في معني النقد الفني: هل أصبح الوسيط هو الرسالة؟

حجم الخط
0

في معني النقد الفني: هل أصبح الوسيط هو الرسالة؟

د. محمد بن حمودةفي معني النقد الفني: هل أصبح الوسيط هو الرسالة؟فتحت صحيفة القدس العربي صفحاتها لحملة غريبة الاهداف قادها عمر الغدامسي علي مشروع نقدي تشكيلي بدأ في الشارقة ولا يزال يتلمس خطاه (نشرت مقالته في القدس العربي يوم 27/3/2007 تحت عنوان هل بدأنا عصر الناقد بتفويض اجنبي ؟). وقد بني الغدامسي حملته علي الأطروحة التالية: محمد بن حموده منتحل لصفة الناقد، والمنابر الفنية العربية، من قبيل الشارقة وبينالي القاهرة، تشجع مثل هؤلاء المنتحلين للصفة النقدية. والظاهر هو أن عمر الغدامسي مطمئن تماما إلي عدم انخراطه في خانة من بيته من البلور ومع ذلك يرمي جيرانه بالحجر، بما أنه بدا واثقا أنه من غير الوارد أن يكون منتحلا للصفة النقدية: أليس هو صاحب الصفحة التشكيلية في جريدة الصحافة التونسية! حتما، مثل هذا الإدراك لا يخلو من بعض الصلاحية، بما أنه ليست الفنون التشكيلية وحدها، بل كل المسائل، مهما بلغت خطورتها أو تفاهتها تقبل بأن تصبح مادة صحافية. ولكن ما يُناقش ضمن ممارسة عمر هو الطابع المذهبي لهذا التصور. وحتي لا نناقش المسألة من خلال عينة تصدر عن رؤي عفوية أكثر منها اختيارية (والفكر هو ربط المسائل بالاختيار) فيمكن أن نذكر السجال الذي أنهي به دولوز حياته في مواجهة برنار هنري لفي ومجموعته، والذي في سياقه نبه دولوز إلي الخطر الذي ستمثله المذهبية الصحافية le journalisme علي الإبداع عموما. مع ذلك فإنني أجزم أن غلاة المذهبية الصحافية لا يمكن أن يذهب بهم الاستخفاف إلي حدّ القذف بصفة الانتحال جزافا، خاصة وأن شعارهم هو الدفاع عن صلاحية خطاب المواطنة la parole citoyenne (أي خطاب الإنسان العادي في لغتنا العربية في إشارة إلي أن من يتعاطي مع الخطاب الفكري هو ليس عاديا بهذا المعني أو ذاك) أمام علوية الخطاب المعرفي والنظري. ولأن غايتهم هي توسيع دائرة الصلاحية ومحاربة من يضيّق من دائرتها، فإنه لن يخطر ببالهم أن يجعلوا من الجامعة أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما الانتحال أو التخريف. لنستحضر منطلق نص الاتهام كما ورد في مقال السيد عمر. يقول المذكور: لقد وقع التعامل مع مبادرة بعث جمعية للنقاد العرب كشأن خاص أو سري يجب إخفاؤه عن الفنانين والنقاد التونسيين تماما كما تخفي كل جريمة. فالقائمة ضمت أسماء لا علاقة لها بالنقد.. أسماء لا وجود ولا ذكر لها في حركة الفن التشكيلي بتونس. ضمت القائمة سبعة أسماء نقدية من تونس، إلي جانب وجود اسم السيد محمد بن حمودة ضمن اللجنة التأسيسية التي قامت بضبط قائمة النقاد العرب بمن فيهم التونسيون.