حسن بنشليخةيعد الفيلم الاسترالي ‘جرائم سنوتاون’ أول عمل مطول للمخرج جستن كورزيل. ويحكي الفيلم قصة واقعية مدمرة ومروعة بوحشية حلقات القتل المتسلسلة في إحدى مدن استراليا. كما يصور مشاهد العري والتعذيب البشع والاغتصاب الجنسي والشذوذ الجنسي وأجزاء الأجسام البشرية المقطعة الملقاة في البراميل والتلاعب بنفسية الأطفال لاستغلالهم جنسيا، مما دفع الكثير من الجمهور إلى إخلاء قاعة العرض. ولا نفهم كيف يَعرض مهرجان مراكش السينمائي فيلما صُور لا محالة من طرف إنسان مضطرب عقليا رفضت عرضه حتى استراليا قبل حذف تلك المشاهد المقززة لكن قبله المسؤولون عن المهرجان في مراكش. يفتتح الفيلم بترسيخ حالة الفقر والتهميش والذعر الذي يخيم على مدينة ‘snowtown’ في استراليا وعلى عائلة ‘اليزابيت هارفي’ التي تتكون من الأم وأربعة أبناء، اثنان منهم مراهقان، ولا وجود للأب. ويدخل عالم الأسرة ‘جون بانتين’، عشيق الأم التي تبدو سعيدة معه إلا انه يتحول في ما بعد إلى وحش مفترس يطارد المثليين جنسيا والمعتدين على الأطفال والحشاشين و كل شخص يقف في طريقه في المكان الخطأ وفي الوقت الخطأ. وبعد مرور خمسة وأربعين دقيقة تقريبا على بداية الفيلم، الذي سرد لنا الأحداث بطريقة وثائقية، بدأت تطفو إلى السطح أمراض المخرج النفسية حيث فاجأنا بأول مشهد مقزز يغتصب فيه الأخ الأكبر أخاه الأصغر لمدة ثلاث دقائق تقريبا ولم تتوار عدسة الكاميرا أو حاولت إخفاء تسجيل أي لحظة من لحظات عملية الاغتصاب. وليس هذا هو الكل، لان المشهد كان توطئة فقط لما هو قادم وأسوأ وقاتم. فبعد خمسة عشرة دقيقة فقط على مشهد الاغتصاب المثير للاشمئزاز، أي بعد ساعة على تناسل أحداث الفيلم منذ البداية يرغم ‘جون’ ابن خليلته ‘جيمس’ على المشاركة في تعذيب شاب ليس أكثر من أخيه الذي اغتصبه وليس إلا في حمام منزل الأسرة. ودام مشهد التعذيب أكثر من خمس دقائق بكل سادية وهستيرية ووحشية تنحدر بالمشاهد إلى حافة المسخ البشري الذي غادر معها القاعة الكثير من المتفرجين، بمن فيهم الأجانب الأوروبيون وغيرهم، نساء ورجالا، وأصوات الاحتجاج ترتفع من حناجرهم. إنها بكل بساطة سينما الانحطاط الأخلاقي والانحدار الهمجي بالمخلوقات الآدمية إلى عالم الحيوانات، ولا يسعنا إلا أن ندين وبشدة كل من ساهم في انتقاء وعرض هذا الفيلم المحبط والمثير للقلق والمشحون بالأهوال والأمراض النفسية التي تبقى مع المشاهد لفترة طويلة والذي قد يتسبب له في الكوابيس.
الترويج لسينما القبحوالفيلم عملية مدروسة بطريقة ذكية وقبيحة لاستغلال الشذوذ الجنسي والاعتداء على الأطفال لجني الربح السريع من الجريمة الحقيقية في المقام الأول، ومحاولة تجسيد ‘العنف البورنوغرافي’ كوسيلة ترفيهية. وتتسع دائرة الفيلم لتشمل الإبادة الوحشية في كل من يشتبه بكونه شاذا جنسيا أو أي شخص تشم فيه رائحة الاعتداء على الأطفال من طرف ‘جون’ وعصابته المكونة من أربعة أشخاص بمن فيهم ‘جيمس’ الذي روضه تدريجيا على القتل الدموي الهستيري. وتوظيفُ هذا النوع من استغلال الاعتداء على الأطفال في السينما الاسترالية هو بالتأكيد الأفضل لاكتساب عطف المجتمع حتى يتسنى للمخبولين عقليا تمرير الأفكار الشاذة والمرضية وجلب اكبر قدر من الربح. والغريب في الأمر أو لا غرابة في ذلك أن استراليا، بلد الجريمة والمجرمين، تجد في هذا النوع من الأفلام متعة خارقة للغاية وتستمتع بمشاهدتها. وفي الواقع، إن وسائل الإعلام الاسترالية ومنذ التسعينيات خلقت برامج واقعية تافهة وصادمة هدفها الترفيه الاستغلالي. ومن بين ما لجا إليه التليفزيون الاسترالي تدريب ممثلين محترفين وإعادة تصوير عمليات القتل نفسها التي تحدث في المدن والقرى الاسترالية لوضع اللبنات الأولى لقواعد الاحتكام العقلي لتراتب العنف وحمل الجمهور على تقبل هذا النوع من الذعر المعنوي أو على الأقل إضفاء الشرعية على الهلع الأخلاقي لفسح المجال أمام سينما ‘مركزية’ هدفها تكسير حالة الذعر الأخلاقي بعيدا عن التشنج، لتتحول إلى نوع من أنواع سلخ الذات ووسيلة من وسائل الترفيه في حد ذاتها. وتحاول هذه السينما الخبيثة القضاء على العقول السليمة للتخلص من كل أشكال أسس التفكير والتحكم في السلوك بامتلاك حق تشخيص ‘الشذوذ العقلي’ لمخالفة ما اتُفق عليه من نظم اجتماعية وأخلاقية. ونفاق هذه السينما الكامن وراء هذا التفاوت غير عصي على الفهم والإدراك، ويمكن للإنسان أن يكتشف حقيقتها العبثية المتخاذلة المتسترة وراء محاربة المعتدين على الأطفال جنسيا والانحرافات الأخلاقية والمدمنين على المخدرات، بسهولة حيث تسعى للظفر بأكبر مساحة دون حدود أو قيود أو رقابة، حتى يتسنى لها تجسيد الرعب والجانب المظلم من السينما في قمة الهمجية لاستقطاب اكبر عدد من المشاهدين. ولاستراليا تاريخ دموي لإخراج الأفلام الهستيرية عن القتل والجريمة وتحاول ترجمتها دائما إلى حالة من حالات الترفيه العنيفة دون محاولة دراسة العمق السيكولوجي للأفراد المعتدين أو المهمشين أو المدمنين والتمييز بين الحالات النفسية والمرضية. فمن هذا الاهتمام الدقيق لمنطق الإسراف في الاستغلال يبدو فيلم ‘جرائم سنوتاون’ أكثر استغلالية مما هو عليه حقا، لكن ما هو غير عادي هو رغبة المخرج توريط المشاهد لمشاهدة فظائع فيلمه.*ناقد ومخرج سينمائي من المغرب[email protected]