في اجواء فتنة كالتي نعيشها، ليس مستغربا ان يختلط الحابل بالنابل، ويلتبس الحق بالباطل، وتطغى المصالح الشخصية على الوطنية، وتتراجع معايير الموضوعية والمهنية امام صعود خطاب الكراهية والتعصب.
الا ان هذه الصورة تتجلى اوضح، وربما اقبح، ما تكون في بعض وسائل الاعلام التي تعكس الواقع السياسي والاجتماعي، ثم تضيف اليه من ‘ابداعاتها’ فتزيد الطين بلة، وتحول الاستقطاب الى انشقاق فانقسام.
والمشكلة هنا لا تتعلق بمجرد انحياز الى موقف سياسي او مدرسة ايديولوجية معينة على اساس موضوعي يستنفر تبادلا ايجابيا للاراء والرؤى، وربما ابتكارا لمقاربات جديدة، ضمن دينامية فكرية مطلوبة في اي مجتمع حر، بل بما يمكن تسميته بالتدليس الاعلامي لخدمة اجندات ظاهرها الرحمة او الديمقراطية او الشرعية او غيرها من المصطلحات البراقة، وفي جوهرها الجحيم او الارهاب.
وباسقاط هذا الكلام على واقع ‘الحرب الاعلامية العربية’ المستعرة حاليا، نكتشف ان خطاب الكراهية المرتكز على طائفية سياسية او دينية اصبح سيد الموقف، وهو واقع يكاد ان يستحيل معه انجاز تسويات سياسية هي الامل الوحيد الممكن للخروج من الازمات في هذا الجزء من العالم.
يحصل هذا رغم انه يوجد في البلاد التي تحترم حرية الرأي الى حد التقديس، ومنها بريطانيا على سبيل المثال، من القوانين ما يجرم هذا النوع القميء من الخطاب، سواء كان مذاعا في الاعلام، او حتى قيل اثناء مشاجرة في الطريق. وهذا اعتبار يجب ان تراعى عواقبه القانونية، خاصة وسائل الاعلام العربية الموجودة او الممثلة في بلاد كهذه.
وهذه ملاحظات سريعة على جدران هذا المشهد الاعلامي المأساوي في العالم العربي:
اولا – تؤسس بعض وسائل الاعلام مناهضتها للمشروع الايراني في المنطقة على اسس مذهبية دينية بحتة، الى حد لا تتورع معه عن التهوين من الخطر الاسرائيلي ذاته، في تناقض صادم احيانا مع المصالح الاستراتيجية، من اجل تجييش المشاعر ضد ‘عدو اوحد’. فمن الحرب في اليمن، الى الازمة في البحرين، الى التدهور الامني في العراق والصراع في سورية، يبقى معيار الطائفية الاعلامية واحدا. وبالتالي فان مشكلة النظام في سورية تكمن في كونه ‘علويا’ وليس لانه استبدادي وقمعي، بينما تصنف الدعم الذي يتلقاه من ايران وحزب الله، وحتى من روسيا، على انه ‘شيعي’.
ومن الانصاف القول ان بعض السياسيين استخدم مفردات مذهبية لتبرير موقفهم في سورية، ولكن هذا لا يبرر الانجرار الاعلامي الى هذا المستنقع.
والمحصلة ان هذا الخطاب الاعلامي اصبح يوفر غطاء طائفيا غير مباشر لعاصفة الدم التكفيرية التي تضرب سورية، وهو ما يستخدمه النظام بدوره في تبرير ما يقوم به من اعمال القتل، وهكذا تتحول وسائل الاعلام الى ‘ترس’ في ماكينة المجازر الجهنمية الرهيبة التي يدفع ثمنها الشعب السوري بكل طوائفه وانتماءاته.
