في مناطق السلطة الفلسطينية تنازع شرعيات مأزومة وحروب بالوكالة

حجم الخط
0

في مناطق السلطة الفلسطينية تنازع شرعيات مأزومة وحروب بالوكالة

د. ابراهيم أبراشفي مناطق السلطة الفلسطينية تنازع شرعيات مأزومة وحروب بالوكالة سواء سميناها مواجهات مسلحة أم اقتتالا داخليا أم مناوشات. الخ، وسواء عبرنا عن أسفنا أو خجلنا أو غضبنا أو تنديدنا لما يجري، فلن يغير كل ذلك من الواقع شيئا، والواقع يقول ان معادلة الصراع في فلسطين لم تعد هذه الأيام صراعا فلسطينيا في مواجهة احتلال اسرائيلي، بل صراعا علي السلطة بين من يفترض أن يكونوا في نفس الخندق، إنه صـــراع علي ما هو متاح من سلطة كمدخل ضروري حتي وان كان دمويا، للهيمنة علي مجمل (المشروع الوطني) كل طرف حسب تصوره ومفهومه للمشــــروع الوطني، ومؤكد عندما يوجـــد أكثر من مشروع وطني لنفس الشعب الخاضع للاحتلال، ولكل مشروع استراتيجيته ومؤسساته وامتداداته الخارجية، فلا يوجد مشروع وطني. ما تشهده مناطق السلطة وخصوصا قطاع غزة من أحداث هو تعبير صارخ ومكثف عن أزمة عميقة صاحبت مسيرة النظام السياسي الفلسطيني وهي اليوم في أوجها. النظام السياسي الفلسطيني ولد مأزوما أصلا مع منظمة التحرير ثم تعمقت أزمته مع ظهور حركة المقاومة الاسلامية حماس من خارج المنظمة وكبديل لها، الا أن المنعطف الأخطر في تطور الأزمة جاء من حيث كان يفترض أن يكون الخلاص وهي انتخابات يناير 2006، فمع الانتخابات ثم ما تلاها تحولت الأزمة الي مواجهة مكشوفة أخذت طابع الصراع علي السلطة وعلي ما بعدها. هذه المواجهة كانت متوقعة ومحتومة بعد فشل عشرات من جولات الحوار داخل الوطن وخارجه طوال السنين الماضية. اجراء الانتخابات قبل الاتفاق حول الثوابت والمرجعيات التي ستحكم عمل النظام السياسي ما بعد الانتخابات أدت لتعميق أزمة النظام، حيث أضيف للخلافات القديمة حول اعادة بناء منظمة التحرير والتسوية والمقاومة ومفهوم الثوابت الوطنية، قضية أكثر مدعاة للخلاف والصراع وهي السلطة، ودائما يكون الصراع علي السلطة في دول الجنوب أشد شراسة ودموية من أي صراعات سياسية أخري وأحيانا أكثر دموية وأقل أخلاقية من القتال ضد الاحتلال. لو كانت الأحداث الدامية التي تجري في مناطق السلطة تجري في أية دولة عربية أخري لكانت أحداثا عادية لأنها لن تخرج عن طبيعة الثقافة السياسية السائدة والمنطق الذي يحكم السلطة والصراع حولها في العالم العربي، الا أن خطورة ما يجري في مناطق السلطة أنها مواجهات بين قوي سياسية يُفترض أنها روافد لحركة تحرر وطني تواجه عدوا ما زال يحتل الأرض ويهدد الهوية الوطنية ويدنس المقدسات الدينية، الأمر الذي يُخرج هذه المواجهات عن كل منطق سياسي عقلاني، حيث خلقت هذه الأحداث لدي الرأي العام الخارجي صورة سلبية عن القضية والشعب الفلسطيني، صورة جبت الصورة المشرقة التي تختزنها ذاكرة العالم عن الشعب الفلسطيني كشعب البطولات والتضحيات وصاحب القضية العادلة التي حشدت من حولها ملايين البشر وتحت شعاراتها ورايتها سارت مظاهرات عارمة في غالبية عواصم ومدن العالم.بعيدا عن التبريرات التي يروجها كل طرف كسبب للخلاف وللفشل في تشكيل حكومة وحدة وطنية، واقصاء من التهم بالتخوين والتكفير التي أصبحت للأسف يتم التراشق بها بين حركة فتح وحركة حماس، وهي للأسف تسيء لكل الشعب حيث تجعل من نصف نخبته كفرة ومن النصف الآخر خونة، فان المشكلة في عمقها تدور حول مَن هو صاحب الشرعية وبالتالي من حقه صياغة الثوابت والمرجعيات الوطنية ومخاطبة العالم بهذه الصفة، أو بصيغة أخري، مَن هو الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني، فبعيدا عن الخطاب الغامض لحركة حماس حول الديمقراطية والمشاركة السياسية فان حركة حماس فسرت فوزها بالانتخابات التشريعية بأنه تفويض شعبي لها لتمثيل الشعب الفلسطيني وتطبيق برنامجها ليس فقط البرنامج الانتخابي بل ميثاق حركة حماس كصاحبة مشروع سياسي ديني متكامل مختلف عن المشروع الوطني لمنظمة التحرير ولحركة فتح. لقد بات واضحا أن الحكومة وحركة حماس تسعي لجب كل المرحلة الوطنية السابقة وتأسيس نظام جديد بمرجعية جديدة، فعندما تضفي الحركة علي نفسها صفة الحركة الربانية والحكومة بأنها حكومة ربانية، فهذا يعني القطع مع منظمة التحرير (العلمانية)، والعلمانية من وجهة نظر حركة حماس وكما يتم تثقيف قاعدتها الجماهيرية تعني الكفر، فكيف سيتحالف الربانيون مع (العلمانيين)؟ من جهة أخري لو كان الخلاف مجرد خلاف حول البرامج السياسية وعلي سلطة سيادية كما هو الحال في الدول التي تعيش مخاض الديمقراطية وتعرف تعددية سياسية وحزبية لهان الأمر، ولكنه خلاف وصراع دام تداخل فيه الموقف الوطني لكلا الطرفين مع أجندة خارجية متعارضة، فالقوي الخارجية توظف الفصائل السياسية الفلسطينية من خلال الدعم المالي والسلاح لخدمة مصالحها الخاصة، الأمر الذي جعل القوي الفلسطينية المتصارعة وكأنها تحارب بالوكالة عن قوي اقليمية ودولية. هذه الحرب بالوكالة والتي وقودها أبناء الشعب الفلسطيني لا تقتصر خطورتها علي الضحايا بل تهدد بمزيد من مصادرة القرار الوطني، فهذه المواجهات المسلحة المفتوحة بين حماس وفتح تحتاج لمزيد من المال والسلاح والوضع الاقتصادي الداخلي لا يستطيع تلبية هذه المطالب، وبالتالي يتزايد الاعتماد علي القوي الخارجية، ومن يتحكم بالتمويل المالي يتحكم بالقرار السياسي لأن علاقة القوي السياسية الفلسطينية مع الأطراف الخارجية لا تقوم علي الندية بل علي التبعية.لقد بات واضحا بأن المكونات الوطنية للنظام السياسي الفلسطيني باتت تعكس عجزا متواصلا عن تحمل المسؤولية الوطنية، وكل الحديث عن الشرعية التاريخية بالنسبة لحركة فتح والشرعية الدينية بالنسبة لحركة حماس أصبح حديثا ممجوجا ولا معني له، فلا التاريخ ولا الدين يمنحان شرعية وطنية سياسية، وحتي صناديق الانتخابات لم ولن تحسم مسألة الشرعية ان لم يسبقها التراضي والتوافق حول الثوابت الوطنية، فاللجوء المكثف للتاريخ والدين في المجال السياسي هو تعبير عن العجز عن ايجاد حلول واقعية لمشاكل الحاضر وهو تعبير عن عجز عن الخلق والابداع والانجاز. بالرغم من ذلك فما حك جلدك مثل ظفرك، فيجب الحذر من تسليم مفاتيح القضية لأطراف خارجية فهذه الأطراف حتي العربية والاسلامية ليست حريصة علي مصلحتنا وقضيتنا الوطنية، بل يمكن القول بان الأطراف الخارجية معنية باستمرار أزمة الحالة الفلسطينية بل وتغذيتها.وعليه وحيث أن القضية الوطنية أكبر من كل الأحزاب والقوي السياسية، وحيث أن الصراع مع اسرائيل ما زال طويلا، وحيث أن القتال هو بين مجموعات مسلحة فيما غالبية الشعب غير مشاركة وغير راغبة فيها، فان تجاوز الأزمة أمر ممكن بل وواجب وطني بالرغم من حالة الاستعصاء الراهنة، وهذا يتطلب تحركا فعالا ومنظما من القوي السياسية غير المشاركة بالمواجهات ومؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص، لدفع أولي الأمر للحسم من خلال التراضي والتوافق علي القضايا المتعلقة بالثوابت والمرجعيات وهي قضايا كان من المفترض أن يكون التوافق علي وثيقة الأسري قد حسمها، ولكن يبدو أن الحديث عن الاتفاق علي بنود وثيقة الأسري كان مجرد لغو. ان لم يتم حسم الخلاف عاجلا بالحوار الجاد فسيحسم الخلاف آجلا بمزيد من الــــدماء، فهل مزيد من الدماء أصبح أمرا ضروريا ومصلحة وطنية؟كاتب من فلسطين[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية