مواطن مقدسي يسجل موقفا تاريخيا في مواجهة سياسات تهجير منازل المقدسيين ويهدد بتفجير نفسه

سعيد أبو معلا
حجم الخط
2

القدس المحتلة ـ «القدس العربي»: سجل مواطن مقدسي موقفا متقدما في مواجهة سياسات الحكومة الإسرائيلية وبلدية الاحتلال في القدس، عندما قرر هو وأفراد عائلته الصعود إلى سطح منزلهم المهدد بالمصادرة محمّلا بأسطوانات الغاز وعبوات البنزين، وهدد بحرق منزله بمن فيه في حال اقتربت جرافات الاحتلال منه.
وتعتبر خطوة المواطن محمود صالحية حالة من رفع سقف المواجهة مع الاحتلال، وخطوة متقدمة في رفض ومواجهة سياسات الإخلاء التي تنفذها قوات الاحتلال في المدينة على قدم وساق.
ويعتبر ما قام به صالحية ابتكارا وفعلا جديدين في التعاطي مع سياسات الاحتلال في ظل أن المقدسي يواجه سياسات التطهير العرقي وحيدا.
وحتى ساعة كتابة هذا التقرير كانت العائلة لا تزال تتحصن بسقف منزلها الذي يقع في منطقة مربع تكثر فيه الفنادق والمؤسسات الدولية في حي الشيخ جراح.
وما أثار غضب العائلة المكونة من 12 شخصًا، بينهم 5 أطفال، ودفعها إلى هذا الموقف البطولي أنها تنتظر جلسة للمحكمة الإسرائيلية بتاريخ 23 يناير/ كانون الثاني الجاري حيث من المنتظر اصدار قرار بأمر الإخلاء.
ويقع منزل عائلة صالحية على بعد أمتار من فندق «شبرد» الذي بنيت على أنقاضه 28 وحدة استيطانية بعد هدمه في عام 2011، ويجرى العمل على زيادة عدد الوحدات الاستيطانية، وتحويل أرض قصر المفتي إلى كنيس بناء على مخطط للجمعية الاستيطانية «عطيرت كوهنيم» وتحويل باقي الدونمات إلى حديقة عامة ومدارس.

وحدات قتالية

وتحدث صاحب المنزل محمود صالحية من على سطح منزله وهو يحاول التقاط أنفاسه حيث كان البيت لا يزال محاصرا بقوات معززة من وحدات اليمام واليسام، وهي وحدات قتالية لا يتم إحضارها إلا في حالة المواجهات الكبيرة.
وقال صالحية: «المحكمة الإسرائيلية لم تمنحنا وقتا لتنفيذ حكم الإخلاء، يريدون أن ينفذوا القرار بالقوة، فيما قرار العائلة رفض ذلك، وأنا أقول إما بموت فيه (البيت) أو بعيش فيه». وتابع بحرقة وغضب: «لقد جرفوا المشتل الزراعي بعد أن قاموا بعملية تفريغه وتكسيره، الجرافات تعمل فيه تدميرا، وأنا أراهم من حيث أقف هنا على سطح المنزل».
وحاصر مئات من أفراد الشرطة الإسرائيلية والجنود البيت من جميع الجهات، فيما هرعت وسائل الإعلام ونشطاء وقناصل لدول أوروبية الى مكان المنزل.
وأكد صالحية: «أنا لا أؤمن بمحكمة الاحتلال، وخروجنا من المنزل بسهولة يعني أن تفرغ البلد بسهولة، وأنا مستعد للموت، الخروج من البيت بسهولة مرفوض، وسأكون أول من يبدأ هذا النوع من المواجهة».
وتابع بعصبية وحرقة: «سأفضح دولة إسرائيل النازية، هم نازيون وبدهم يطهروا البلد، وإذا كل واحد بدو يطلع من داره (منزله) بسهولة سيتم تفريغ البلد بسهولة وتبقى القدس للمستوطنين». وأضاف: «لقد تهجرت عائلتي من مناطق فلسطين 48 وتحديدا من قرية «عين كاحل» وقتها لجأنا للشيخ جراح والآن تبعنا الاحتلال هنا، يريدون أن يخرجونا من أراضينا».
وشدد على أن الاحتلال يريد تطهير القدس، القدس تغرق بالاستيطان ولاحقا سيصل الدور للضفة الغربية، وعلى الجميع أن يفيق». وتابع: «بفكروا أن كل الناس جوعانين مصاري (نقود) لو كنا كذلك لأصبحنا أثرياء منذ زمن، كرامتنا أهم من كل المصاري». وأظهر مقطع فيديو محمود وهو يعتلي سطح المنزل مع وجود اسطوانات غاز يهدد بتفجيرها، قائلًا: «اللي بطلع من الدار خاين، يا بموت يا بعيش، ولن أخرج من المنزل».
ولا يمكن النظر فيما فعله المواطن المقدسي إلا على أنه محاولة أخيرة لتحويل جسده فعلا مقاوما في مواجهة كم هائل من سياسات التطهير العرقي والمحاصرة التي يشعر المقدسيون أنهم يواجهونها فرادى. محافظ القدس عدنان غيث قال في تصريحات لـ«القدس العربي» إن «المواطن المقدسي يتعرض لأعباء هائلة لا تتحملها الجبال، وما فعله صالحية دليل على أن المواطن لن يعدم الوسيلة حتى لو حوّل جسده أداة للدفاع عن منزله».
وتابع غيث: «رسالة المقدسي اليوم أنه إذا خيرت بين الخروج من منزلي وبين الموت سأختار الموت، وليتفرج العالم على ما يجري بحق المقدسيين».

تصعيد المقاومة الشعبية بالتهديد بالحرق

واعتبر أن ما فعله صالحية هو نموذج مشرف يسطره المقدسي، وهو رسالة واضحة بأن الضغط والحصار الممارس في القدس سيصل لنقطة الانفجار وإسرائيل تتحمل هذه النتيجة، وما جرى هو مظهر من مظاهر أو مؤشر على هذا الانفجار.
وشدد على ان القدس تنتهك لحظيا، وما جرى دليل على حجم الخطر الذي يتعرض له المقدسيون الذين ملوا من الصمت الدولي والعربي الذي يرقى لأن يكون شراكة مع ممارسات الاحتلال.
وأكد غيث أن ردات المقدسيين ليست كلها بالمقدار نفسه ولا بالطريقة نفسها، لكن الثابت أنه كلما زاد الضغط فإن تداعياته ستزداد، وهذا مؤشر خطير، والملاحظ أنه ومنذ بداية العام الحالي تتضاعف الاستهدافات والإجراءات الاحتلالية في القدس.
وطالب غيث بمزيد من الفعل وأن يكون التعامل مع الاحتلال بلغة المصالح وليس ببيانات الشجب والإدانة، فالاحتلال لديه مصالح مع العالم الذي عليه أن يقوم بالتعاطي معها في ظل الإجراءات في المدينة المقدسة.
وأكد مستشار ديوان الرئاسة أحمد الرويضي، أن القيادة الفلسطينية تجري اتصالات حثيثة مع الأطراف الدولية من أجل توفير الحماية لأهالي الشيخ جراح بمدينة القدس المحتلة. وأضاف في تصريحات صحافية أن جنود الاحتلال الإسرائيلي الذين يحاصرون منزل عائلة الصالحية في حي الشيخ جراح، تمهيداً لإخلائه وهدمه اعتدوا على كافة المقدسيين والمتضامين الأجانب بمحيط المنزل، فيما قاموا بطرد الصحافيين من المكان.

ودعا الرويضي قناصل الدول الأجنبية والبعثات الدبلوماسية بمدينة القدس لمساندة أهالي القدس، وأن يكونوا شهوداً على جرائم الاحتلال بحق المدينة المقدسة.
ولفت إلى أن منزل الصالحية هو أحد منازل حي الشيخ جراح، وأحد المنازل الـ28 المهددة بالتهجير القسري، من أجل تنفيذ مشاريع استيطانية، كما أن محاولات تهجير أهالي هذا المنزل وهدمه، تأتي كخطوة للاستيلاء على باقي العقارات في الحي.
وطالب الرويضي المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية بفتح تحقيق فوري بالاستيطان، خاصة أن هذا الملف موجود على طاولته، كما دعا الأمتين العربية والإسلامية لمساندة المقدسيين، وتوفير كافة مقومات الصمود لهم، خاصة أن تهجير العائلات من الشيخ جراح هو تهديد حقيقي للمسجد الأقصى المبارك.

توفير الحماية الدولية

وتابع: «نطالب بتوفير الحماية الدولية العاجلة لأهلنا في القدس الذين يمارس بحقهم التطهير العرقي، وما يحدث في القدس والشيخ جراح يرتقي لجريمة حرب، جرّمتها اتفاقية روما وكافة المواثيق الدولية، فنحن أمام عائلة فلسطينية تقيم في منزلها منذ 50 عاماً وعلى أرضها ويتم طردها من أجل تنفيذ مشاريع استيطانية، وهذا يؤكد أن ما يحصل جريمة بحق أهالي القدس».
أما ممثل الاتحاد الأوربي فقال إن عمليات الإخلاء والهدم غير قانونية بموجب القانون الدولي. وأضاف خلال وجوده وعدد من ممثلي الدول الأعضاء والدول ذات التفكير المماثل في حي الشيخ جراح أثناء إخلاء سلطات الاحتلال عائلة الصالحية من منزلهم، أن هذه العمليات تعيق بشكل كبير آفاق السلام وتؤجج التوترات على الأرض.
وتواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي وآلياتها منذ صباح امس الاثنين، حصارها لمنزل عائلة صالحية في الشيخ جراح شرق القدس المحتلة لإجبارها على إخلائه تمهيدًا لهدمه والسيطرة على الأرض المحيطة به. يذكر أن شبح التهجير في حي الشيخ جراح في القدس المحتلة الذي تقاومه عائلة صالحية، يهدد أيضا أكثر 500 مقدسي، يقطنون في 28 منزلا شيدت في العام 1956، باتفاق مع وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» وعقدت اتفاقيات فردية مع الأهالي لإقامة مساكن لهم في الحي، وتعهدت بموجب الاتفاقيات أن يتم تفويض ملكية الوحدات السكنية وتسجيلها بأسمائهم.
أما الأرض المنوي الاستيلاء عليها من قبل سلطات الاحتلال فتبلغ مساحتها ستة دونمات اشتراها والد صالحية عام 1967، وبنى عليها منزلين، وتقع بالقرب من أرض كرم المفتي التي جرى مصادرتها لإقامة «حديقة توراتية» تخدم المستوطنين.
ومن الجدير بالذكر ان استخدام النيران والتهديد بالحرق تعتبر أحد أساليب المقاومة التي ابتدعها الفلسطينيون في مواجهة الاحتلال والاستعمار لأراضيهم ولإرباك جنوده في مواقع التماس لكنها في تلك الفترة لم تكن ترتبط بالاستعداد لإحراق النفس والعائلة كحالة دفاعية عن الذات.
وفي مقابل ما قام به صالحية أجبرت سلطات الاحتلال الإسرائيلي أمس الاثنين، مقدسيًّا على استكمال هدم محله التجاري، الذي كان قد بدأ هدمه مطلع الشهر الجاري في حي الشيخ جراح شرق القدس المحتلة. وأجبرت طواقم بلدية الاحتلال المقدسي جمال أبو نجمة على استكمال هدم متجره في الشيخ جراح، بحجة البناء دون ترخيص، وإلا ستفرض عليه غرامة باهظة.
وقال أبو نجمة، إنه عانى من قرارات الاحتلال منذ نحو 30 عاماً، وحاول مراراً وتكراراً وقف قرار الهدم بحق محله، إلا أن بلدية الاحتلال وضعت أمامه خيارين، إمّا الهدم القسري، أو الهدم بواسطة آلياتها مقابل دفع كافة التكاليف المترتبة على ذلك.
وتابع: «عقب هدم محله قسرا، واصلت شرطة الاحتلال مُلاحقته على مدار الأيام الثلاثة الماضية، من أجل استكمال الهدم.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية