في نص عيون محطمة لحسن ملهبي: ثمة بداخلـه لا شيء!
عبد الله كرمونفي نص عيون محطمة لحسن ملهبي: ثمة بداخلـه لا شيء!كنت أكتب عن دي لاسيرنا في الليل فجأة لمعت في رأسي أشياء، وقمت إلي دولاب أخرج منه أوراقا هي مجرد انطولوجيا شخصية أعددتها منذ سنوات لشعراء أحبهم وأعتبرهم من يمثلون جمال اللحظة الشعرية الآن.ثمة موسيقي صينية ترافقني في نزولي إلي جحيم ما وغير ذلك من جعة ونبيذ. العزلة محتمة وبعض الصمت وحتي ضجيجا لا يعنيني هو صمت خاص لي ومن أجلي أو رضوخا للسيد دانيلو كيش إن أردنا ـ إذ الذي يكتب عليه أن يكون وحيدا لا ثمة قيود تشغله ولا التزامات علائقية معقدة.الذي استشاط فورة في ذهني هو ما يماثل تلك القوة الكامنة في نص جميل لحسن ملهبي هو عيون محطمة . ظهر، إن كنت أذكر جيدا ضمن خراطيش الغارة الشعرية منذ سنوات، وإن كنت قد نسخته مباشرة من مسوداته آنذاك.صحيح أن تجربة حسن ملهبي ظلت تصعد سلالم خاصة وتفرد ما قد يكون جناحا لطيران وجنون. غير أن هذا النص، وإن كان قديما فإنه يوحي بكثير من الانشغال الفلسفي العميق لدي ملهبي. وظل مشروعه في تصاعد خلاق.العيون المحطمة أو عيون محطمة بهذه النكرة الدالة هي عيون الله التي تقذفنا بقدرها وتصنع من مصائرنا ما تريد. اعرف أن المسألة ليست هينة بهذه الدرجة.الله إذن علي كرسي هزاز وأنت مرئي شفاف، يقدر من بين امكاناته الواسعة أن يسلط عليك نظراته وعقابه الأكيد. لكن ملهبي هنا مثله مثل الله، يحملان كلاهما مسقاة ويسقيان أزهار الشر في غيبة بودلير، غير أن لكل منهما فكرته الخاصة عن الشر وضرورات ربيعه، علي شكل أزهار أو أغصان. أزهار الشر لا تذبل والعالم لن ينهار كجليد.هل معني ذلك فقط أن الشاعر يكذب دون أن تكون له أدني مصاهرة بالأصمعي؟أم في الحقيقة لأنه: لم تكن هناك سلالملم يكن أحد علي الإطلاق حتي الجروح العارية لم يسترها الألمو المرأة: ليست هي .ربما يمكن أن يكون ذلك ما يحدث بالضبط، إذا عدنا أمام الغرفة، ورأيناه مثل بطل قلق، يقف حاملا أزهارا يزعم أنها نبتت هكذا من أصابعه، ولأنها من أجلها، قد تنبت إذن من لحمه ودمه، ويكون من نصيبه موت عصافير أو تكون له عصافير ميتة .ثمة إذن إيماء إلي متاهات كومبروفيتش وكثير من الحزن، إذ ذهب من أجله أصدقاء كثيرون، لربما إلي القصيّ أو إلي النفي أو إلي انحدار سحيق، ولكنهم ذهبوا كلهم من أجله إلي الماوراء ـ شيء، دون أن يعني ذلك انتهاءهم واستحالة عودتهم وظهورهم ثانية أمام عيون الله المحطمة. في الداخل امرأة وفي الفضاء الرحب يوجد الله، في الشرفة، والمرأة ترقد في الغرفة: في الغرفة ترقد امرأة ملأت بدمها فميو في الشرفةكان الله علي كرسي هزازيتطلع إلينا بعيون محطمة … ماذا يمكن إذن أن يحدث كي ينصف الشاعر أو يأخذ من له حق دية الدم المسفوك والذي يملأ فمه، دون أن يكون سوي ربما تلك الأكاذيب الخاصة أو عدم ارتياح خاص بخصوص تعقيدات الحب والجنس وأوهام المرأة التي لم تقرأ ثمة أدبيات بهذا الشأن، ولم تعرف شيئا عن تاريخ الإثنولوجيا ولا عن حدائق مالينوفسكي وسحرها المسموم.لكن الشاعر يكذب، غير أن ذلك ليس سوي حقيقة أولي. فثمة حقائق كثيرة وعلي الذي يرغب في التحري أن يبحث في مكان آخر عن أسرار الوجود.في الواقع ليس من السهل تحمل عدم وجود سلالم، وإلا كيف يمكننا أن نرتفع في الزمن وفي المكان. ثمة إذن أشياء يخفيها الشاعر من أجل صباح ينكره لأنه ليس ثمة من صباح لليل يدوم طويلا ويصبح النهار نفسه ليلا أكثر ظلمة وقساوة، كل الأسرار التي يمكن أن يدخرها الشاعر يستهين بها. فما الذي يمكن أن نقدم لصباح معطل: إذ في الصباح (أي صباح؟)أرمي ما أدخرت من أسرارفي مجري قذر .أشياء خطيرة نسي الشاعر أن يكتبها وسعي إلي انمحاء المرأة، تلك المرأة، من نفسه، وكانت تلك هي القصيدة التي لم يكتبها بعد.لكنه يكذب.يخشي أن يفضحه ما في الدولاب. وتخيل موتي قد رشقهم أو رشق ظلالهم برصاص فماتوا وخلفوا ظلالهم التي تلاحقه وتري بعد موتهم أن ما كان يخشاه ما يزال هنا، إذ أن ظلالهم: ما زالت هناكتري أن بداخلي لا شيء …هل أساس الفعل الشعري، وما تتباهي به ركامات الكتب الجامعية، ليس سوي شيء دون ما صاغ حسن ملهبي في جملة كالتالي: أنا أكـــذب …عيون الله المحطمة أدعي إلي كذب آخر لأنها أيضا ذلك القدر الميتافيزيقي الذي يرمي الفرد المعزول من حيث لا يدري بكوارث عليا وأمواج.هذه العيون المحطمة ستجعلني أكذب أنا أيضا إن ادعيت بعد لحظات أني أدرك كيفية حطامها وكيف تبدو لي العيون في تحطم فيزيقي. إذ لربما تكون النظرة محطمة أو تكون عوامل خراب خارجية كالأرق ما يدفعها إلي حطامها أو إفراغ زجاجة جاك دانييل عن آخرها. البلاغة قد تنقذنا من ضياع وتكون كناية عن اهتزاز ولا توازن سليمين في النظر والحكم بشقاء أو سعادة الإنسان علي الأرض في اقتراب آخر من أعز موضوعات الميتافيزيقا إلي فلاسفة اليونان.الشاعر يكذب لأنه يخاف.لأنه يخشي تسلط كائناته التي أوجد فقتلها كي يهدأ خوفه ويستريح. لكن هؤلاء الموتي كانوا قد سبقوا إلي هنا فقتلهم كي تمتد سلامة حميمية ويصمد كذبه، إذ شق عليه شيء جدير بالتألم: خفت أن يروا أن بداخلي لا شيء .الموتي في الدولاب والشاعر يخاف أن يقتادوه إن لمسوا أنه في الداخل قاس وحزين، لأنهم ليسوا أمواتاً فقط، لأن بردا صلبا سكن أرواحهم إذ تسلل إليهم بطعنة القتل. الشاعر أيضا ميت أمام عيون الله المحطمة ولكنه مختلف، إذ يكذب كي لا ينفضح أمام من يري، لذلك تخلص من الذين في الدولاب كي يستمر في حياة شاحبة.الدولاب من أعز الأشياء التي تتــــردد في قصائد حسن ملهبي. في الدولاب استيهامات غامضة، شيء خافت وأسرار فظيعة. أذكر أن سروالا كان يمارس العادة السرية داخل دولاب إحدي قصائده، وأشياء أخري كثيرة.فهو يتحدث دائما عن دواليب وأعتقد أنه لا يملك ثمة أي دولاب في غرفته، وأنه لا يرغب فيه من أجل أن تكون له دواليب كثيرة في كل مكان، يخبئ فيها ما يخشاه وما يشي بفضائح خاصة واحتمال خسارات.الدولاب حالك وغير بريء والموتي قُتلوا بلا عمد. غير أن ظلالهم تشهد علي ما بداخله أي أن بداخله لا شيء. و تتأكد قدرة العيون المحطمة علي رؤية إعجازية، تركبها أشلاء الحطام من الضوء والرؤية كي تعري الشاعر وتعيده إلي أزمنة الأسطورة وإن كان الحاضر نفسه أشد قسوة وأساطيره أكثر إيلاما من مجرد أساطير الماضي الخرافية، لأنها أكثر واقعية والألم فيها والعقاب واقعتين فيزيائيتين لا مرد لجحيمهما ولا مفر منه ولو بدعاوي اختلاق خيال.دائما أمام الغرفة الوجودية، دائما تلك الغرفة التي تحدث فيها أشياء حزينة أو التي تنساب فيها الحياة لأنها سلسلة من دواعي القلق والتأمل الأسودين.المرأة والأزهار والدم والله، كلها محاولات لقتل الوقت والنظر في أشياء أهم قد تأتي وقد تغيب طويلا. هذا العالم يلزمه إذن كرسي هزاز كي تتحول عنا قليلا العيون المحطمة ويرصد من أجلنا بعض سلام.لكن الأزهار. أية أزهار؟ الأزهار نفسها-يقول ملهبي-عادت وكسرت قفل الباب .الأزهار التي حمل وهو يقف أمام الغرفة، الأزهار التي قد نبتت من أصابعه أي من رغبته في عطاء وتمسكه بجمال تبادل ما. عادت أي مثل اعتراف بشيء أو بنكران. وتحولت بالتالي إلي أشواك وإلي من يكسر قفلا غير موجود أصلا أي إلي من يداهم من لم يكن في استعداد إلي أي شيء: من هو بهذا المعني أعزل. الباب لم يكن له أبدا قفل ولأنها: أزهار لها يد لص (…) و لأن لها علاقة بأصابع ملهبي إذ هي التي أنجبتها، هذه الأزهار هي مجرد أحاسيس غير قابلة لتصديق، هي خيانة تحاول أن تضع قناع الحب وتعود لتسرق أشياء أخري أو تحاول أن تفسد ما كانت قد جيء بها من أجله وإن كان الله حاضرا ينظر وكانت المرأة تأخذ المسقاة من يد الشاعر وهما يرويان تيجان الشر بإيعاز من الله الذي كان ينظر بعيون محطمة لأنه لا يغفر أشياء تتجاوز مرونة اهتزاز كرسيه، ولأنه في الشرفة وليس في الغرفة فهو غير راض عن إنزاله من ملكوته وكونه يرقب كل شيء.الشاعر يكذب إذن ويضع للأزهار يدين ربما يديه ويمنح لها، عوض ما كانت ترمز إليه، صفة اللصوصية. الشاعر إذن لص، لأن الأزهار أزهاره، ولأن اليدين يداه، فلماذا يكسر قفلا غير موجود، وهل كي يخرج إلي فضاء بلاغة رحبة في تحقق استحالاتها؟ لربما.فهو الذي نسي أن يسجل أشياء خطيرة، مثلما يقول: نسيت أيضا أن أكتب أشياء خطيرة.تركت الورقة في المرحاض .النسيان هو أيضا سليل الكذب، فقد نكذب دون أن ننسي وقد ننسي أنا كذبنا، غير أن الأهم في الأمر هو تلك الاستهانة بالمواضعات وبما قد يأخذه آخرون مأخذ الجد، الورقة مثلا نُسيت في المرحاض. لا معني لأن نقدس إذن فعل الكتابة لأنها مجرد كذب قابل لنسيان، إذن ما الذي يمكن أن نفعله بالأشياء الخطيرة التي يمكن أن نكتبها، نكتبها دون أن نعلي من شأنها، دون أن تكون بالفعل خطيرة فقط لأنها تافهة مثل الوجود بأكمله، مثل كذب غير مغتفر، مثل حياة مرصوفة عبثا أمام شرفة الله وتحت إجهاز العيون المحطمة، التي قد تحطم كل شيء بعد ذلك مثل هذه الحياة التي تنقذنا من فعل القتل والنسيان، دون أن تمنح إمكانية إخفاء أن بدواخلنا جميعا لا يوجد سوي لا شيء!ما الذي يرغب إذن حسن ملهبي أن يحطمه فينا وفي نفسه؟لربما ذلك اليقين بأمان وبأن حتي أيما وعود بصدق غير ذات بال. أشياء كثيرة بهذا المعني قابلة لمعاودة وتحطيم آخر. حتي العيون المحطمة ما دامت عيونا قادرة يلزم تحطيمها من جديد حتي لا يصل إلينا حطامها وداؤها الميتافيزيقي.المرأة إذن هي نفسها ليست سوي كائن دموي غير قابل لاستعادة صوفية حتي يبرأ أذاها الأولي، وتصير قابلة للحب أكثر منه للدسيسة وإنبات أزهار ما ينقلب في آخر الأمر إلي كوارث ذات طبائع اختلال.الغرفة نفسها غير ذات استئناس لسكن واستقرار ما دامت تؤوي دولابا غير مأهول بأقمشة وإنما بأشباح وأنصاف أحياء، من يذهب سدي ويتخطي عتبة الحياة لسبب أو لآخر، من أجل تلافي شهادة قاتلة. كثير من الأشياء إذن تعلن تعلة انتهاء وخفوت حياة.الحزن إذن ما يطبع العيون المحطمة ولربما الحزن نفسه هو ما حطمها من أولها إلي آخرها. أشياء أخري تنضاف مثل الخيانة والغدر وأسباب أخري غير معقولة للموت أو للحياة الميتة .القصيدة بهذا المعني محطمة إن لم أقل شذراتية إذ تمضي في أكثر من سياق وتبحث أكثر عن إرضاء خاص لجنون غاف ثمة في لا وعي الشاعر. ليس الكذب وحده ما يهم ولا تلك المطرقة الخاصة بإتيان حطام قادر علي إبطال قدرة حركية ما.أشياء غير بعيدة عن تحولات ومسوخ تحدث هنا. ثمة أشياء تصير أشخاصا وأشخاص يتحولون إلي أشياء، كذلك بعض تناوب بين أفعال خطيرة وأخري غير ذات معني أو جدوي. ذلك ما يشير إلي فوضي العالم وخبط الحواس في لجج من الأصول الفلسفية في وضع المعني أو في نفيه. لا نؤمن كثيرا بما توصل إليه برغسون، غير أنا نري في نظرياته انعكاسا تاريخيا لأشياء لم يستطع أن يتكهن بها هو نفسه وهو يلقي محاضراته في السان ميشال.حسن ملهبي نفسه يكذب وهو يفكر في البلاغة والفلسفة، أشياء أخري أكبر وأثقل من كل هذا، هي أدعي لذهاب أكيد لصيدها وطرح منغصاتها جنبا كي تستمر الحياة ويسقط تباهي من يتباهي بسلطة النقد أو الفهم أو الذوق الفني.يؤسس إذن حسن ملهبي لتلاطمات روحه عن الفن والمرأة والعلائق المرتبطة بأخلاق الخيانة والمكر. يوحي لنا بأسباب أخري أجمل وأفظع لأن يعيش المرء ويستمر في الكذب والحياة لأنهما صنوان.يمضي الشاعر وفي ذاكرته هذه العيون المحطمة التي تشكل ما لا يمكن إتيانه علي الأرض، هذا الرقيب والمنغص الأساسي لثروة الحياة.قد يمكن أن نتلقي العالم أفضل وإن كانت الشرفة غير بعيدة عن الغرفة حيث ثمة رغبات وهناك حيث العيون تحرمنا من مسقاة نحملها ونروي بها فضولنا إلي عري وجمال. عيون محطمة نص جميل، مع امتلائه بأنفاس من يكذب ويحب بدماء في الفم وغرف مغلقة بإيهام وأقفال وهمية ووعود.كأنه لا يهمس إلا بما يقول في منتصف المسافة بين الليل والنهار وهو يكتب: أنا أكذبلكن ما جدويأن يهرب الليلفي الثانية صباحا قبل أن تتهدم أعصابنا .أجمل سؤال شعري فظيع! شاعر من المغرب0