادر في تخصيب النصوص الإبداعيّة. فقد أمسى أكيدا أنّ الذي لا يمتح من الآخر المختلف عنه حضارة ونظرة للوجود لا يمكن أن يطوّر تجربته، وأن بخرج من المحلية الضيقة إلى العالميّة الرحبة.والمكتفي بذاته ينغلق عليها، كالناظر إلى الحياة بعين واحدة قد يخطئ ما يراه الآخرون فلا يرقى إلى مستوى انتظاراتهم. الرواية تعيش وتنمو كالكائن الحيّ بتجدّد الموارد وتنوّع المصادر وكلما اطلّع مبدع على تجربة جديدة أو رواية جديدة اختزن ما يمكن أن يوظفه في نص من نصوصه. أليست الكتابة في النهاية صدى لبعض القراءات؟؟؟ لئن اختلفت الرؤى والتصورات في مقاربة ‘الرواية بين الضفتين’ فإنّ ثراء النقاش وعمقه قد منحا فرصة للمختصين وللجمهور كي يتبادلوا الآراء وأن يتفاعلوا. وهل من غاية لمثل هذه الندوات غير التفاعل والتحاور؟؟*كاتب تونسيqad

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية