وكأن أبناء الشعب المصري الحقيقي يرددون الآن قول الحارث بن عباد منذ نحو خمسة عشر قرنا: لم أكن من جناتها علم الله.. وإني بحرها اليوم صال. البسطاء من شعب مصر يصطلون الآن- ولا ندري إلى متى- بحرب قذرة لا قبل لهم بها، ويتحمل الرئيس مرسي وجماعة الإخوان المسلمين جزءا كبيرا من المسؤولية، وهل تخفى الأسباب؟ أولا لأنهم أقحموا أنفسهم في غمار السياسة القذرة من دون أن تكون لهم الخبرة الكافية، ولا الاستعداد لحمل تركة من الفساد والخراب تنوء بحملها الجبال، ولم يتفهموا إلى الآن معنى مجيئهم لقيادة بلد شهد ثورة دفع ثمنها الآلاف من دمائهم وأمنهم وعذابهم. كنا نؤمّل بجماعة الإخوان أن يكونوا في مستوى عظمة اللحظة، وتوقعنا منهم أن يضعوا آليات جديدة مبتكرة لمكافحة فساد الذمم، وموات الهمم الذي ران على قلوب وعقول الشعب الأصيل، ولكنهم لم يفعلوا. رجوناهم أن يحسوا بآلام الشعب، وما تجرعه من سنوات القهر والطغيان والعذاب، ولكن ضاع الأمل، وخاب الرجاء. توقعنا من الرئيس مرسي وجماعته أن يؤثروا المصلحة العامة على مصالحهم الخاصة، وأن يبتعدوا بأنفسهم في اختياراتهم عن مواطن الشبهة، ولكنهم لم يفعلوا، ولا ندرى متى يفعلون. على الجانب الآخر يطرح السؤال نفسه: ماذا قدمت المعارضة المصرية طيلة عامين كاملين، وهل كانت عند مستوى المسؤولية الوطنية؟ للأسف الشديد لم تقدم المعارضة المصرية بعد الثورة سوى التحريض والوقاحة والإثارة التي باعدت بينهم وبين رجل الشارع البسيط، وإلا فليخبرونا بما قدموه من برامج وخدمات عاد نفعها على بسطاء المصريين. مصر الآن تسودها حالة من التوجس والريبة وسوء الظن بين أبنائها، كافية لتحويلها إلى مستنقع آسن، نضع أيدينا على قلوبنا خوفا من انزلاقها إليه. نتفهم المواقف القاسية للوطنيين الشرفاء ضد جماعة الإخوان المسلمين، لأنهم علقوا آمالا عريضة عليهم للنهوض بالوطن، ولكن خابت آمالهم . كنا سنقدر موقف حركات مثل ‘تمرد’ وغيرها إذا كان هدفها التعبير عن السخط على أداء الرئيس وحكومته في عامه الأول، أما أن تغالي في مطالبها لدرجة إسقاط الرئيس ونظامه وتهينه، فهذا ما لا ترضاه قواعد الديمقراطية عند أي شعب كائنا من كان. نعترف، وكلنا أسى، أن إرادة الهدم في مصر الآن أقوى بكثير من إرادة البناء، للأسف لا توجد إرادة بناء على المستوى الشعبي، فضلا عن مستوى القادة، وأصبح الوعي الثوري، الذي من المفترض أن يحمل كل قيم العدالة والرقي والتسامح والمساواة والسعي للتغيير للأفضـــل، واحترام حق الاختلاف، نسيا منسيا. على الجانب الآخرهناك إرادة لا تهدأ للهدم، وتقويض أركان الدولة، حيث مئات الملايين التي تنفق الآن لتدمير مصر والسعي الى خرابها من قبل أقطاب النظام البائد وأنصاره، تساندهم آلة إعلامية عليها علامات استفهام عديدة، ولا تخفى مصادر تمويلها، وجهاز شرطة نفض يده من كل شيء، وترك البلد ‘سداح مداح’، ولا ندري سر صمت الرئيس وحكومته على هذه المهزلة. هناك معارضة غير نزيهة لا يهمهما مصلحة البلد، بقدر ما يهمها إسقاط جماعة. وهناك قوى خارجية لا تريد لمصر نهوضا ولا استقرارا، لأنهم يعلمون علم اليقين أن في نهوض مصر مماتهم. وهناك آخرون معركتهم مع الإسلام والطعن به وعزله عن الحياة، فجاءتهم الفرصة على طبق من ذهب، لينالوا منه وليطعنوا فيه. إذا أراد الرئيس مرسي وجماعته أن يلوموا أحدا، فلا يلوموا إلا أنفسهم، لأنهم ورطوا أنفسهم من حيث لم يحتسبوا، فورطوا شعبا بأكمله، وقدموا نموذجا سيئا لأسباب كثيرة. على الرئيس مرسي الآن أن يعترف وحكومته بأنهم لم يكونوا عند مستوى مثل هذه المسؤولية التي حملوها، ولم يكونوا، لأسباب كثيرة، أهلا لها، عسى أن يكون هذا الاعتراف بداية لتصحيح المسار، وإن كنا نشك أن مثل هذا الاعتراف سيؤدي إلى شيء، وسط معارضة تنظر بعين الخاسر الحاقد، ولا تنظر بعين المعارض النزيه. مصر الآن بحاجة إلى التواضع من كل الأطراف – الذي هو شيمة العظماء، وبحاجة إلى استشعار خطورة اللحظة، بعيدا عن لغة التشفي والانتقام التي لن تبقي ولن تذر. كاتب وصحافي مصري