في نقد الحاجة إلى كورونا

حجم الخط
0

جاء في كتب التراث أن معاوية قال: «نحن الزمان، نرفع ما ارتفع ونضع ما تضع»، قول يبرز حقيقة رمزية السلطة المرتبطة بالزمان والمكان، وهي سلطة تبقى بدون معنى أمام سلطة الموت، فحتى لو بقي معاوية وعاش حتى زمن كورونا، فلن يقتنع بما قاله، وهو يرى هذه «الجائحة العالمية»، وفق تصنيف منظمة الصحة العالمية، وهي تعيد ترتيب الأوراق، وتحول الآخرين إلى الجحيم فعلا، كما قال سارتر، بل أضحت معها فلسفة الحياة، أن البعض لا يريد الموت فكان الملاذ هو البحث عن سلوكات لاعقلانية، تبحث عن سبل العيش من مواد غذائية فقط، تؤكد الإعصار الصامت الذي عرفته مراكز التسوق في فردانية لا يجرؤ الكثيرون على الإقرار بها.
زمن كورونا أو «الكوفيد التاسع عشر»، أبان عن توتر مستمر بين المصالح الفردية والجماعية، الجائحة عرتّ شعارات الأخلاق والإنسانية والتضامن والتسامح، وأن البشر كتلة استهلاكية فقط، نسوا أن الجائحة لا يمكن أن تُحارب من خلال الفرد الواحد، وأن الأنانية لا تصنع الحضارة كإرث ثقافي محكوم باستمرارية المثاقفة، تحولت إلى حضارات مختلفة ومتفاعلة.
كورونا أعادنا من جديد إلى عوالم الإبداع والثقافة، بحثا عن زخم روحي يعيد التفاعل مع الحدث، فكانت رواية ألبير كامو الشهيرة «الطاعون»، التي نشرت بعد الحرب العالمية الثانية، كعمل سردي، وأحد أشكال المعرفة الإنسانية، التي عمل فيه المتخيل على أن ينتج معرفته لنفسه بنفسه، وأحد محاولات كسر هيمنة القمع الشفهي الحديث، برحابة الحياة والعلاقات اليومية، من خلال الحكي المرتبط باجتياح وباء الطاعون مدينة وهران الجزائرية، وكيف أن مجابهته لم تكن بشكل فردي، وأن المواجهة كانت مشتركة من خلال الطبيب «برنار ريو»، والغريب «جان تارو»، في مواقفهما، وكيف كانت نموذجا في الحرص على نقل الجثث وعزل المرضى بعزم وإصرار، لم تنفعهما أمام الطاعون القاتل.
في «الطاعون» لألبير كامو نكتشف أن المسؤولية الجماعية شرط إنساني، وأن الشر الحقيقي هو الفردانية، التي قد تعني الفرار من الآخرين، أي تفضيل المصلحة الخاصة على العامة، علما أن الموت لا يستثني أحدا، ففيه تغيب الصور، على الرغم من أن كينونة الموت مبنية على صور بائدة، وأخرى تنسخ نفسها بنفسها كما يقول الصوفية.
صحيح أن الأزمات تقلب النظام الاجتماعي، وأن الرغبة في الحياة لا تنسينا أن الموت وحده هو من ينسيه رعبه، وأنه هو الوحيد الذي يمنح الأشياء أهميتها، حتى إن كانت تافهة، فمن كان يعتقد منا أنه سيعود إلى نفسه وأسرته، ليكتشف أن آخرين قد يموتون جوعا وحرمانا في وضع لا يختلف عن الموت بالطاعون، أو كورونا. من مفارقات زمن كورونا أن البعض لا يراه إلا مرضا عابرا، بينما يراه البعض فرصة للتسوق والتبضع وسحق الآخرين، كما تسحق الحشرات بين زحام اللاهثين عن الدقيق والسكر والزيت، الثالوث المقدس عند المغاربة، لكن كورونا انقطاع لفكرة، وحذف لمقطع من حكايات الحياة، يراد لها أن لا تكتمل، الوباء الحقيقي هو موت الجسد وموت الأفكار وموت الضمير وتفريغ للمحتوى والمضمون، واعتناق للانكسار البشري في زمن الأنانية، عرتها رواية «الطاعون» في مشهد لا يختلف عن شخصيات فضاءات وهران الورقية.

٭ باحث من المغرب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية