في معني العجز

حجم الخط
0

الياس خوري

كان الجواب علي مبادرة السلام العربية عام 2002، تدميرا للمقاطعة وقرارا اسرائيليا بتدمير السلطة الفلسطينية. اما الجواب علي المبادرة العربية عام 2007، فهو تدمير غزة، او هذا ما تشير اليه عناوين الرد الاسرائيلي.

المسألة واضحة. فالذي يقدم مبادرة للسلام عليه ان يكون قادرا علي الحرب، والا فإنه يعرّض نفسه للتفكك.

اننا في زمن العجز والتفكك. النظام العربي عاجز عن الحرب والسلام، والمجتمعات العربية تتعرض للانهيارات الداخلية، هذا ما نشهده في فلسطين ولبنان. تفكك لا معني له سوي انه تعبير عن العجز، بحيث يمتزج لؤم الديكتاتور العربي بحقارة العدو بعجز المجتمعات عن اقامة حد ادني من النصاب الداخلي.

العجز لا يساوي سوي التفكك.

هذا هو الواقع الذي يكشف عن دمويته في الوطنين المنكوبين، اللذين تأتي نكباتهما كرجع لنكبة العراق بالاحتلال الامريكي ووحش الطوائف والملل والنحل.

لقد طُرح المشرق العربي ارضاً، وصار علامة البؤس والشقاء، الي درجة اننا نعجز عن الفرح بمآزق اسرائيل، لأن مآزقنا اكبر واشد هولاً.

نبكي علي عبدالناصر، ونتذكر ياسر عرفات بحزن وأسي، ولا نملك ان نقول، لأننا نشعر وكأن الكلام انتهي.

قيادات جديدة ترث بلا ارث، لأنها قيادات الخواء الروحي والعقلي، ولدت في العجز، وصارت اسما آخر له.

ما معني ان تترك فلسطين بلا مشروع سياسي ثقافي؟ ما معني ان يتحول لبنان من ارض النهضة الثانية والبلاد التي احتضنت المقاومة الفلسطينية وصنعت مقاومتها، الي ارض للخراب الطائفي والمذهبي من جديد؟

هل تخيل قادة فتح الشهداء ان اسم فتح سيجري تحويره، علي طريقة مخيم نهر البارد، كي يكون صاعقا لادخال لبنان في دوامة من الفوضي، لن يستفيد منها سوي النظام السوري؟

هل تخيل قادة الحركة الوطنية اللبنانية الشهداء، ان تصير الوطنية والقومية برقعا تختفي تحته اكثر قوي الظلام ظلامية، كي يصير التفكك علامة الزمنين اللبناني والعربي؟

لست من دعاة التحليل المؤامراتي للتاريخ، ما يجري ليس مؤامرة، الا بمقدار ما تتسلل المؤامرة من ثقوب العجز.

ما يجري هو العجز بعينه.

بدل ان يتقاتل الفلسطينيون علي سلطة لا سلطة لها، لماذا لا يتوحدون في مقاومة عدو لا يريد لهم سوي الهوان؟

وبدل ان يشتعل لبنان بالمتفجرات والخراب الدموي، لماذا لا يبني لنفسه اطارا وطنيا استقلاليا، كي يحمي انجازي التحرير، ويبني استقلاله؟

الجواب للأسف لا يملكه الفلسطينيون ولا اللبنانيون، الجواب عربي، والنظام العربي ابكم وعاجز وغارق في اللامبالاة.

ما يجري اليوم سبق له وان جري في الماضي البعيد، لكننا لا نتعلم من التاريخ، ويبدو ان لا احد يتعلم من التاريخ.

ففي الحروب الافرنجية الطويلة تفككت هذه البلاد، وضربها الجنون، وسري فيها الهوس، وكانت تلك علامات العجز.

ولم يتوقف التفكك الا حين استعيدت القدرة علي القتال، وعلي رغم الغزوة المغولية الهوجاء، فقد نجح المشرق في استعادة نفسه واستقلاله ولو تحت حكم المماليك.

المشكلة ان مماليك هذا الزمن يتمملكون ولا يحاربون.

المشكلة ان هذا النظام العربي عاجز عن الحرب وجبان وتافه. الحرب مع اسرائيل اقل كلفة بما لا يقاس من اي انفجار اهلي. ومع ذلك يتصرف النظام العربي كالارانب الملوك، يتناوم كي يقول انه لا يري. يغرق في الثروة، و/او يبددها، يتثاءب بالكلام، يفتح فضائيات بلا ديمقراطية، ويغطي القواعد العسكرية الامريكية والعلاقات مع اسرائيل بالصخب التلفزيوني والاصولية اللفظية.

لا امل من هذا النظام، ولا احتمال للميت ان يستفيق من رقاده.

جثة النظام العربي رابضة علي صدورنا.

جثة تتحلل وتتعفن وتريد تعفيننا وقتلنا.

لهذا يتحلل المجتمع، ولهذا ندفع في فلسطين ولبنان ثمن هذا الخنوع الذي لا حدود لانحنائه امام الخوف.

ولكن الي متي؟

السؤال ليس نظريا ولا يحتمل التأجيل.

لا يحق لنا ان نسمح بموت لبنان وفلسطين علي مذبح العجز العربي، او من اجل ان يؤبد الديكتاتور حكمه علي جثثنا.

ففي مواجهة التفكك نحتاج الي يقظة فكرية وسياسية واخلاقية.

نحتاج الي وعي بأن موتنا المجاني يجب ان يتوقف مهما كان الثمن.

يجب ان نستعيد فكرة فلسطين قبل ان تمحي في الاقتتال والخراب.

يجب ان لا نسمح لأحد بدفن لبنان تحت الركام الذي يصنعه الديكتاتور.

من قلب العجز يجب ان يولد الأمل، حتي لا تذهب كل التضحيات هباء.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية