لندن ـ «القدس العربي»: شنت حركة حماس الفلسطينية هجوما مسلحا باسم «طوفان الأقصى» فجر 7 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، وقد تستمر لأيام، وذلك على مختلف جبهات شملت المستوطنات والداخل الإسرائيلي برا وجوا وبحرا، في عملية استثنائية للغاية، تبرز المستوى الاحترافي في التخطيط لحرب العصابات والتخطيط الاستخباراتي. كل هذا جعل إسرائيل في حالة ذهول حقيقي جراء هذه «الانتكاسة» قد ترد بقسوة، ولكن الانعكاسات السياسية للعملية ستكون كبيرة للغاية خاصة مسلسل التطبيع واستعادة الفلسطينيين زمام المبادرة.
وصرح رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو صباح الهجوم أن إسرائيل في حالة حرب ولم يقل التصريح الكلاسيكي بأن «إسرائيل تتعرض لعملية إرهابية» وهذا يبزر أساسا كيف جعل هذا الهجوم يغير من رؤية القيادة الإسرائيلية، إذ أن الحديث مباشرة عن الحرب هو اعتراف حقيقي بقوة الخصم وحجم الهجوم الهائل. وتتحدث الصحافة الإسرائيلية عن حجم الخسائر، غير أن القيادة الإسرائيلية تتستر على الخسائر الحقيقية كما فعلت في حرب تموز 2006 حتى مرت سنوات واعترفت بالخسائر الحقيقية.
وعلاقة بهذا، نهجت حركة حماس عامل «الصدمة» الخاطفة من خلال شن هجوم متعدد الجبهات وبقوة نارية لم تعهدها إسرائيل في الحروب مع العرب، ونسبيا في مواجهة حزب الله في حرب تموز سنة 2006. ولم تكن إسرائيل تنتظر هذه القوة النارية الهائلة من حركة مثل حماس. فقد أطلقت حماس خمسة آلاف صاروخ ذات مدى مختلف أنهكت وأربكت بها نظام الدفاع الجوي-الصاروخي «القبة الحديدية» بعدما استهدفت كل المدن ومنها تل أبيب. ودفعت بعشرات الكوماندوهات من قوات النخبة لاقتحام الحدود والسيطرة على بعض المستوطنات في العمق الإسرائيلي، ما جعل القوات الإسرائيلية تعاني من عدم التركيز. هذا الهجوم النوعي يبرز ما يلي:
أولا، فشل الموساد الإسرائيلي وهيئات استخباراتية أخرى في معرفة هذا المخطط الهجومي رغم أنه مخطط بمثابة إعلان حرب. ويحصل في وقت تراقب فيه الأجهزة الاستخباراتية كل متر مربع من قطاع غزة. كما فشلت برامج المراقبة والتجسس مثل بيغاسوس الذي باعته للدول العربية في رصد المخطط. وكان عنوان جريدة «معاريف» ظهر السبت الإسرائيلي «الجيش الإسرائيلي لم يقم بمهمته» وذلك في نقد شديد للقيادة العسكرية والاستخبارات. إذ لا يتعلق الأمر بـ «الاخفاق» بل «بنكسة بحروف كبيرة بلون لافت».
إذ لا يتعــلق الأمر بـ «الاخــفـاق» بل «بنكــسة بحــروف كبـيرة بلون لافت».
ثانيا، بعض العمليات النوعية في عالم الكوماندوهات هي في الواقع تعادل أو تتفوق على ما تقوم به قوات نايفي سيل الأمريكية أو ساس البريطانية أو سبيستناس الروسية نظرا للفارق في المعدات. ومن أبرز ما قام به مقاتلو حماس هو التنسيق المبهر والعالي لا تتوفر عليه سوى جيوش محترفة. في هذا الصدد راهنوا على تقنية الهجوم بالمظليين غير العاديين وهي أشرعة بمحركات، الذين نجحوا في اختراق الحدود والسياجات وتدمير مدرعات ودبابات وفتح الطريق لباقي القوات الأخرى للتقدم برا نحو المستوطنات. بالموازاة مع ذلك كانت الصواريخ تستهدف نقط الجيش الإسرائيلي في حين كانت الطائرات المسيرة تحاصرهم وتدمر معداتهم. وبدون شك، ستخضع هذه الهجمات لدراسة دقيقة من طرف مختلف الجيوش المتقدمة لأن المستوى الاحترافي للعملية مذهل. وعمليا، يتساءل عدد من المحللين العسكريين في بعض المنتديات العسكرية ساعات بعد تنفيذ الهجوم «كيف اكتسبت حماس هذا المستوى من التدريب وهي محاصرة «منذ سنوات طويلة».
ثالثا، نجاح عملية التخطيط العسكري بشكل ملفت يتجلى في النتائج المترتبة عنها مباشرة بعد التنفيذ وهي مقتل وأسر عشرات الجنود الإسرائيليين والمستوطنين والسيطرة على عدد من المستوطنات، ويعني السيطرة على الأرض، ما يعتبر منعطفا في تاريخ المواجهة بين الفلسطينيين والإسرائيليين. إذ أصبح لدى الفلسطينيين أسرى إسرائيليين سيوظفهم في المفاوضات من أجل الأسرى بل وسيزيد من صعوبة هجمات إسرائيلية ضد الفلسطينيين.
ثانيا، بعض العمليات النوعية في عالم الكوماندوهات هي في الواقع تعادل أو تتفوق على ما تقوم به قوات نايفي سيل الأمريكية أو ساس البريطانية أو سبيستناس الروسية نظرا للفارق في المعدات. ومن أبرز هذه الهجمات، هجمات لفريق من المظليين، الذين نجحوا في اختراق الحدود والسياجات وتدمير مدرعات ودبابات وفتح الطريق لباقي القوات الأخرى للتقدم برا نحو المستوطنات. وبدون شك، ستخضع هذه الهجمات لدراسة دقيقة من طرف مختلف الجيوش المتقدمة. وعمليا، يتساءل عدد من المحللين العسكريين في بعض المنتديات العسكرية ساعات بعد تنفيذ الهجوم «كيف اكتسبت حماس هذا المستوى من التدريب وهي محاصرة؟».
أسر جنود إسرائيليين ومستوطنين
ثالثا، نجاح عملية التخطيط العسكري بشكل ملفت يتجلى في النتائج المترتبة عنها مباشرة بعد التنفيذ وهي أسر جنود إسرائيليين والمستوطنين والسيطرة على عدد من المستوطنات، ويعني السيطرة على الأرض، ما يعتبر منعطفا في تاريخ المواجهة بين الفلسطينيين والإسرائيليين. إذ أصبح لدى الفلسطينيين أسرى إسرائيليين ستوظفهم في المفاوضات من أجل الأسرى بل وسيعقد من هجمات إسرائيلية ضد الفلسطينيين.
رابعا، هذا الهجوم يبرز التطور النوعي في عمل المقاومة الفلسطينية عبر السنوات من قذائف بسيطة إلى صواريخ شبه دقيقة تغطي جزءا من إسرائيل وتقتحم الحدود، وعليه، كيف سيكون مستوى المقاتلين مستقبلا؟
خامسا، يتزامن هذا الهجوم في وقت تعيش فيه إسرائيل انقساما بسبب سياسة التطرف لحكومة بنيامين نتنياهو، لكن يبقى الأساسي هو أن إسرائيل أصبحت منبوذة في المنتظم الدولي بسبب هذه السياسة المتطرفة. ومن شأن هذا التطور أن يقوم بفرملة عمليات التطبيع لبعض الأنظمة العربية مع إسرائيل، ولعل السؤال العريض الآن هو: إسرائيل التي تعهدت بمساعدة بعض الدول العربية تفشل في حماية أمنها القومي.
سادسا، هذه المواجهة النوعية تدفع بالتفكير كيف ستكون الحرب في مواجهة إسرائيل لحزب الله إذا وقعت مواجهة بين الطرفين، لاسيما وأن حزب الله يتوفر على مئات الكوماندوهات ومئات الآلاف من الصواريخ.
في غضون ذلك، يشكل الهجوم طفرة نوعية سياسية وعسكرية، تجعل الفلسطينيين ينتقلون إلى مستوى أعلى من المقاومة ضد المستعمر شبيهة بما جرى في بعض الدول التي كانت تحت الاستعمار وراهنت على لغة السلاح بدل المفاوضات المتعددة الأطراف التي تضيع فيها القضية.
هذا الهجوم سيجعل الفلسطينيين يستعيدون زمــام الحل الفلسطيني من يد بعض الأنظــمـة العربية، وسيدفع الغرب إلى إقناع إســرائيل بــأن حل الدولتين قد حــان إذا رغبت في الحفاظ على أمنها القومي. وأصبح يوم 7 تشــرين الأول/أكتوبر يوما مميزا في الصــراع في الشرق الأوسـط، إذ سيتذكره الإسـرائيلـيــون بمثابة «يوم النكسة» الذي لم ينفع فيه بيغاسوس.