النظرة الرسمية العربية لحزب الله انطلقت من نفس الأسس التي جري التعامل بها مع المقاومة الفلسطينيةيخطئ من يظن عدم اجراء الحزب وقفة سياسية وعسكرية قبل قيامه بعمليته او عدم توقعه رد الفعل الاسرائيلي
د. فايز رشيدہ كان ملاحظاً بعد العملية البطولية التي نفذها حزب الله بأسر الجنديين الصهيونيين، وردود الفعل الاسرائيلية التي تتمثل في تدمير لبنان بنية تحتية وترويعاً لمواطنيه… ازدياد حدة الأصوات التي تحمل الحزب مسؤولية ما يحدث واتساع قاعدتها عرضياً، ان علي مستوي بعض الأطراف اللبنانية والعربية الرسمية، والأخري التي تدعي تمثيلها لفئات شعبية، اضافة الي بعض الأقلام في الصحافة، أو خلال مداخلات علي الفضائيات العربية… فمرة من خلال تسمية العملية (بالمغامرة الغير محسوبة)، أو من خلال محاسبتها بمقاييس الربح والخسارة بعيداً عن حقائق الصراع وعدوانية العدو، وبعيداً عن مقاييس الكرامة الوطنية… في حملة من التلاقي قصداً أو عن غير قصد مع المنطق الاسرائيلي، والذي هو خارج اطار دائرة ايجاد المبررات لأجل اقتراف العدوان، ومع منطق الادارة الأمريكية والتساوق معه… والذي يعطي اسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها، وكأن هذا الحق لا يتم الا من خلال قتل الأطفال المدنيين وحرقهم أحياء، وتدمير الجسور ومصادر المستلزمات الحياتية من كهرباء وماء ونفط في شهية نهمة ووحشية في تصعيد اقتراف الجرائم… وكأنها تنتقم تماماً من أية مظاهر مدنية أو مدينية أو حضارية علي حد سواء. هذا الاتجاه الخاطئ والتضليلي في الحسابات السياسية هو بمثابة الطابور الخامس في المعارك، وبخاصة الوطنية، فهو لا يدرك طبيعة الأعداء من جهة، ولا يؤمن بالطاقات المختزنة في الجماهير الشعبية، وامكانية استغلالها اذا ما أُحسنت الحسابات السياسية في خوض طلائع هذه الجماهير وقواها للمعركة الدائرة، وبخاصة عند امتلاكها للوسائل العسكرية، والتي هي في موازين القوي بسيطة مقارنة مع ما يمتلكه العدو، لكنها بالتخطيط السليم والارادة تستطيع أن تكون مؤثرة وفاعلة وقادرة علي أن تلعب دوراً أساسياً في عملية الصراع، والذي هو أولاً وأخيراً محكوم بقوانين أساسية… أو أن أصحاب هذا الاتجاه الخاطئ يخططون وبالتنسيق مع جبهة العدو في تناغم كبير لتحقيق المصالح المشتركة بين الجانبين علي حساب المصالح الوطنية الذاتية… وعلي حساب المصالح العربية. اسرائيل لم تكن علي مدي تاريخها بحاجة الي مبررات لاقتراف عدوانها علي الأمة والبلدان العربية… وعلي سبيل المثال لا الحصر.. ما هي مبرراتها لتدخل طرفاً رئيسياً في حلف ثلاثي مع بريطانيا وفرنسا للاعتداء علي مصر في عام 1956؟ كذلك هي كل حروبها ضد العرب. العدوان هو صفة ملازمة للوجود الاسرائيلي، واسرائيل جزء رئيسي أيضاً في المخطط الاستعماري لمنع هذه المنطقة العربية من التطور أو ايجاد أية أشكال من الوحدة… وفي الوقت الذي تتخلي فيه اسرائيل عن عدوانيتها وتشكيلها لرأس جسر متقدم للمخططات المعادية… فاننا سنصبح أمام دولة هي ليست اسرائيل… أو أنها ستلبس جلداً غير جلدها، وهذه الحالة يستحيل الوصول اليها علي المدي المنظور.
حزب الله ومنذ اجبار العدو الصهيوني علي الخروج مندحراً من الجنوب اللبناني في عام 2000، أصبح مطروحاً علي جدول أعمال الولايات المتحدة واسرائيل ومنظومة الدول الغربية، باعتباره قوة يجب تدميرها وازاحتها من الطريق.
محاولات كثيرة جرت لتطويع الحزب بالمعني السياسي، ولكن ولأن الحزب لم يركع وظل محتفظاً بهويته الوطنية والقومية والاسلامية، ان في تشكيله عقبةً كأداء لما يخطط غربياً واسرائيلياً للبنان، أو من خلال برنامجه السياسي وتضامنه العضوي مع المقاومة الفلسطينية وتلاحمه مع حركة الجماهير العربية، ووقوفه مع ايران في معركتها مع الغرب عموماً والولايات المتحدة بشكل خاص في الصراع الدائر حول محاولة ايران امتلاك برنامج نووي خاص بها. بعد الانتخابات التشريعية الفلسطينية، وتسلم حماس للحكومة في المناطق الفلسطينية، رأت الولايات المتحدة في ذلك تطوراً في غير مصلحتها واسرائيل، ودعماً اضافياً للخط المواجه لمخططاتهما، ان في فلسطين أو في المنطقة العربية والاقليمية أيضاً… وبخاصة أن حزب الله يمتلك أسلحة ومنظومة صواريخ متطورة تهدد مفهوم الأمن الاسرائيلي، وتشكل في الحسابات العسكرية عاملاً رادعاً لاسرائيل من خلال ايجاد نمط من توازن الردع بين الطرفين.
وسط كل هذه التطورات، وخاصة بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري وما تلا ذلك من تداعيات كان أبرزها خروج القوات السورية من لبنان… انتقل الحزب في الأجندة الأمريكية والاسرائيلية الي وضع (النقطة الساخنة) من حيث أهمية القضاء عليه.
وقبل الدخول في معركة عسكرية معه من أجل ترويضه علي طريق القضاء عليه، كان لا بد من خلق مجموعة اشكاليات له علي الأصعدة اللبنانية والعربية والاقليمية.
لبنانياً… ممارسة ضغوط هائلة علي الحزب من خلال الحكومة وقوي 14 آذار لسحب سلاحه وتخليه عن تواجده في الجنوب اللبناني، وتحوله الي حزب سياسي مثل باقي الأحزاب الأخري، وبخاصة أن الغطاء لممارسة الضغوطات عليه جرت من خلال المطالبة بفرض سلطة الدولة علي كل الأراضي اللبنانية… وهو شعار يبدو عادلاً ومنطقياً في عرف الكثير من القوي والأحزاب السياسية اللبنانية، وكأنه ليس استجابةً للاملاءات بتطبيق القرار 1559، والقاضي في أحد بنوده بنزع سلاح حزب الله باعتباره ميليشيا، رغم أن أراضي شبعا ما زالت محتلة من قبل اسرائيل، ورغم أن المعتقلين اللبنانيين ما زالوا في السجون الاسرائيلية.
كذلك ومن أجل المزيد من احراج الحزب، ووفقاً للتصورات الاسرائيلية فان معاناة الجماهير اللبنانية من خلال الاعتداءات الاسرائيلية عليها ستشكل انفضاضاً جماهيرياً من حول الحزب.
عربياً واقليمياً، تحاول الولايات المتحدة واسرائيل ايجاد ربط قسري بين الشعارات التي يطرحها حزب الله، وبين حلفائه المعلنين سورية وايران، في محاولة افتئات واضحة علي وطنية وعروبة واسلامية الحزب من خلال التصوير، بأنه يخوض المعركة دفاعاً عن ايران وبتسهيلات كبيرة من سورية، وذلك من أجل احراجه علي الصعيدين الرسمي والشعبي العربي.
لا ينكر أحد أن للحزب علاقاته الوثيقة مع سورية وايران، وكذلك امكانية تنسيقه مع الدولتين في أمور وقضايا كثيرة، وهما أولاً وأخيراً مصدر تسليحه. ولكن، ومن جانب آخر فليس من مصلحة أي من سورية وايران وفي هذه المرحلة تحديداً تسخين الأوضاع لا مع اسرائيل ولا مع الولايات المتحدة، فالدولتان مستهدفتان وهما موضوعتان علي رأس القائمة الأمريكية (كدولتين داعمتين للارهاب) وهناك ضغوطات كثيرة ممارسة عليهما: ايران في موضوعها النووي، وسورية في الموضوعين العراقي والفلسطيني… وهما ستتأثران حُكما بالمعركة الدائرة حالياً… فأي انكفاء (لا سمح الله) للحزب في لبنان هو انكفاء لسورية وايران. وليس صدفةً هذا الربط الأمريكي ـ الاسرائيلي ـ الغربي… للدولتين بالمعركة في لبنان، وذلك في محاولة واضحة لجرهما الي دائرة الصراع، بما يعني امكانية الاستفراد بهما كعقبتين أمام تمرير المخططات الأمريكية ـ الاسرائيلية في المنطقة، وخسارة أي منهما في معادلات الصراع ستؤثر بالضرورة علي حزب الله وبالتالي ستشكل انتصاراً لمنطقة قوي 14 آذار، مما سيؤدي بدوره الي تغريب لبنان نهائياً.
حرص ايران علي التهديد بالرد القاسي علي اسرائيل فيما لو اعتدت علي سورية، يؤكد ما ذهبنا اليه ادراكاً من ايران لصعوبة المعادلة الحالية، وبأنها ستكون حلقة تالية لسورية، وما يحمله ذلك من أخطار علي مستقبل برنامجها النووي ومخططاتها لدورها الاقليمي. ايران تمتلك أرواقاً ضاغطة كثيرة بالنسبة لما يدور في المنطقة من صراعات، فتحت قبضتها أرواح مئة وخمسين ألفاً من جنود الولايات المتحدة في العراق، وامكانياتها كبيرة لقلب الطاولة رأساً علي عقب فيه، اضافة الي الأسلحة المتطورة التي تمتلكها، وقد أظهرت المناورات العسكرية والبحرية التي أجرتها مؤخراً مدي التطور الحاصل في نوعية أسلحتها.