السيد محمد بن حمودة، قد يكون اسما معروفا في تلك المنابر المتعاقبة سواء ضمن بينالي الشارقة أو القاهرة. قد يكون اسمه معروفا لدي زملائه المدرسين وطلبة المعهد العالي للفنون والحرف بصفاقس، حيث يدّرس مادة الفلسفة أما خارج مجال التدريس أي في الحياة الثقافية التونسية، فان ذكره مختصر علي ثلاثة أيام في فصل الصيف، حيث يقوم بتأمين الندوات الفكرية التي ينظمها مهرجان المحرس الدولي للفنون التشكيلية (علي بعد 30 كلم من مدينة صفاقس حيث يقيم) أما خارج هذه المناسبة أو بعض تلك الندوات التي ينظمها الجامعيون في عزلة تامة عن نبض الحياة الثقافية والإبداعية بتجاذباتها، فان السيد محمد بن حمودة لا وجود له واسمه مجهول تماما في الوسط الثقافي والإبداعي. ونحن نذكر هذه الحقيقة من منطلق بديهي ألا وهو أن وجود الناقد يتطلب وجود متن نقدي ..جلي كيف أن الوسيط بالنسبة له هو الرسالة بما أن منطوق الكلام هو أن انفتاح صفحته التشكيلية لا يمكن أن ترقي إليه عزلة الجامعة. وبناء علي هذه المقدمة المُضمرة، بما أنه تم توظيفها بشكل بديهي، ستتفرع كل النتائج الموالية. فعلي أساس هذه المقدمة كان عمر الغدامسي معروفا وكان محمد بن حمودة مغمورا، وعلي أساسها أيضا كانت الصفحة التشكيلية مرجعا لا يقبل الإهمال وكان التعامل مع الجامعة والجامعيين ضرباً من نقص الجدية إن لم يكن ضربا من السفاهة الغفل من كل صلاحية تذكر …الخ. وعلي هذا الأساس بني السيد عمر اتهامه لما جري إعداده في الشارقة بالسرّية. والحال أنه، وهو الذي يفضل جريدة ذات انتشار عربي لنشر ما لم ينشره علي صفحته التشكيلية التونسية، لا يطالع ولو بالانترنت ما كتبته صحف الشارقة عن الندوة عموما وما نقلته من مقاطع عن مداخلتي ضمنها إن كان يهمه هذا الجانب بشكل خاص. كما أنه، وفي الوقت الذي نزل فيه مقاله علي صفحات جريدة القدس ، نشرت جريدة الفنون الصادرة عن المجلس الوطني للثقافة بالكويت تغطية للندوة المذكورة قام بها الدكتور صلاح صالح. وقد تحدث ضمنها عن ورقتي بأن بدأ ملاحظا أنها تندرج في سياق فلسفة الفن وترسيخ التعامل مع الفن التشكيلي بوصفه جزءا قارا في السلسلة الثقافية العربية، والمساهمة الموازية في جعل تلقيه علي الصعيد الاجتماعي جزءا أساسيا من التقاليد الاجتماعية المدينية المعاصرة، منطلقا من أن الفلسفة والنقد صنوان متلازمان .لا سرّية إذن، ولكن السؤال هو: هل تتسع الصفحة التشكيلية التي يشرف عليها عمر لمجمل قضايا الممارسة التشكيلية؟ فإذا كانت هذه الأخيرة أوسع بكثير من صفحة تشكيلية، فإنه حتي في حال أشرف عليها شخص واسع المقبولية ومعنيٌّ بما هو كلّي، فلن تتحوّل الجريدة إلي كتاب ولن يصبح المنبر المدني منبرا مختصا ومستنيرا. لهذا اختلف مثلا تعاملي مع الفنان سامي بن عامر عن تعامل عمر معه. فهو تحدث عنه بوصفه أمين عام اتحاد الفنانين وهو ما يستوجب منه ما أسماه الموضوعية والتي، بصرف النظر عن مدلولها الدقيق في هذا السياق، فهي تفترض حسبه حيادا علي المستوي العملي مؤداه الضمني والصريح أنه لم يكن متفرغا للنقد التشكيلي. والحال، حين أتجرأ وأتخذ لهنيهة من الزمن نفسي مرجعا سألاحظ أن الفنان سامي بن عامر قام، علي الأقل في مناسبتين، ليس فقط بممارسة النقد من موقع الباحث الشخصي بل وفّق أيما توفيق في تحويله إلي حركة جماعية. المناسبة الأولي عندما قام بإعداد الندوة الموازية لمهرجان المحرس للفنون التشكيلية تحت عنوان: القيم الجمالية وسوق الفن: التقاء أم تناقض؟ وقد اغتنمت من ناحيتي الفرصة البحثية المتاحة لأتمعن في ما يبيعه المصور تحديدا حين يبيع لوحة. ولأني انطلقت من ملاحظة أن الفن المعاصر برمّته معاد للصورة (منذ مانيه إلي البوب آرت، لا شيء يجمع بين التيارات التشكيلية سوي رفضها للصورة بالمعني التشخيصي للكلمة) ولعلمي المسبق بأن اللوحة الكلاسيكية كانت تبيع الصورة ـ إلي حدّ أنها لا تبيعها فقط كمضمون للوحة إبداعية بل وكذلك كلوحة منسوخة ـ فقد اخترت عنوانا لبحثي: أي ثمن للوحة تفتقد لعيار الصورة؟ ومن بين ما اهتديت له في هذه المناسبة التي وهبها لي سامي بن عامر كمنسق لندوة ومهرجان المحرس كصاحب منبر، أن معيار الصورة اشتغل منذ اليونان كرافعة للنظرة الحداثية العالم، وفي ذلك أقول: فإنه ما نكاد نرفع (معيار الصورة) إلي مقام النظرة للعالم حتي يرقي تباعا إلي مرتبة القيمة الاستطيقية التي تنجح نجاحا باهرا في تمكين الإنسان من (قيامية تستند إلي المصطنع) ونعني بالقيامية التصور الذي يقول بالبقاء بعد الموت. والقيامية التي تستند إلي المصطنع هي التصور الذي يُخضع المجال الجنائزي لقيم الشرعية القانونية وللشرط الإنساني عموما، إذ بقي الفن إلي يوم الناس هذا ظاهرة غربية بالأساس وذلك لأن الغرب ظل هو الوحيد الذي اعتمد علي الفن في مهمة بقيت حكرا علي الدين والأساطير في باقي المجتمعات. وفعلا، استطاع الفن غربيا أن يتصدي للأسئلة القصوية لأنه تصدّي للمهمة الأخطر، ألا وهي دنينة الجنائزي. في المقابل، لا زال الفنانون في المجتمعات العربية الإسلامية يشاركون جميع الناس نفس المنوال الجنائزي، أي نفس الصلاة علي الميت، ونفس مراسم الدفن ونفس التأبين وخاصة نفس قانون الأحوال الشخصية، إذ لم يتحول الموت في أوطاننا إلي مسألة فكرية فيخضع إلي مقاييس الفكر. ومعلوم أن أبسط مقاييس الفكر هي ربط كل المسائل بالاختيار وهي القدرة علي نزع البداهات وهي كذلك القدرة علي تقويم مسألة الرابطة علي ضوء مقياس الانفتاح . ومنذ ذلك الحين بدأت جديا في التفكير في علاقة الشعر بالفن علي ضوء الانزياح الذي قام به اليونان من اجل استبدال أفق الانتظار بتحويل دلالة مصطلح بووزيس من الإشارة إلي الشعر نحو التّعبير عن الفن، مستهلين بذلك سياقا اجتماعيا يقيم تعارضا ضروريا ومبدئيا بين القيم الثقافية والقيم الإبداعية. ولذلك فبعد كتابتي لمقال عنوانه هل الشاعر فنان؟ (نشر ضمن أعمال ندوة الأيّام الشعرية محمد البقلوطي في دورتها الخامسة) فقد رحت إلي الشارقة حيث رأيت من واجبي التذكير بمهمة الفن الأولي والتي تخطاها الفن الغربي لأنها أصبحت في عداد القيم الثقافية في حين أنها لا زالت عنـــــدنا من أولويات الإبداع، ألا وهي مهمة دمج الأحوال الشخصية في المواطنة (فالمواطنة تجمع مثلا المصريين علي مقاومة إسرائيل ولكنها لا تسمح للمصري القبطي بأن يتزوج المصرية المسلمة) وبموازاة ذلك تحدثت ضمن كتابي ابن خلدون والصناعات والمهن عن دور الصورة في بلورة المواطنة من خلال تكريسها الحسي لقيمة الكياسة la civilitژ وعلاقة كل ذلك بقيمة استهلّيت الحديث عنها في المقال عن عيار الصورة ألا وهي القيمة الاستعلانية أو الافتخارية la valeur ostentatoire. مع العلم أن وقائع الندوة المذكورة قد تم نشرها في الكويت من طرف جمعية الفنون التشكيلية بالكويت. كل تلك الهواجس لا أعتقد أن الصفحة التشكيلية لجريدة الصحافة التونسية ولا المشرف عليها بقادرين علي استقبالها بين ظهرانيهم، فهل هو لجوء للسرية حين نبحث عن حامل أرحب؟ وهل ينبغي لهذه الهواجس أن تخضع نفسها لكل ضروب الاقتصار (المعياري والمعرفي..) حتي لا تحرم نفسها من وسام الانتماء للمجال التشكيلي من حيث هو منطقة نفوذ ترجع بالنظر للقيمين عليه والساهرين عليه ؟المناسبة الثانية التي أتاحها لي سامي بن عامر هي عندما قام بتنسيق ندوة عن الزيتونة. وهي أيضا قد تم نشرها. وضمن هذه المداخلة فقد تمكنت من بلورة فكرة طرحتها منذ سنتين علي طلبتي في الماجستر وهي الفن المعاصر وتخطي مشكلية الفن . وباختصار شديد بدا لي أن فراغ الغرب من مهمة دنينة الوجدان وإدخال التاريخ والمجتمع في صميم حميمية الفرد، جعــــله ينتبه الي أن التشكيـــــلي قد بالغ في استيعاب التخييلي le fictionnel وهو ما جعل الإنسان الغربي إنســـــانا مقطوع الصلة بالعالم، فهو بقدر ما يطور قدرته علي التفكير بالعلامات بقدر ما يعجز عن التفكير بالأشياء، ومنه إحياؤه لضرب من التدين الكوسمولوجي وفق عبارة سيزان. وفي سياق هده المشاغل كتبت مقال la part des choses L art abstrait etلأتوقف بالخصوص عند الفارق بين الأغراض والأشياء، وهي المسألة التي حاولت، ضمن مقال سيصدر خلال الشهر القادم بمجلة علامات المغربية، متابعة حيثياتها الإسلامية من خلال مقال بعنوان ابن خلدون والعلامات .علي أساس هذه الشواغل وغيرها كنت أولا دائم التعقب للوسائط التي هي من النزاهة بحيث تلتزم بدورها كوسيط ولا تتورط في الوثنية التي تجعلها تريد أن تجعل من نفسها مضمون الرسالة، علما بأن الوثنية، في تعريفها العام، هي استيعاب الوسيط لأطراف الاتصال. وحين يتنزه الوسيط عن رذيلة الوثنية فإنه يسمح آنذاك لنفسه بالاضطلاع بدور الرابطة وهو ما حصل في الشارقة إذ بلغ انتشاء المشاركين بصفاء التواصل الفكري وصدق نيته أن تنادي الجمع إلي التفكير في الارتفاع به من مستوي الطارئ إلي صعيد المؤسس والمؤطر. وكنت ضمن المجموعة المؤسسة علي نحو تلقائي، بحيث لم يكن غيابي عنها ليلحظه أحد ولا كذلك حضوري، إلي أن أعلن عمر ما أعلن من استنكار وتنديد ولكن بماذا ندّد؟ بانتحالي لصفة الناقد.هنا وجدتني محتاجا إلي الاستزادة في الفهم قبل القدرة علي المبادرة إلي الرد. فالانتحال علي حد علمي هو جريمة موصوفة … وعموما القصد منها حيازة ملك علي غير وجه حق. فما الذي جعل الناقد عمر الغدامسي يتأكد من أنني لست ناقدا؟ لعله من المفيد أن نحاول تعريف النقد حتي نستوضح موقف الناقد عمر. منذ أقل من شهر استدعتني إذاعة المنستير أنا والصديق فاتح بن عامر لنتحدث عن الجمعية النقدية التي بدأ الحديث عنها في الشارقة. وقد تدرج الحديث ليتوقف عند تعريف النقد فذكّر الصديق فاتح بأن للمصطلح في الأصل دلالة حرفية لها صلة بوهب النقود، إذ كان الخليفة ينقد كل من يقول له شعرا. وبخصوص هذا المعني فإني أقدّر أن عمر الغدامسي ينزهني عن التعامل مع النقد كتعامل بعض الصحافيين الذين لا ينقدون عملا ما إلا بعد أن ينقدهم صاحبه، ولا يسعون في جمع التبرعات لنشاط تشكيلي إلا بعد الحصول علي ثلث القيمة المجموعة. ولكن هل النقد واقف عند هذه الدلالة الحرفية؟ طبعا لا، فالنقد تقويم، والتقويم هو أخطر الأفعال وأهمها لأنه يفترض الاحاطة بموضوعه من كل جوانبه ولذلك فهو يقوم من المعرفة مقام شرط الإمكان، بما أن الأخيرة تستند إلي الموهبة التركيبية (ولذلك كان الناقد يطلق علي ما يسميه الناس بالمعقّد صفة المركّب). الناقد إذن هو من توفر علي حظ يزيد وينقص من الموهبة التركيبية، فكيف اهتدي عمر الغدامسي إلي أنني لست فقط عارياً تماما عن هذه الكفاءة، بل حكم بأن النزر القليل الذي ظهر للعيان، هو منتحل! يبدو أنه ليس هناك إلا عمر يستطيع أن يجيب عن هذا السؤال. لكن المشكل هو أنه ليجيب شخص ما عن سؤال بعينه لا بد أولا أن يعيره قدرا من الاهتمام ولا بد من التوقف عنده، ولكن الناقد عمر يبدو أن الجانب العلمي من المسألة لا يعنيه كثيرا، بل هو يهتم بالانتحال فقط ليوظفه كتوطئة تبرر ما سيكيله لي من اتهامات بالجهوية. حين قرأت ما كتبه عمر الغدامسي عن سلوكي الجهوي، وحين سلمت جدلا بأنه أمسك بحقيقتي التي هي غائبة عني، وذلك علي اعتبار انه لا ينبغي أن نُقيّم أحدا بما يظنه في نفسه، هالني عندها ما أعيشه من فصام. وفعلا، كيف لا أعاني الفصام وأنا الذي ـ من دون أن أذهب بعيدا في الزمن لسبر بنائي الذهني والمعياري ـ منذ سنين وأنا أجتهد في بلورة الفارق الفاصل بين الإنسان الملّي والإنسان الكوسموبولوتي، حتي أني قد اقترحت علي هيئة مهرجان المحرس أن تضع شعارا لدوراتها الأخيرة ولهذه السنة أيضا الشعار التالي من أجل قيم كوسموبولوتية مبدعة . ثم كيف أكون جهويا من ناحية ثم أحيا أنا وزوجتي وابنتنا خارج كل ضرب من ضروب العلاقات الدموية ما عدا منها ما يتصل بالعائلة النواتية، هدفي من ذلك إفساح المجال للصداقة، التي هي من صميم الفكر، إذ يشتركان (الصداقة والفكر) في ربط المسائل بالاختيار، في حين أن القريب لا نختاره … وحين نقف عند تعريف المتن النقدي كما ورد في كلام الغدامسي المُثبت أعلاه فإنك تجدني إما أكتب عن أعلام يصادقها الإنسان فكريا أو عن أصدقاء يدخل معهم المرء في تواشج كياني … فمنذ سنة 1990 استمتعت بالكتابة عن بعض الأحداث التشكيلية الباريسية كمراسل لمجلة أدب ونقد المصرية، وفي أول مناسبة كتبت بشكل حميمي فلكي أغنم صداقة أعتز بها لليوم، وذلك حين كتبت عن الفنان أحمد فؤاد سليم. وليس لي أن أصف غبطتي حين تسلمت منه في شهر كانون الاول (ديسمبر) الماضي كتابا لخمسة فنانين هو أحدهم وقوام الكتاب سيرة شخصية لكل فنان وبعض النماذج من أعماله ثم أحد النصوص التي يختارها من بين ما كُتب عنه، وكان نصي هو الذي اختاره أحمد فؤاد سليم لتمثيله. وحاليا، أجدني دائم الاستحضار لأعمال الأصدقاء جمال عبد الرحيم وأحمد معلا وعادل السيوي وطلال معلا بحكم تلمسها علي أنحاء مختلفة لعلاقة مستحدثة بين التخييلي والتشكيلي … وعمر يجهل هذا الجانب من ممارستي النقدية وهو ليس مطالباً بمعرفته … ولكنه مطالب بالدقة في معلوماته الصحافية علي الأقل، فهو عندما يقول أن الناصر بالشيخ قد تقاعد فمعني ذلك أنه غرق في صفحته التشكيلية إلي حدّ الانقطاع عن العالم، فالناصر بالشيخ ليس فقط لم يتقاعد بل لا زال يترأس ويشارك في لجان الانتداب ولعله سيكون بهذه الصفة أو تلك في لجنة انتدابي في الخطة الجامعية التي أنوي الترشح لها. وبالمناسبة أسأل: هل قصد عمر الغدامسي أن يبالغ في تأويل السهو الحاصل في خصوص الناصر بالشيخ (أقدر أن المسألة لا تخرج عن ذلك الحد ولا أستطيع الجزم بأي شيء لأنه البتة لم تكن لي أية صلاحية تسمح بذلك) ليصرف في المقابل النظر عن السهو الذي طال الفنان رشيد الفخفاخ وهو العليم أن الأخير هو ليس فقط مدير المعهد الذي أدرّس به بل هو كذلك صفاقسي (لاحظوا الهوان والابتذال الذي صار إليه الخطاب). ثم إن الغدامسي يخطيء أيضا عندما يقول أن الناصر بن الشيخ أشرف علي بحوثي، وليس في خطئه ما يزعجني سوي أنه يحرمني من الاعتزاز بإشراف مؤرخ للفن لا يشق له غبار ألا وهو السيد جلبار لاسكو، وهذا أيضا جانب من تكويني النقدي والتشكيلي الذي جهله عمر الغدامسي ولا وزر عليه في ذلك لولا أنه أراد أن يقوم بمهام الشرطي الذي يراقب الهويات، ولا أخاله أيضا يعلم أني في حال تكوين مستمر، إذ حصلت خلال شهر حزيران (يونيو) الماضي (وما بالعهد من قدم) علي التأهيل من جامعة بنمسيك بالدار البيضاء وقد كان الصديق موليم العروسي هو الأستاذ المشرف علي ملفّي وكان الصديق نور الدين افاية رئيس لجنة المناقشة…لماذا إذن ـ حتي إن واصلنا التسليم جدلا باشتمالي علي ضارب ما من الجهوية الذي قد لا يسلم منه العربي بحكم سياقه العام حتي إن اجتهد ليسلم منها شخصيا ـ لم ينتبه عمر الغدامسي إلا إلي الجهوية كمحرك لمناشط أفعالي وهو الصديق الذي يضطلع بمهمة الوكيل الصحافي لمهرجان أنتمي لهيئته المديرة؟لعلّ الأمر بكل بساطة لا يخلو من عدم إيمان بما هو منشأ وتسليم مسبق بكل ما هو معطي، وكما هو معلوم فإن الجهوية معطاة أما الكوسمو بولوتية فإنها منشأة. ومنه خطورة الثقافة التشكيلية إذ يُفترض فيها علي الأقل تصحيح مقاييس لوحة القيم الواجب اعتمادها بما يسمح للمستقبل أن يأتي، أي للحداثة بأن تتحقق، إذ لا بد لعمر ولأضرابه أن يعلموا أن رهاننا واحد وحيد مهما تعددت الاختصاصات والمجالات، ألا وهو الحداثة. ومن طرائف الصدف أنه منذ مدة قصيرة أعلنت وحدة البحث التي يشرف عليها الدكتور سمير التريكي (وهو صفاقسي بحكم مصادفات اللقيا لا بحكم أية ضرورة إدارية أو علمية) عزمها علي عقد ندوة حول حاضر الفن التشكيلي في تونس. وقد حدث أنه مباشرة قبل العلم بمقترح الندوة كنت قدمت ديوان بوح الغريب الذي أصدره صديقي نور الدين بوجلبان والذي ينخرط ضمن متعاطي قصيدة النثر، وهو جنس لا زال غير مقبول في ربوعنا. وقد بدا لي أن الإشكال يتمحور أساسا حول قصوية قصيدة النثر في استئصال رواسب الشفوية التي قلص من حضورها الشعر الكلاسيكي العربي دون أن يجتثها تماما. من ناحيتها، فإن قصيدة النثر، إذ تقوم بدمج اللغة في الكلام، وكذلك بدمج الشعر في البلاغة، فإنها تحوّل علاقة الإحالة اللغوية (تورية، إلماح، الخ) إلي علاقة إزاحة من شأنها أن تحصر دور العلامات ليس في إبلاغ الانفعال ولكن في الإعلان عنه. هكذا ينشأ نوع من الزمن المنطقي الذي يمتّ بصلة ضئيلة مع الزمن الفعلي التحقق. علي ضوء هذه المعطيات بدت لي صلاحية حديث عبد السلام المسدي عن اعتماد غرض المقام والذي هو تكريس لما يسميه المرور من الشعر إلي القصيدة. وهو المرور الذي يغيّر علي مستوي الشعر العربي من ترتيب علاقة كل من الناقد والجمهور بالأثر الشعري. ويكتب عبد السلام المسدي في هذا الخصوص قائلا: ومع هذه النقلة يصبح الناقد مدعوا إلي إنجاز وظيفة أركيولوجية ـ علي دلالة رجال الحفريات ـ ليعيد بناء العلاقة الطبيعة بين المتلقي والشعر من خلال إعادة بناء نظامية المجاز، ومن خلال رسم خارطة الدلالات. فكأنما الناقد مدعو إلي تمكين الشعر من جواز سفره نحو مملكة الجمهور. فيما مضي ـ حين كانت تسود الشعرية المحايثة ـ كان الشعر يمر إلي الناقد بعد أن يتلقاه الجمهور. واليوم، مع سيادة الشعرية المفارقة، كأننا بالشعر يأتي إلي الناقد أولا ليقوم بوظيفة المصفاة قبل أن يصل الشعر إلي متلقيه . 1 وبمقارنة تحولات كل من السياق الشعري والتصويري في تونس خامرني السؤال التالي: هل أصبح التصوير في مجتمعنا التونسي اليوم ينعم بمحايثة ظلت طويلا من اختصاص الشعر، وفي الوقت الذي يبدو فيه هذا الأخير يعيش أزمة سببها انتشار قصيدة النثر وتأسيسها لشعرية مفارقة؟ وبناء عليه اقترحت علي الهيئة المنظمة للندوة العنوان التالي لمداخلتي: التصوير التونسي المعاصر بين المحايثة والمفارقة. وفي غمرة إعدادي لنص مداخلتي طلع علينا عمر الغدامسي بمقاله الذي يذهب بالمحايثة إلي حدّ الوثنية التي ديدنها أنّ الوسيط هو الرسالة وأنه لا مجال للحديث، مثلا، مع الناقد والفنان طلال معلا كيف أنّ كل الدراسات تشير في عمق مؤداها، إلي أنّ التشكيل العربي ما زال يعيش غربة قاسية، في محيطه العام، وبما تمليه الوقائع العامة للقبول الاجتماعي له، فيما يتعلق بجانب عصيانه علي الانخراط في الفعل الوقائعي اليومي . 2 فهل ينبغي أن تضمر أحجام كل قضايانا وكل مقاييسنا حتي لا تفيض عن طاقة احتمال الصفحة التشكيلية الغدامسية لها فتخرج عن دائرة رقابته لها؟ الجواب عن مثل هذا السؤال هو من الخطورة بحيث لا يحتمل ثرثرة من هذا النوع أو ذاك، ولكني أرجو أن يكون توقفي عن الكلام هو بسبب بلوغه حدا جعل الصمت الموالي له جزءا منه، بما أنني أقدّر أنّ القارئ قد أصبح، إلي حدّ ما، قادر علي أن يخصبه وأن يستنطقه كذلك.1 ) عبد السلام المسدي، شعرنا العربي المعاصر والزمن المضاد، ضمن مجلة فصول، العدد 68، شتاء ـ ربيع 2006، ص 3112 ) طلال معلا، أوهام الصورة، التشكيل العربي .. الثقافة السائبة، دائرة الثقافة والاعلام ـ حكومة الشارقة، 2001، ص 11QTS0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية