عبدالله المساويقديما قيل ان التاريخ يعيد نفسه ببشاعة في العديد من الميادين.
ولعل المتتبع للأحداث في سورية يدرك أن الأزمة تتفاقم وبوتيرة غير مسبوقة، وأن النظام المتهالك انفلت من عقاله بل وفقد عقله… فالمشاهد المروعة فاقت التوقعات، ان مدافع النظام وطائراته ودباباته مازالت الى الآن تدك مدن الشعب السوري الثائرة، فيما الجامعة العربية لم تستطع فعل شيء بل اكتفت بالإعلان عن حضور باهت مريب. ضبابية الوضع تحيلنا على لوحة كرنيكا الشهيرة للرسام العالمي بيكاسو الذي عبر من خلالها عن هول الحرب الأهلية الاسبانية، وحتى وان تخيلنا ما جرى باسبانيا في تلك الفترة وما يجري اليوم بسورية، فان الفرق شاسع جدا، حيث أن حجم الأسلحة المتطورة المستعملة حاليا لدك أسوار المدن والخسائر في الأرواح لا يمكن مقارنتها.
كثيرا ما يطرح السؤال التالي نفسه:
كيف يعقل أن يتحول الرئيس ‘بشار’ الى ‘جزار’ وهو الذي كان اذا خطب في الناس أبهرهم واذا منطق الأمور أصاب المعنى والقصد الى الحجة، ولعل المشاهد العربي يتذكر مداخلات الرجل في القمم العربية والمؤتمرات الصحفية ويتذكر كذلك رؤاه السياسية لحلحلة القضايا المصيرية للأمة، اليوم كما يقال أميط اللثام عن عورة ابي سفيان، وتحول كل شيء جميل في الرئيس الشاب الى جحيم يكتوي بنارها أبناء بلده في حلب وادلب وحمص… ما لا يعرفه الرئيس الشاب هو أن أسماء أحياء وأبواب المدن السورية أصبحت اليوم أكثر شهرة منه إعلاميا.
يحكى في سالف الأزمان أن كلبا كان يلازم خرازا أمام دكانه، وكان الكلب يتخيل بين الفينة والأخرى أن الجلد الذي ازدان به الدكان ‘خبزا’أما الخراز فهو الآخر كان يطمع في جلد الكلب لكي يصنع به نعلا متينا وكان ينتظر أن تسنح الفرصة حتى يجهز عليه… وهذه الحكاية تجسد حقيقة نوعية العلاقة التي تجمع النظام السوري بنظيره الروسي… فالنظامان لهما مطامع متبادلة، ولكن العلاقة مرهونة بعامل الوقت… الروس بدل ردع النظام السوري على العكس فإنهم يساندونه في التجبر والاستقواء حتى يشوه أمام الرأي العام العالمي وحتى تستنزف قدراته الذاتية، ويستضعف وهذه هي مهمتهم الحقيقية. ان الرئيس الشاب اليوم أصبح يسلك الطريق الذي سلكه المستبدون العتاة في روما القديمة، وهو بفعله هذا – ومن حيث لايدري – ينفذ الوصايا المكيافيلية بطريقة مجانية عبثية بهدف انقاذ نظامه المتهالك. ف’الأمير’عليه أن يدرك أن العنف والقوة قد يكونان جوهريين للحفاظ على السلطة والاستقرار، وأن يكون ‘أسدا’في القوة، و’ثعلبا’ في المكر، و’قنطورا’ (مينوطورا)عقل الانسان وقوة الحيوان كما في الميثولوجيا اليونانية.
كان أولى للدكتور بشار أن يتعظ بقناعة والده الذي قال ذات يوم في احدى خطبه ‘ان من يملك الرؤية يملك المستقبل’. والحكمة تقتضي من بشار التنحي بهدوء لأن المصلحة العليا للبلد تفرض ذلك. ماالعيب أن يقول الرئيس لشعبه: ‘لقد أخطأت بحقكم ‘. ألم يعتذر عبدالناصر عند الهزيمة؟
ألم يستقل العديد من الرؤساء بسب أخطاء سياسية عدة؟ عندما غزا القائد التتري تيمورلنك المدن السورية استثنى مدينة حمص فلم يدمرها ولم يدخلها احتراما لمكانة خالد بن الوليد التاريخية قائلاً: ‘يا خالد، إن حمص هديتي إليك أقدِّمها من بطلٍ إلى بطلٍ’. هذا هو شرف العسكرية الحقة احترام الأموات، والحجروالشجر. بشار اليوم يستبيح الأموات والأحياء ولم يترك روح خالد بن الوليد تهنأ وترقد بسلام، لأن أبناء أبنائه ينكل بهم في القرن الواحد والعشرين بأبشع أنواع الأسلحة. ولعنة التاريخ لابد وأن تفعل فعلها، وتقتص من الجناة العتاة الذين لا يعطون الأمور حق قدرها.
ان عصور التاريخ الانساني مليئة بالطغاة حيث يطبعها غالبا الخراب والظلم والاستهتار بإرادات الشعوب.
والطاغية كما يشبهه الفيلسوف أفلاطون كالذئب الذي ‘يتذوق دم أهله ويقتلهم ويشردهم’… فجنون العظمة يستفرد به ويضخم أناه ويجعله طاووسيا في كل شيء لكي يتجه ببشاعة نحو نهاية مؤلمة و قذرة.
لقد انتحر نيرون وهتلر، وقتل موسوليني، وقتل تشاوسيسكو وزوجته، ودس الوزير بيريا السم لستالين، وأزيح القذافي ‘ملك الملوك’ وهرب بنعلي، وسجن مبارك… أول من سيصفق لبشار هم الأعداء الاستراتيجيون الذين يمدونه بالأسلحة والفيتوهات، لأن الغرض سيقضى على يديه وبطريقة مجانية، فلن تحتاج ‘إسرائيل’، ولا أية دولة معادية لأن تخطط لكي تهدم أسوار المدن السورية وعقل الانسان السوري مستقبلا، فالرئيس الشاب سقط اليوم في مصيدة التاريخ ولن يخرج منها سالما.’ كاتب مغربي