بالتالي… فان العلاقة القائمة بين ايران وسورية وحزب الله، تتجاوز دائرة تحريك الحزب كأداة لخدمة الأهداف الايرانية ـ السورية (مثلما يتصور البعض) الي دائرة التحالف المفروض (اضافة الي الأسس الأخري لقواعد التحالف)، لأن في الدفاع عن الآخر هو أولاً وأخيراً دفاع عن الذات… فكل هذه الأطراف مستهدفة، لذلك لا يجوز تسخيف ما قام به حزب الله وتصويره كاستجابة لاملاءات ايرانية وضغوطات سورية!
ما تقوم به اسرائيل من تدمير وحشي نازي تام للبنان وممارسة جرائم القتل لمدنييه وحرق أطفاله، وتغيير قواعد اللعبة (مثلما أسمي ذلك قائد حزب الله السيد حسن نصر الله) يتجاوز دائرة ردود الفعل علي اختطاف جنديين الي دائرة التدمير المبرمج وفق خطة مسبقة معدة سلفاً للتنفيذ. ولم يكن صعباً علي اسرائيل اختلاق المبررات للقيام بها… فلو لم تكن عملية اختطاف الجنديين قائمة، لجري اتهام حزب الله بأنه المحرض لاطلاق الفلسطينيين الصواريخ علي عسقلان وبالتالي لا بد من معاقبته، تماماً مثلما تطالب واشنطن سورية باعتقال خالد مشعل، والا فهي متهمة! انفلات قوة اسرائيل من عقالها في العدوان علي لبنان… هو انعكاس حقيقي لنهج جري رسم خطوطه قبل ولادة الكيان الصهيوني كدولة، وتكرس مع مضي السنوات علي انشائها، وازدادت وتائره بفعل التقدم التكنولوجي في تصنيع الأسلحة…. ويطلقون عليه اسماء كودية مثل: ردع العرب، الحرب الاستباقية، الدفاع عن النفس، وغيرها من المصطلحات، في اطار من الفعل تدميري وترويعي ينبه ويذكر كل عربي بقدرات اسرائيل الردعية، بهدف القضاء علي مبدأ المقاومة في العقلية العربية… وبالتالي الامتثال لما تقرره اسرائيل للمنطقة، ولما تحاول فرضه من تسويات علي الفلسطينيين وعلي العرب من خلال القضاء علي بؤر المقاومة واحدة بعد أخري وكذلك علي الدول التي تدعمها.
ومثلما كان الفيتو الأمريكي علي قرار مجلس الأمن لادانة الجرائم الاسرائيلية في غزة، كان التسويف الأمريكي بجعل المجلس لا يصدر قراراً لوقف اطلاق النار في لبنان، بهدف اتاحة الفرصة أمام اسرائيل لمحاولة فرض شروطها الثلاثة التي حددها أولمرت للقبول بمبدأ الوقف: انشاء منطقة عازلة في جنوب لبنان، سحب أسلحة حزب الله وفرض الدولة اللبنانية سلطتها علي كل أراضيها، واستعادة الجنديين دون شروط. وبدلاً من أن يقنع الرئيس بوتين نظيره الأمريكي بالضغط علي اسرائيل لوقف عدوانها علي لبنان في اجتماع قمة الثماني في بطرسبرغ، بعد أن تحمس الأول للوقوف في وجه الافراط في القوة التي تمارسه اسرائيل قبيل انعقاد هذه القمة… رأينا تبنياً من قبل الرئيس الروسي لوجهة النظر الأمريكية، في حق اسرائيل في الدفاع عن نفسها! بغض النظر عن تصريح الرئيس الفرنسي شيراك الذي يري (عدم تكافؤ القوي بين اسرائيل ولبنان) والذي يقر (بوجود خطة منهجية لتدمير لبنان). البيان الصادر عن اجتماع قمة الكبار طلب وبشكل خجول من الطرفين العمل علي وقف اطلاق النار واطلاق سراح الجنديين. هذا التذبذب في المواقف من قبل الدول الكبري يعكس حقائق العصر الجديد (حقائق ما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ودول المنظومة الاشتراكية) والذي علي الرغم من مجموعة التراكمات الحاصلة لأحداث متغيرات دولية في أكثر من منطقة جغرافية فيه، لصالح عدم اتاحة الفرصة للقطب الواحد في التحكم بالمجتمع الدولي… الا أن هذه التراكمات لم تُحدث تغيراً نوعياً بعد، يعبر عن نفسه في الخلاص نهائياً من تحكم هذا القطب، الذي يتساوق ويندمج تماماً مع الرؤية الاسرائيلية للمنطقة العربية والأخري الاقليمية، وبالتالي فهو حقيقة أيضاً من حقائق الصراع القائم بين الأمة العربية من جهة، وبين الكيان الصهيوني وحلفائه من جهة أخري.
لذا كان من الطبيعي أن يعلن أولمرت رفضه لقاء وفد الأمم المتحدة الذي أرسله الأمين العام الي المنطقة في محاولة التوفيق بين الأطراف المختلفة في الصراع، الا اذا كان هذا الوفد آتياً للاستجابة للمطالب والشروط الاسرائيلية، بما يعنيه ذلك من غطرسة سياسية اضافة الي الغطرسة العسكرية التي تمارسها اسرائيل في استباحة لبنان دون محرمات!. هل من جديد في الموقف العربي؟
اجتماع وزراء الخارجية العرب في القاهرة لبحث ما يجري في لبنان، واضافة الي التناقضات في المواقف بين الدول المشاركة فيه… كان اجتماعاً لرفع العتب أكثر منه اجتماعاً للتقرير في قضية مصيرية لاحدي الدول العربية، ولم تراهن الجماهير العربية يوماً ما، علي الاجتماعات الرسمية العربية، بما في ذلك مؤتمرات القمة، وامكانيتها للخروج بأية قرارات مؤثرة علي الصعيد الفعلي.
لكن، كان لافتاً للنظر ما صرح به الأمين العام للجامعة العربية، السيد عمرو موسي (وربما هذه في الأغلب تعكس وجهة نظره الشخصية) من أن اسرائيل لا تريد السلام، وأن الدول الكبري واللجنة الرباعية سلمت اسرائيل ملف العملية السلمية كي تفعل به ما تشاء، وأن الجميع مارسوا استهزاء (وضحكوا علي الذقون العربية ـ علي حد تعبيره). نقول بأهمية ذلك… كونها المرة الأولي التي يعترف فيها مسؤول رسمي عربي (رغم افتقاره لامكانية التقرير الفعلي) بفشل العملية السلمية لأن اسرائيل لا تريد السلام… ولأنه وبعد اتفاقيات أوسلو وما تلاها، وبعد توقيع دولتين عربيتين لاتفاقيتين مع العدو الصهيوني، وفتح الكثير من العواصم العربية لمكاتب (تحت مسميات مختلفة) اسرائيلية فيها… سادت أجواء رسمية عربية مدعومة ببعض الأبواق والأقلام الاعلامية، وقوي وأحزاب عربية وفلسطينية (كان للبعض منها مواقف تاريخية سابقة ـ كالأحزاب الشيوعية ـ بامكانية قبول اسرائيل بحل الدولتين لشعبين) وجري التوجه نحو اقامة سلام مع اسرائيل، وابتدأ الصراع العربي ـ الاسرائيلي يأخذ مسميً مختلفاً هو الصراع الفلسطيني ـ الاسرائيلي، بل كثيراً ما أطلقوا عليه كلمة (النزاع). هذه الحالة الفلسطينية ـ العربية أفرزت حالة جديدة من التعاطي الرسمي مع اسرائيل، جري التعبير عنها من خلال مشروع السلام الذي قدمته قمة بيروت العربية، والذي رفضه مباشرة وفي حينه رئيس الوزراء السابق شارون. الحالة العربية أفرزت كذلك: توجهاً نحو حل (النزاع) مع اسرائيل عن طريق المفاوضات السلمية، بعيداً عن أشكال المقاومة العسكرية، التي وفي جزء كبير من عملياتها أصبحت تسمي (ارهاباً) غير مبرر، في حالة من التساوق مع التعبيرات التي تفرضها الولايات المتحدة.
كل ذلك كان يتم رغم اعلان اسرائيل عن استراتيجيتها للتسوية مع الفلسطينيين والعرب والتي لم تُخفِ قواعدها، فهي تنطلق من ثوابت يتفق عليها اليمين واليسار الاسرائيلي.
النظرة الرسمية العربية الي حزب الله انطلقت من نفس الأسس التي جري التعامل بها مع المقاومة الفلسطينية، اضافة الي محاولات التركيز علي (ولاءاته الايرانية)، ولهذا ليس مستغرباً ما سمعناه من مواقف رسمية تتهم الحزب (باقتراف المغامرة). ما صرح به عمرو موسي… لن يجد ترجمته في توجه رسمي عربي جديد نحو اسرائيل، فبالرغم من كل مواقفها المعلنة وممارساتها النازية وعدوانيتها وشهيتها التدميرية ووضوحها التسووي، سيظل الموقف الرسمي العربي علي المدي المنظور تجاه العلاقة معها ينطلق من أن السلام هو خيار استراتيجي، بعيداً عن الثوابت الاسرائيلية لأسس العلاقة مع العالم العربي.. وبالشكل الذي يضمن انفكاك النظام الرسمي العربي عن مهماته تجاه الرد علي عدوانية اسرائيل من جهة، وفي النضال من أجل استعادة الحقوق الوطنية الفلسطينية والأخري العربية.
الحسابات الاسرائيليةفي شن الحرب علي لبنانبعد اللطمتين الموجعتين الموجهتين للجيش الاسرائيلي في غزة وجنوب لبنان، وانطلاقاً من خلفيات سياسية مبيتة، ولربما حاول المدنيان (اللذان لم يكن لهما تاريخ عسكري) المتسلمان لرئاسة الحكومة ووزارة الدفاع (وهما الجديدان أيضاً في المنصبين) اثبات جدارتيهما من خلال التسابق مع المؤسسة العسكرية وجنرالاتها في اتخاذ القرارات العسكرية، ان بالقوة التدميرية الهائلة والواسعة النطاق التي تطال المطارات والموانئ والجسور والمؤسسات التابعة للجيش، ومصادر المياه والكهرباء وخزانات النفط والطرق البرية الدولية بين لبنان وسورية وغيرها من المنشآت الحيوية، وأيضاً التابعة لحزب الله، أو محاولة ترويع المدنيين بقصف الأهداف المدنية والأحياء في المدن والقري، وكذلك وسائل الحرب النفسية: المنشورات التي تلقيها الطائرات والاعلام الموجه، واستشهاد مندوب اسرائيل في الأمم المتحدة بما ورد في تصريحات بعض المسؤولين اللبنانيين، عن حزب الله (ومغامرته)، أثناء مناقشة قضية لبنان في مجلس الأمن، الترويج لاصابة حسن نصر الله، دعوة سكان الجنوب الي تركه وغيرها.
اسرائيل تهدف من وراء عدوانها العسكري، واضافة الي الترويع، الي حصار لبنان برياً وبحرياً وجوياً من أجل محاصرة اللبنانيين ان في المواد الحياتية الأساسية: الأكل والدواء والمياه والكهرباء، أو في قطع أحياء المدن بعضها عن بعض، وكذلك فيما بينها وبين القري، وكذلك الأخيرة بعضها عن بعض.
دعوة اسرائيل لساكني القري الجنوبية من أجل تركها، تهدف الي اخلاء الجنوب بهدف محاولة الاستفراد بالقوات العسكرية لحزب الله، وهو تهيئة أيضاً لما قد يفكر فيه الجيش الاسرائيلي من اجتياح للأراضي اللبنانية أو القيام بمهمات (كوماندوز) محددة.
الاجتياح بالنسبة لاسرائيل سيكون مكلفاً ان من الناحية البشرية بالنسبة لخسائرها، وكذلك في العتاد، اضافة الي امكانية خطف المزيد من جنودها واضافة الي ما يعنيه الاجتياح من حد لقدرات طيرانها ووسائلها الأخري في المعركة نتيجة للالتحام المباشر مع العدو، وهي لن تكرر تجربة الاجتياح كما في عام 1982 وما ألحقته بها من خسائر بشرية ومادية عسكرية، نتيجة اقامتها مواقع ثابتة في المدن والقري اللبنانية شكلت أهدافاً وصيداً ثميناً للمقاومة اللبنانية، مما اضطرها الي الاندحار من الجنوب نهائياً (باستثناء مزارع شبعا) في عام 2000. من الحقائق الاستراتيجية بالنسبة لاسرائيل، أنها لا تحتمل الحرب الطويلة، وهي تعودت في كل حروبها علي نقل المعارك الي أرض أعدائها، كما أنها لا تحتمل الخسائر البشرية، ان في صفوف جنودها أو مدنييها، وهي في الجزء الأكبر من مواجهاتها، اعتادت علي حرب الدول، والتي تختلف تماماً عن حروب المقاومة. لكل تلك الأسباب هي تقوم بالعدوان من خلال طائراتها وبوارجها ومدافعها وصواريخها… ومن غير المرجح قيام قواتها باجتياح لبنان. اسرائيل تخطط للاستمرار في هذه الحرب بضعة أسابيع علي أبعد التقديرات، من أجل فرض شروطها، انطلاقاً من حسابات: التناقص التدريجي لما يمتلكه حزب الله من وسائل قتالية دون امكانية التعويض عنها في ظل الحصار المفروض علي لبنان، وكذلك اعتقادها بأن اطالة أمد المعركة سيخلق واقعاً معاناتياً صعباً للبنانيين، مما سيحفزهم علي الانفضاض من حول حزب الله، بل مطالبته بتسليم الجنديين. اضافة الي أن قوي 14 آذار ستصعد من وتيرة هجومها علي تفرد الحزب بمصير لبنان واللبنانيين، والضغوطات الممارسة من الحكومة علي الحزب، وان بشكل غير مباشر، لفرض سلطتها علي الجنوب، وسط أجواء دولية ووساطات جعلت مطلبها الأول: تسليم الحزب للجنديين الاسرائيليين.
الحسابات السياسية والعسكرية لحزب اللهيخطئ من يظن عدم اجراء الحزب لوقفة سياسية وعسكرية شاملة قبل قيامه بأسر الجنديين، أو عدم توقعه لردود الفعل الاسرائيلية علي خطوته… فتجربة العملية الفدائية في قطاع غزة قبل بضعة أسابيع من عملية حزب الله، بينت نوعية وحجم ردود الفعل الاسرائيلية علي خطف الجنود الاسرائيليين… مما يوحي بامكانية ممارسة نفس العدوانية علي لبنان، وهو ما يجب أن يعتبر مؤشراً لحزب الله. والمراقب لأساليب العدوان العسكري الاسرائيلي الممارس في القطاع أو في لبنان، يلحظ أنه بنفس المواصفات تقريباً، ولكن مع توسيع اطاره في لبنان انطلاقاً من ظروف خاصة لبنانية.
في حسابات حزب الله السياسية… أنه أصبح مستهدفاً اسرائيلياً وأمريكياً، ولذلك هو يتوقع الضربة العسكرية، التي تريدها اسرائيل قاصمة لظهره انطلاقاً من: الانتقام مما فرضه الحزب علي اسرائيل بسحب قواتها العسكرية من الجنوب في عام 2002، القضاء علي قدرته العسكرية التي تشكل تهديداً للأمن الاسرائيلي، وما سيعنيه ذلك (في اعتقادهم) من فقدان ايران وسورية لورقة يضغطان من خلالها علي اسرائيل، وفي حالة الانتقال الي مرحلة تالية من العدوان علي الدولتين واحدةً بعد الأخري، فان اسرائيل ستكون قد تخلصت من ورقة الضغط التي يشكلها حزب الله… مما يعني حرية أكبر لاسرائيل في الاستفراد بالدولتين المذكورتين… هذا عدا عن أن كل بؤر المقاومة المسلحة في المنطقة أصبح من المطلوب القضاء عليها نهائياً.
المواجهة مع اسرائيل كانت متوقعة في حسابات الحزب، قد تكون في اطارها العام بعيداً عن بعض التفاصيل ومدي توسعة العدوان. ومن حيث مدة المعركة زمنياً، أدرك الحزب منذ اللحظات الأولي للهجوم الاسرائيلي بأن معركته ستطول، لذا وكما قال أمينه العام (لم يستعمل الحزب كل مفاجآته في الأيام الأولي للقتال، بل هو الذي يحدد الزمان والمكان لاظهار ما وعد به من مفاجآت… ولذلك بعد بضعة أيام من القتال قام بتدمير البارجة العسكرية (ساعر) والتي لم يقم بمثلها سوي الرئيس عبد الناصر في عام 1969 عندما تم اغراق المدمرة (ايلات)، ومن ثم انتقل الي اطلاق الصواريخ علي مدينة حيفا ومدن الجليل الأسفل اضافة الي التهديد بقصف ما بعد حيفا، وما بعد بعد حيفا، مما يعطي مصداقية لما ذكرته صحيفة هآرتس من توقعات مجلة جينيز (المختصة بالشؤون العسكرية) بأن لدي الحزب صواريخ متطورة يصل مداها الي مدينة بئر السبع ومدينة عسقلان. وهي أيضاً من المرات النادرة التي يتم فيها قصف المدن الاسرائيلية بشكل متواصل. كما أن الحزب يتحكم في عدد صواريخ الكاتيوشا التي يطلقها علي المستعمرات والمدن الاسرائيلية بالشكل الذي يوحي فيه بأنه مقل في اطلاقها، انطلاقاً من أن المعركة ستطول وبأنه ما زال يتحكم بشكل من الأشكال في المعركة الدائرة.
لم يكن في حسابات حزب الله لا الدعم السوري أو الايراني المادي له، انطلاقاً من ظروف المعركة، ولا الدعم السياسي الرسمي العربي انطلاقاً مما جري في غزة، ومن قبل أثناء الاجتياح الاسرائيلي للبنان عام 1982 حينما حوصرت المقاومة الفلسطينية في بيروت ثلاثة أشهر دون تأثير يُذكر للدول العربية علي الحد من همجية الاعتداءات الاسرائيلية. ولذلك فان حسابات الحزب العسكرية تنطلق من تقدير قواه الذاتية وفيما يمتلكه من أسلحة، اعتماداً علي قدرته علي تحقيق شكل من الردع مع اسرائيل، وقدرته علي ايذاء منشآتها المختلفة، وتهديد مواطنيها اذا ما ارتأي ذلك… وهو ما أشار اليه أيضاً زعيم الحزب حسن نصر الله في خطابه المتلفز، والذي وعد فيه بالمزيد من المفاجآت.
يراهن الحزب أيضاً علي استمرار تأييده من قبل غالبية فئات الجماهير الشعبية اللبنانية، التي ورغم معاناتها ما زالت تعبر عن هذا الاحتضان.. ان في الحد من كثافة الهجرة من الجنوب (وفقما تطالب اسرائيل) أو في ادراكه وتقبله لما يطرحه من شعارات تلامس الجانب الروحي والوطني لشعبه، في الاصرار علي مبادلة الأسري اللبنانيين والفلسطينيين والعرب مقابل الافراج عن الجنديين، أو في الدفاع عن الكرامة الوطنية اللبنانية والعربية أيضاً أمام العدو الصهيوني، واستمرار تشكيله لسد مانع ورادع أمام القوات الاسرائيلية في المستقبل.
يراهن الحزب علي تأييد الجماهير العربية (محدودة التأثير) وما سيفرزه طول المعركة من تداعيات… دون أخذ ذلك في الحسابات المادية والواقعية فيما يواجهه من معركة.. هي في فحواها (معركة كسر عظم) بالنسبة اليه.. فإما يكون بعدها أو لا يكون!
