في معرضه بالبحرين: غسان غائب ابن التجريدية يمد يده الي الواقع
فاروق يوسففي معرضه بالبحرين: غسان غائب ابن التجريدية يمد يده الي الواقعمن يري رسوم العراقي غسان غائب التي عرضت مؤخرا في قاعة البارح بالبحرين (الي جانب اعمال زميله نزار يحيي) تتبدد لديه كل رغبة في البحث عن انشاء تصويري متقن، يكون سطح اللوحة فضاءه التأويلي. هناك أشياء أخري يود هذا الرسام التشبث بها من أجل أن يهبنا حلولا جمالية لا علاقة لها بالتزيين الخاوي والمبتسر الذي انتهت اليه التجربة التجريدية في الرسم العراقي الحديث. تلك الأشياء المستعارة من الواقع هي التي تجذب عيني المتلقي وتجعله مستعدا للقبول بالاوهام البصرية التي يقترحها الرسام، وهي اوهام تعيدنا الي الواقع من غير أن تكف عن التحليق بنا. لذلك فان المواد المختلفة التي يستعملها هذا الرسام تبدو وكأنها طالعة من عمق السطح. لقد عجنها الرسام برؤاه وجعلها طوع خياله. هذا الرسام الذي كان الي وقت قريب ابن اللحظة التجريدية الغنائية بطبعتها الفرنسية يجدد اليوم ثقته بالرسم، بصفته فنا لا معيار محددا له، بل هو محاولة لتجديد العالم من خلال الاشتباك بغني صلته بالتجربة الانسانية. وبهذا المعني يعيد غسان غائب الرسم العراقي الحديث الي رشده بعد أن تحول ذلك الرسم الي ماكنة لانتاج القوالب التصويرية الجاهزة. وهو بذلك انما ينحرف بالذائقة الجمالية عن مسارها الاستهلاكي. وهو انحراف يحمل للرسم قوة حرية متاحة، تهدم بعصفها قناعات تجارية سجنت تجربة الرسم العراقي ضمن حدود سوق التداول الميسر. اعمال غائب الفنية (وهي ليست دائما لوحات) لا تبحث عن رضا متلق أدمن نوعا من العلاقة التلذذية (النفعية) بالعمل الفني بل هي تصدم ذلك المتلقي رغبة منها في تجديد شعوره بالمتعة، من غير أن تحتكم الي عينيه الكسولتين. أعمال تؤدي وظيفة تتجاوز ما سعي الرسام الي قوله عبرها. 2لطالما شعرت بالحسرة المؤلمة وأنا اري رسوم العراقيين اليوم، ذلك لأنها رسوم مرفهة تنتمي الي الماضي. تتساوي في ذلك الرسوم التوضيحية الساذجة التي تتغني بالعادات العراقية اليومية (وهي رسوم سياحية غادرة) والرسوم التجريدية التي يرسمها كبار الرسامين العراقيين. لا شيء منها يشعرك بان هناك عراقا هو علي وشك الضياع. كما لو أن الجميع قد قرروا الرسم في لحظة نسيان أعمي. لا شيء من عراق اليوم في أعمال العراقيين الفنية. كيف يمكن أن تستقيم هذه المعادلة القاسية؟ هذا ما لم أكن أفهمه علي الاطلاق. أعمال غسان غائب عوضتني جزءا من شعوري بالخسارة. هو ذا أخيرا فنان عراقي يسعي الي أن يضع عراقيته علي طاولة التشريح والمساءلة. من الة الطباعة المسيجة بالاسلاك الشائكة يخرج بيان منقع بالدم (هذا وصف خارجي لأحد الاعمال). هناك عراق آخر يسعي الفنان الي مقايضته بكلام جارح، كلام لا تتسع له أية تجربة تقنية سابقة، ولا يعدنا بجمال استهلاكي غابر. يجازف غسان غائب حين يسعي اختزاليا للتعريف بوطنه (بيته) المهدم والمحترق من خلال كتاب مقيد بالاسلاك. وهنا بالضبط يقفز المعني لاول مرة وبهذه الطريقة المباشرة أإلي العمل الفني العراقي ليهبنا درجة ساخنة من الوعي الشقي بما يجري. حالما يري المرء ذلك العمل يقفز الي ذهنه مشهد المكتبة الوطنية في بغداد وهي تنهب ومشهد شارع المتنبي الغاص بالكتب وهو يحترق. أالي هذه الدرجة كان غائب واقعيا؟ ما فعله هذا الفنان يقع في صميم فكر ما بعد الحداثة. فهو يسمح للخيال والواقع بالارتجال المتبادل فيما بينهما وصولا الي اشتباكهما في درجة التعبير عينها. هناك وصف غير أنه لا يصور الواقعي وهناك ترميز غير أنه لا يكتفي بالخيالي. اليومي العاجل والعابر والمؤقت والمهمل هو شهادة تضيء الدروب المعتمة التي تقود الي الخيار الابدي المؤجل. وهذا بالضبط ما يفعله غسان غائب بدراية. 3من بين ابناء جيله برز غسان غائب (ولد عام 1964) بصفته رساما تجريديا تشير رسومه بخشوع متأن الي الطبيعة، مصدر الالهام ومكمن الاسرار، وكان هناك شيء من نيكولاس دي ستايل (الرسام الفرنسي) في رسومه يذكر بنوع نقي من النظر الي فراسة الرسم وهو يدخل الطبيعة الي مختبره الجمالي. غير أن غسانا وهو يعيش محنة شعبه وبلده صار اليوم رساما آخر، رساما مختلفا. لقد أضنته الحروب التي انعكست في دفاتره خرابا أسود فصار يجد في كل شيء مسه ذلك الخراب نوعا من المرآة التي تشير اليه. صار يلتقط أشياء تعيد الي سطح لوحته الحياة المريرة التي عاشها. لم يعد يعنيه أن يكون مقبولا في سوق التداول الفني بقدر ما يعنيه أن يكون موجودا في أعماله، بصفته ذاتا تتشظي ويتعرض جزء عظيم منها للنفي والفقدان والغياب. ليس لدي ما أخسره جملة كان الرسم العراقي الحديث يحتاجها في كل لحظة لكي يتحرر من معايير السوق التي قتلت مواهب كثيرة، كان في امكانها أن تفعل الكثير في الحياة الثقافية العربية. غسان غائب في ذهابه بعيدا عن اناقة لوحاته وموسيقاها واناقتها لا يربح انتماءه لوطنه بل وأيضا يؤكد اصالة انتمائه الي الفن بصفته شغبا روحيا. شاعر وناقد من العراق يقيم في السويدQTS0