بعد بضعة أيام على إنهاء السفير الأمريكي في إسرائيل، توم نايدس، سنة في منصبه، ينتظر أداء الحكومة الجديدة لليمين والعمل أمام بنيامين نتنياهو، الذي يتوقع أن يكون رئيس الحكومة الثالث في فترة شغله لهذا المنصب. العلاقات بين نتنياهو والرئيس الأمريكي مرت بعقبات مهمة طوال سنين، لكن نايدس على قناعة بأن علاقتهما جيدة، وأنه يمكنهما التعاون رغم المواقف المتطرفة لكبار أعضاء الائتلاف الذي يلوح في الأفق. “أعرفه منذ فترة طويلة. تحدثت معه كثيراً منذ الانتخابات”، قال نايدس عن نتنياهو. “يدور الحديث عن بضاعة معروفة له وللرئيس ولكثيرين منا في الحكومة”، مادحاً نتنياهو، قائلاً: “نؤمن بأنه ذكي جداً، ويعرف السياسة الأمريكية جيداً، ونؤمن بأن له علاقات جيدة جداً مع جو بايدن. يقول بأنه يريد أن يكون رئيس الحكومة لشعب إسرائيل كله”.
تعرف نايدس على نتنياهو للمرة الأولى في الفترة التي شغل فيها منصب نائب وزيرة الخارجية في عهد كلينتون لشؤون الإدارة والموارد، في الأعوام 2010 – 2013. هو لا يعرف إلا القليل جداً عن الأعضاء الآخرين في هذا الائتلاف الغض، لا سيما الشخصيات المتطرفة فيه، مثل رئيس “الصهيونية الدينية” بتسلئيل سموتريتش، ورئيس “قوة يهودية” ايتمار بن غفير. في هذا الأسبوع، رفض القول إذا كان سيلتقي معهما، أو إذا كانت الإدارة الأمريكية ستقطع الاتصالات مع وزارة المالية ووزارة الأمن القومي اللتين سيقفان على رأسهما. وعن سؤال هل يريد استغلال المقابلة من أجل دعوتهما ودعوة نائب الوزير آفي معوز للاحتفال بعيد استقلال الولايات المتحدة الذي تقيمه السفارة في كل سنة، قفز بدبلوماسية: “الأمر الأول أنني لن أدخل إلى هذه اللعبة: مع من ستلتقي ومتى ستلتقي معهما”، وأضاف: “لن أطلق التصريحات، لأننا نريد رؤية ما سيحدث. وكما قال وزير الخارجية أنتوني بلنكن “هيا نحاكم الأشخاص حسب أفعالهم وليس حسب ما فعلوه أثناء الحملة”. لا أستيقظ صباحاً قلقاً من سؤال مع من سألتقي؛ فهم حتى الآن لم يُعينوا وزراء، ولم تتم المصادقة على تعيينهم بعد. سأحكم على ذلك كلما تقدمنا. سنلتقي مع الذي يجب أن نلتقي معه”.
هل ترى سيناريو لن تتعاون فيه مع الوزارات التي سيقفان على رأسها؟
“نتنياهو هو المسؤول عن هذه الحكومة. وأتعامل مع رئيس الحكومة ومكتب رئيس الحكومة. وقد أوضح لنا جميعاً بأنه يمسك بالدفة بشكل جيد. سنعمل معه. المهم أن للرئيس الأمريكي علاقات عمل شجاعة مع نتنياهو. وقد قال في مكالمته الهاتفية بأنه يعرفه منذ أربعين سنة، وأنا أيضاً أعرفه منذ فترة طويلة. من الواضح أنه كان هناك ارتفاع وهبوط، لكن الأمر يتعلق بالعلاقات: الأصدقاء يتجادلون، وهذا أمر جيد. أهنئ الحكومة الإسرائيلية والشعب في إسرائيل عندما يصنعون أموراً كبيرة، وأنا على ثقة بوجود أوقات نتبادل فيها المجاملات عندما أعتقد بأن هناك أموراً سنحتاج إلى أن نعمل عليها معاً”.
إزاء انتقاد الساحة الدولية على تشكيلة الحكومة المتوقعة، يفضل نايدس العمل بـ “وتيرة معتدلة أكثر”، حسب قوله. “أعتقد أن علينا جميعاً اتخاذ خطوة إلى الوراء هنا. وهذا ما أقوله لأصدقائي في واشنطن ولليهود في الولايات المتحدة. هذه ديمقراطية نشطة جداً. 72 في المئة من الإسرائيليين شاركوا في هذه الانتخابات، وهذا أمر رائع. القصد أن هذا رائع مقارنة مع الولايات المتحدة التي يوجد فيها انتخابات كل أربع سنوات. لا يمكننا حتى الاقتراب من 72 في المئة.
“هذه هي الانتخابات الخامسة خلال سنتين. 72 في المئة من الدولة شاركوا، وأكثر من 55 في المئة من العرب – الإسرائيليين جاءوا للتصويت. إذن، الناس في هذه الدولة يهتمون بحماسة. وعلى أمريكا أن تفهم ذلك، وعلينا أن نفهم هذه الديمقراطية وكيفية عملها. لا أقول بأن القلق بعيد عنا، أو أن لا نعبر عن تخوفاتنا، لكني أعتقد أن شعب إسرائيل لن يكون متحمساً إذا انتقدنا هذه الحكومة عند تشكيلها”.
هناك أعضاء في هذه الحكومة يريدون التغيير في جهاز القضاء، ويريدون شرعنة بؤر استيطانية، وتغيير الوضع القائم في الحرم، ومنع إجراء مسيرات المثليين، والمس بحرية التعبير. هذه الأمور تناقض بجزء منها على الأقل تصريحات الإدارة الواضحة. هل هذه الأفكار تقلقك؟
“ثمة مشاعر قوية على كثير من المواضيع التي تحدثت الآن عنها. بشكل شخصي، وبخصوص مسيرة الفخار، فقد شاركت فيها في القدس وتل أبيب، وأنوي المشاركة فيها مرة أخرى. لا شك عندي بأن تكون مسيرة فخار في القدس. فهل سأرد إذا أطلق شخص ما بعض الملاحظات حول عدم تنفيذ مسيرة؟ لننتظر ونرى ماذا سيحدث. في هذه الحالة أنا متأكد”.
ماذا سيحدث إذا عملت الحكومة الآن على شرعنة البؤر الاستيطانية؟
“لا نؤيد هذا. نؤيد الإبقاء على الوضع الراهن في الحرم، ونؤيد ضرورة الحفاظ على حل الدولتين. وهذا تم توضيحه، وقد صغنا ذلك مرة تلو الأخرى، وسنعمل مع الحكومة للتأكد من تحقق المواقف التي نؤمن بها”.
مع ذلك، قدر نايدس بأن المواجهة مع الحكومة في القضايا المختلفة سيصعب عليها المس بالتزامات الإدارة الأمريكية الرئيسية تجاه إسرائيل. “في نهاية المطاف، أمريكا ستحمي إسرائيل”، وأضاف: “كي لا تكون هناك أخطاء، سنوافق على أمور كثيرة جداً، بما في ذلك تهديد النظام الإيراني وتهديد امتداداته ومحاولة تقليص أي تهديد أمني يهدد هذه الدولة. سنعمل مع إسرائيل من أجل ذلك. ستكون هناك أماكن من عدم الاتفاق، أنا واثق من ذلك. ولكن كان لنا عدم اتفاقات مع الإدارة السابقة. والأمر الأهم هو التأكد من أن علاقات إسرائيل والولايات المتحدة ستبقى قوية. أعرف أن هذا ما يريده نتنياهو، وأعتقد أن الأغلبية الساحقة في الإدارة الأمريكية تريد الشيء نفسه”.
لن يرفع عن الطاولة
يتوقع أن تواجه حكومة نتنياهو الآن جهوداً متزايدة من الإدارة لتعزيز العلاقات والمساعدة للجمهور الفلسطيني. في الشهر الماضي، عينت وزارة الخارجية الأمريكية هادي عمرو، مبعوثاً خاصاً لشؤون الفلسطينيين، وهو المنصب الذي استهدف التغطية على قرار الإدارة الأمريكية؛ أن يحل محل قرار الرئيس الأمريكي السابق ترامب إلغاء منصب القنصل للشؤون الفلسطينية في القدس. وأوضح نايدس بأن الإدارة تتمسك بنواياها بإعادة فتح القنصلية والضغط على الحكومة الجديدة في القدس من أجل الموافقة على هذه الخطوة والسماح بها.
لقد ادعى بينيت ولبيد أنكم رفعتم مبادرة فتح القنصلية عن الطاولة عقب توسلهما والخوف من انهيار الحكومة بعد هذه الخطوة.
“قبل أي شيء، من غير الصحيح أننا أزلنا هذا الموضوع عن جدول الأعمال. تحدثنا معهما دائماً حتى وصلنا لمرحلة أدركنا فيها بأن الحكومة لن تسمح لنا بفعل ذلك. تحدثنا عن ذلك في كل لقاء، وعن الحاجة لفعل ذلك وسنواصل الحديث”.
في السنوات الأخيرة منذ إغلاق القنصلية، يعمل في نفس المبنى بشارع “اغارون” في القدس طاقم يضم عشرات الموظفين الأمريكيين الذين يعملون على مواصلة والمضي بالعلاقات مع الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة تحت اسم “أو.بي.إي” (مكتب الشؤون الفلسطينية). “الوضع لم يوقف العمل الذي نقوم به من أجل الشعب الفلسطيني الذي يطمح بأن تكون حياتهم أفضل بقليل. هذا إضافة إلى محاولة الحفاظ على حل الدولتين على قيد الحياة”، قال. “الناس ينسون أن لنا مكتباً قوياً جداً في القدس، بنفس حجم المكتب الذي كان لنا قبل أربع سنوات. لنا 65 – 70 شخصاً يعملون طوال اليوم على الضفة الغربية وقطاع غزة بقيادة جورج نول، مع ميزانية تبلغ نصف مليار دولار تقريباً من أجل برامج يو.اس.ايد لصالح الشعب الفلسطيني. وأنا أقضي وقتاً طويلاً يومياً للاهتمام بهذا الموضوع”.
هل تؤمن بأنه سيتم فتح القنصلية من جديد؟
“لا فكرة لي. سندفع هذا الأمر، لكن المشكلة أننا أضعنا وقتاً على لافتة على الحائط. هذا رائع. أحب اللافتة. أحب أن تكون معلقة على الحائط. ولكن الرجال والنساء المخلصين يقومون كل يوم في نهاية المطاف بالعمل الذي يتعلق بالمواضيع في الضفة وغزة، وهو عمل لم يتوقف. لقد انتقلنا من ميزانية صفر تقريباً إلى مساعدة للشعب الفلسطيني تحت الإدارة السابقة، إلى نصف مليار دولار تقريباً. هذه الأموال مخصصة بالطبع للتعليم والصحة، وجزء منها للأونروا. نحن نشطون. أقضي 60 في المئة من وقتي للاهتمام بالشؤون الفلسطينية، لأن هذا يؤثر على إسرائيل. أنت تسأل لماذا يقلق السفير الأمريكي بخصوص شبكة الجيل الرابع (للفلسطينيين)؟ وبخصوص فتح جسر اللنبي أو المستشفيات في شرقي القدس؟ أنا أفعل ذلك لأنني أعتقد أنه الأمر الصحيح الذي يجب فعله، فهو يحافظ على حل الدولتين ويحافظ على أمن إسرائيل. لم أكن لأفعل أي شيء يتعلق بالفلسطينيين يحول إسرائيل إلى دولة أقل أمناً. وعملنا مع حكومة بينيت – لبيد على ذلك. وأفترض بأننا سنواصل فعل ذلك مع حكومة نتنياهو”.
في هذه الأثناء، قال إن الوضع على الأرض مقلق. إن تجدد موجة العمليات في إسرائيل إلى جانب رقم قياسي من الفلسطينيين الذين يقتلون في المواجهات مع الجيش تقلق الإدارة. يغضب نايدس من الادعاء بأن الإدارة الأمريكية لم تنتقد الحكومة السابق على التصعيد. “لم نخجل من عرض قلقنا من قتل أشخاص في الضفة أو في إسرائيل”، قال. وحسب قوله، فإن “هناك ارتفاعاً واضحاً في حالات القتل في الضفة الغربية. كما كان ارتفاعاً كبيراً أيضاً في حالات الموت في إسرائيل، كما نعرف، من العمليات الإرهابية. لا أقارن، بل أقول إن هناك ارتفاعاً في العنف على جانبي الخط الأخضر، ونحن قلقون من هذا العنف”.
تحدث السفير بانفعال عن عادة تعود عليها: الذهاب إلى كل عزاء يقيمونه لإسرائيلي قتل في عملية ويعيش داخل حدود الخط الأخضر. في إحدى الحالات، تجاوز البروتوكول وزار للمرة الأولى مستوطنة “نتافيم” في زيارة عزاء. “لم يكن هذا تصريحاً سياسياً”، سارع إلى التوضيح. وحسب قوله، “ذهبت حتى الآن إلى عزاء 23 – 24 إسرائيلياً. لا أصنع من ذلك أمراً كبيراً. هذا محزن. يبدو وكأنه الأمر الأصعب الذي فعلته في حياتي”. وأكد أن “هذه المأساة تؤثر على الجميع. هذا يؤثر على اليهود وعلى الطائفة الدرزية وعلى العرب الإسرائيليين ويؤثر على الفلسطينيين الذين يعيشون في الضفة الغربية وقطاع غزة”.
قبل شهر، أعلنت وزارة العدل الأمريكية عن بدء تحقيق الـ اف.بي.آي في قضية ظروف قتل الصحافية الفلسطينية – الأمريكية شيرين أبو عاقلة في جنين في أيار الماضي. خافت الحكومة من أن تطلب الولايات المتحدة التحقيق مع جنود كانوا متورطين في الحادثة. وأوضح وزير الدفاع بني غانتس بأن إسرائيل لن تتعاون مع هذه العملية. قال نايدس إنه تفاجأ من قرار أمريكا فتح تحقيق: “عرفت عن ذلك عندما عرفتم أنتم. ربما قبل بضع ساعات من ذلك”، وأوضح بأنه مغيب من كل ما يتعلق بالتحقيق، وأنه لا يعرف كيف سيتطور. “كما تعرف، وزارة العدل الأمريكية والـ اف.بي.آي يعملان بشكل مستقل عن البيت الأبيض ووزارة الخارجية”.
بعد سنة في هذا المنصب، هل أنت متفائل؟
“أنت تعرف أنك لا تستطيع أن تقوم بهذا العمل دون أن تكون متفائلاً، وإلا ستصاب بالاكتئاب. من الواضح أنني قلق. أنا شخص منطقي، ولست دبلوماسياً تقليدياً. وصلت إلى هنا للمرة الأولى عندما كان عمري 14 سنة، وهذا المكان يهمني”.
بقلم: يونتان ليس
هآرتس 18/12/2022