في حسابات الحزب السياسية أيضاً، الحوار الوطني الدائر في لبنان، ووضع سلاحه علي جدول الأعمال ومطالبة قوي 14 آذار بسحب هذا السلاح، في تجاهل واضح منها (قصداً أو عن غير قصد) لاستمرارية الخطر الاسرائيلي، وقدرة الحزب علي التصدي لهذا الخطر في ظل عدم امتلاك الدولة فعلياً ما يدرأ هذا الخطر… بالتالي فان المعركة الدائرة حالياً تكتسب بالنسبة للحزب أهمية مضاعفة، فعدا عن مضامينها الوطنية، فان علي نتائجها يترتب وضعه المستقبلي علي الساحة اللبنانية.
تكامل المقاومتين الفلسطينية واللبنانيةيخطئ من يظن أيضاً بانفصال الوضعين الفلسطيني واللبناني في حسابات حزب الله، فالي جانب منطلقات الحزب الدينية والوطنية في النظرة الي الوجود الاسرائيلي، كورم سرطاني في المنطقة العربية، وأخطار هذا الوجود علي عموم المنطقة، وهو ما يتماهي مع ما تؤمن به تنظيمات عديدة فلسطينية، وغالبية الجماهير اللبنانية والفلسطينية والأمة العربية بأكملها من المحيط الي الخليج، وعموم الشعوب الاسلامية، وشعوب وقوي أخري علي الصعيد الانساني الدولي.. مما يساهم في تعميق التلاحم العضوي بين المقاومتين الفلسطينية واللبنانية، اضافة الي الأبعاد العربية في منطلقات حزب الله (وان مالت باتجاه النظرة الاسلامية أكثر منها الي العامل القومي) مما يعطي بعداً مضاعفاً لهذا التلاحم. ولذلك من الطبيعي أن يأخذ الحزب في حساباته ما تمر به الساحة الفلسطينية من اعتداءات ومجازر يومية ترتكبها اسرائيل ضد الشعب الفلسطيني. ولذا من الطبيعي أن يري حزب الله في ما قام به من عملية فدائية بطولية.. انجاداً حقيقياً للمقاومة الفلسطينية وتخفيفاً من معاناة الشعب الفلسطيني من خلال توسيع دائرة المعركة.. وهي رؤية وطنية عربية اسلامية أصلية في منطلقاتها وفي تقديراتها الاستراتيجية للصراع وعوامله ومقتضياته الوطنية، وترابط الخاص الوطني مع البعد العربي كمبدأ أساسي هام لكسب المعارك الوطنية والأخري العربية، علي قاعدة من التأثر والتأثير لكل من العاملين في الآخر، وهي نظرة بعيدة المدي أيضاً.
ان عمليتي المقاومة الفلسطينية وحزب الله بأسر جنود اسرائيليين في معارك عسكرية، وضد عسكريين، وفي مناطق محتلة من قبل القوات الاسرائيلية، وفي حالة من المواجهة (وليس السلام) بين كل من المناطق الفلسطينية ولبنان من جهة، واسرائيل من جهة أخري.. هما عمليتان مشروعتان وقانونيتان ومجازتان وفقاً لقوانين الشرعية التي أقرتها الأمم المتحدة، والتي تضمن للشعوب المحتلة مقاومة محتليها بكافة الوسائل والسبل، بما في ذلك الكفاح المسلح.. وبالتالي من الخطأ.. بل من الخطيئة القاء تبعات العدوان الصهيوني الممارس ضد المناطق الفلسطينية أو ضد لبنان، أو ما قد يمارس ضد دول عربية واقليمية أخري علي هاتين العمليتين!
توقعات مستقبلية قريبةللعدوان الصهيوني علي لبنانبعيداً عن العواطف والرغبات، بل تقييماً موضوعياً لمسيرة المقاومتين الفلسطينية واللبنانية كطليعتين للشعبين الفلسطيني واللبناني والأمة العربية بأكملها ولكل ما هو انساني وعادل، وانطلاقاً من عدالة القضايا التي يطرحانها، واستذكاراً لنضالات وتجارب شعوب احتلت أراضيها في قارات ثلاث، وتمكنت من طرد محتليها وفقاً لقوانين الصراع.. فان العدوان الصهيوني علي لبنان، وان طال زمنه، سيظل يصطدم بصخرة المقاومة الوطنية اللبنانية، التي يمثلها حزب الله ومن ورائه قطاعات عريضة من الشعب اللبناني وكل الجماهير العربية. هذه المقاومة التي أثبتت بالفعل قدرتها علي الرد والردع، والتي لديها الامكانيات العسكرية الفعلية لمدي زمني طويل، والقادرة علي ايذاء العدو في مفاصل مؤلمة… فمن يوجه صواريخه الي أهداف محددة، قادر علي توجيهها الي أهداف موجعة مثل مصافي البترول والمصانع الكيماوية في حيفا (مثلما ذكر أيضاً رمز المقاومة حسن نصر الله، والذي يستمع اليه الاسرائيليون في كافة مواقعهم ويصدقونه تماماً، مخاطباته تجري ترجمتها مباشرة من خلال الاذاعة والتلفزيون الاسرائيلي، ووفقاً لاستطلاعات الرأي التي أجرتها المعاهد الاسرائيلية المختصة، فان غالبية الاسرائيليين يثقون بما يقول وبما يطلقه من وعود) واذا كان أربعة عشر مقاتلاً فلسطينياً في مخيم جنين لا يمتلكون من الأسلحة غير البنادق الرشاشة والطلقات محدودة العدد، قد تمكنوا من ايقاف تقدم القوات المجحفلة الاسرائيلية مدة اثني عشر يوماً، والتي كان يشرف عليها شارون وموفاز شخصياً، ولم تتمكن هذه القوات من الدخول الي المخيم الا بعد نفاد أسلحة المقاتلين واستشهادهم جميعاً… فكيف بالمقاومة اللبنانية البطلة التي تحارب علي أرضها ووسط شعبها وفي دولتها، وتمتلك من الأسلحة الشيء الكثير، وينتشر عشرات الآلاف من مقاتليها في الجنوب وفي مختلف المناطق اللبنانية.. المؤمنة بقضيتها، والفولاذية الارادة قيادة وكوادر وأعضاء ومقاتلين… كيف لهذه المقاومة وبهذه المواصفات أن تنهزم؟
ولذلك وبعد أيام قليلة من القتال والعدوان الصهيوني علي لبنان… بدأت ممارسة الضغوطات علي حزب الله: دولياً… من خلال الوفود السياسية المتتابعة في الوصول الي لبنان (وفد الأمم المتحدة، وسولانا، ووفود أخري قد تصل مستقبلاً) وهي تحمل حلولاً تستجيب في جوانب منها الي الشروط الاسرائيلية، فبدلاً من قوات الطوارئ المنتشرة في جنوب لبنان، (والتي أخذت تطالب اسرائيل بسحبها) تجري الاقتراحات لاستبدالها بقوات تابعة للحلف الأطلسي أو قوات دولية! عربياً ومحلياً: من خلال التركيز علي (مغامرة) حزب الله وتفرده بما يدعي (بقرار الحرب) بالنسبة للوطن اللبناني، وغيرها من المصطلحات كوسائل لممارسة الضغوط علي الحزب.
قوي لبنانية كثيرة، وشخصيات وطنية ومسؤولون عديدون، وآخرون ومنذ بداية العدوان علي لبنان، أدركوا طبيعة المرحلة ولذا رفعوا الشعارات المناسبة لها، والتي تتمثل في قضايا عديدة أبرزها: أهمية الوحدة الوطنية اللبنانية حكومة وشعباً ومقاومةً، التركيز علي وقف العدوان الصهيوني الذي يستهدف الوطن اللبناني والشعب والمقاومة اللبنانية… وبعد ذلك يُستأنف الحوار بين الحكومة ومختلف ألوان الطيف السياسي اللبناني. أما سحب سلاح حزب الله وتموضعه في مواقع جديدة (بعد الشريط أو المنطقة العازلة التي تطالب بها اسرائيل)، وكذلك فرض الحكومة اللبنانية لسلطتها في الجنوب… فكل هذه القضايا محلية لبنانية، سيجد اللبنانيون في حوارهم حلولاً مناسبة لها، وهذه ليست مهمات، لا للادارة الأمريكية، ولا للدول الغربية، ولا لاسرائيل ولا للأمم المتحدة.
الوقفة مع حزب اللههي وقفة دفاع أيضاً عن الذات العربيةلقد لخص السيد حسن نصر الله في كلمته الموجزة التي تضمنها خطابه المتلفز مساء الأحد، السادس عشر من تموز (يوليو) الماضي، أبعاد المعركة الدائرة وتداعياتها ونتائجها من خلال القول:(بأن هزيمة المقاومة اللبنانية ـ لا سمح الله ـ هي هزيمة للأمة العربية بكاملها، وأن نصرها هو نصر لكل العرب). في تقديرنا، ورغم تطرق الأمين العام لحزب الله الي امكانية الهزيمة، فانه كان يود الاشارة من خلالها الي الترابط ما بين الخاص الوطني والبعد العربي، وهو ـ كما ذكرنا ـ قانون أساسي من قوانين الصراع، لكن المعطيات والدلائل تشير في غالبيتها الي الانتصار المؤكد للمقاومة ولشعبها ولأمتها في معركتها مع العدو الصهيوني ومحاولته فرض شروطه… ولذا فان نصرة المقاومتين اللبنانية والفلسطينية بكل الوسائل والسبل هي واجب وطني، قومي، ديني، أممي، انساني… لأن الوقفة معهما هي وقفة مع الذات العربية في كل مواقعها.
يبقي القول أخيراً… بأن الشروط الاسرائيلية والتي تدعيها لايقاف عدوانها علي لبنان، سوف لن تتحقق فاطلاق سراح الجنديين سيتم فقط من خلال عملية تبادل للأسري. أما قوات الحزب فستظل في مواقعها، وستحتفظ بأسلحتها، وأي تغيير في هذه المعادلة، يتحقق فقط، علي أرضية الحوار الوطني اللبناني، وبموافقة الحزب. فبعد كل هذه الدماء والمعاناة والتدمير لن يفرط حزب الله بأوراق الضغط التي بين يديه.