العناوين الاحتفالية التي رافقت إنهاء النزاع بين قطر وعدة دول عربية على رأسها السعودية، تركزت على العناق الحار الذي منحه ولي العهد السعودي للحاكم القطري في المطار في شمال غرب المملكة. وقضى المحللون: “كل الأطراف ربحت”.
مع أفول النشوى، يتبين أن فرحة رأب الصدع بين الدول السُنية في الخليج الفارسي كانت مبكرة ومبالغاً فيها أكثر مما ينبغي، لأن هذه القصة منتصرين واضحين ومهزومين أيضاً.
في رأس قائمة المنتصرين تقف، بلا شك، إدارة ترامب المنصرفة. فالرئيس الأمريكي، كما يذكر، أيد في البداية المقاطعة التي أعلنتها السعودية على قطر بسبب العلاقات الوثيقة للأخيرة مع إيران، وبسبب دعمها لمنظمات إسلامية متطرفة، ومنها حماس، ولكن سرعان ما تراجعت.
السعودية وقطر هما الحليفتان المهمتان لواشنطن في الخليج الفارسي، فللولايات المتحدة مصالح ووجود عسكري في السعودية، وقاعدة ضخمة في قطر. وفهم ترامب بأن استمرار النزاع بينهما سيمس بالمصالح الاستراتيجية الحيوية لبلاده، فبعث بجاريد كوشنر وآفي باركوفيتش في مهمة المصالحة، التي تتوّجت أمس بالنجاح. إنجاز مهم للإدارة المنصرفة وكذا للكويتيين الذين عملوا من خلف الكواليس لرأب الصدع.
قطر هي التي تصل إلى هذا الاتفاق كالمنتصر الأكبر
ولكن قطر هي التي تصل إلى هذا الاتفاق كالمنتصر الأكبر. فطوق العزلة الذي أحاطته حولها السعودية والإمارات والبحرين ومصر قبل ثلاث سنوات، والذي تضمن قطع العلاقات الدبلوماسية، وإغلاق المجال الجوي والبري في وجه الطائرات التي تقلع من الدوحة، ووقف العلاقات التجارية وغيرها… ألحق بها في بداية الطريق أضراراً جسيمة، اقتصادية وغيرها، ولكن بعد وقت ما وجدت المملكة الصغيرة، التي تعتمد على مرابض ضخمة من الغاز، طريقها لتجاوز المقاطعة والنجاة.
وأكثر من ذلك هو أنها لم تنته على مدى ثلاث سنوات، فقد رفضت قطع العلاقات مع إيران أو تركيا، وصدت ادعاءات دعم الإرهاب، ولم تتوقف عن دعم حركات متطرفة، وبالطبع لم تغلق محطة “الجزيرة” التي واصلت ضرب خصومها بلا رحمة.
في نهاية المطاف، إذا لم تكن هناك بنود خفية في اتفاق المصالحة الذي وقع أمس، فسيتبين أن الثمن الوحيد الذي دفعته قطر، حالياً، لقاء رفع الحصار عنها واستئناف العلاقات الدبلوماسية مع السعودية وباقي الدول التي قاطعتها هو موافقتها على أن تسحب كل الدعاوى الدولية التي رفعتها ضد هذه الدول. وهذا كما ينبغي أن يقال هو ثمن زهيد.
من إنجاز قطر تتبين خسارة ولي العهد السعودي. فالمغامرتان الكبريان اللتان خرج إليهما الزعيم الشاب في مجال السياسة الخارجية تكبدتا حتى الآن بفشل ذريع: الحرب في اليمن، التي جبت حياة مواطنين بؤساء وأنفقت عليها مليارات الدولارات من صندوق المالية السعودية، لم تجلب النصر على الثوار الحوثيين. وهذه المقاطعة لم تدفع قطر للندم والوقوف في جبهة واحدة حيال إيران. يحتمل في هذه المرحلة أن يرتبط إنجاز بن سلمان من هذه الخطوة بمساعي تحسين صورة بلاده في نظر الرئيس الوافد إلى البيت الأبيض.
لإسرائيل علاقات مركبة مع قطر، فالسفير القطري يأتي إلى لقاءات متواترة في القدس ويخلق هدوءاً في غزة بفضل الدعم المالي الدائم الذي ينقله لحماس. وبالمقابل، لا يخفي القطريون عداءهم ومعارضتهم لسياسة إسرائيل في مجالات عديدة.
إذا قرر الحاكم القطري، تميم بن حمد، اجتياز الخطوط والانضمام إلى الجبهة المناهضة لإيران في الخليج الفارسي، وإذا ما شجع حليفه التركي أردوغان على إقامة علاقات مع إسرائيل والتنكر لدعم الإرهاب، وإذا ما أضاف توقيعه إلى اتفاقات إبراهيم… حينئذ ستبارك إسرائيل بالفم الملآن اتفاق المصالحة الذي وقع في السعودية.
بقلم: عوديد غرانوت
إسرائيل اليوم 6/1/2021