ثانيا – من الانصاف ايضا القول ان هذا الطريق ليس احادي الاتجاه، بل انه يواجه او يغذي او يستفز او يرد عليه، او كل هذه الكلمات مجتمعة، صحفا وقنوات تعتبر ان ‘نشر الفكر الوهابي’ يقف وراء كافة الاجندات والمواقف السياسية لدول معينة، في تجاهل مخل لمعطيات سياسية اقليمية ودولية اساسية، او تجير المقاومة لمصلحة المذهب الشيعي في الحديث عن مواجهة العدوان الاسرائيلي على لبنان، او تبتز المشاعر الدينية لنصرة قضايا او مطالب سياسية تتعلق بتحقيق الديمقراطية كما في البحرين، او تختصر مشكلة نظام الرئيس الراحل صدام حسين في انه ‘نظام النواصب’ اي نظام سني في مخالفة واضحة للواقع.
وهكذا تقيم صحف وفضائيات الدنيا ولا تقعدها بشأن انتهاكات لحقوق الانسان في بلد يبعد عنها مئات او الاف الاميال، وتتغاضى بالكامل عن انتهاكات مروعة تجري على بعد مرمى حجر من مقرها. ويصبح المتظاهرون ‘مناضلين من اجل الحرية’ في بلد معين لكنهم ‘مثيرو شغب’ في بلد اخر.
يحصل كل هذا من دون ان يكلف اي منهما نفسه عناء البحث في الاسباب الحقيقية التي تقف وراء تعميق هذا الانقسام الطائفي وتغذيته.
ثالثا- في بعض وسائل الاعلام العربية التي تنحاز ضد النظام القائم في مصر حاليا، وهو موقف سياسي واقعي ومشروع وقابل للجدل موضوعيا، او هكذا نفترض، تكثر الامثلة على استغلال التعبير عن هذا الموقف لتمرير تعليقات او معلومات مغلوطة تعبر عن ‘عنصرية وكراهية وتحقير’ بهدف الاساءة لمصر تاريخا وشعبا وحضارة، في ابتزاز او استقطاب لمشاعر المتلقين المشتركين معها في انتقاد النظام.
وربما تسعد هذه التعليقات او الاكاذيب شريحة من الناس، الا انها لا يمكن الا ان تثير اشمئزاز الاغلبية ونفورهم، بمن فيهم اولئك الذين يعارضون النظام او يرفضونه لاسباب متباينة، وهي بذلك لا تلحق الضرر الا بالطرف الذي من المفترض انها تسعى لخدمة اجندته. والاهم انها تكشف ضآلة تأثير تلك الابواق الاعلامية، خاصة مع مضي خارطة المستقبل في مصر حسب طريقها المرسوم، رغم كل ما يكتنفها من مصاعب حقيقية تتعلق باسباب ومشاكل على الارض وليس بالحملات الاعلامية.
وفي المقابل فان بعض الابواق الاعلامية المؤيدة للنظام المصري الجديد، وبعضها يسيطر عليه فلول من نظام مبارك، اصبحت تمثل مصدرا للخطر على نظام ما بعد الاخوان يفوق الاعمال الارهابية والمظاهرات وحتى التدهور الاقتصادي والامني، اذ انها تعمل على شطب ثورة يناير من الوعي المجتمعي في استفزاز غير مبرر، وكذلك تكفير الناس بثورة يونيو ما يدفع الناس باتجاه اليأس، بينما يتصاعد قلق مشروع من بوادر ‘استبداد اعلامي’ يضفي ‘قداسة’ لا يعرفها العمل السياسي اصلا على اشخاص بعينهم، ونزع الصفة الانسانية عن اخرين.
والمحصلة ان المتلقين اصيبوا بحالة من النفور تجاه المعسكرين، واصبحوا يبحثون عن ‘منبر ثالث’ يمكن ان ينتقد لكن من غير شيطنة وله ان يشيد لكن من دون تأليه.
رابعا ان الاعلام العربي بشكل عام اهمل واجبه في العمل على نشر التنوير والاصلاح، مكتفيا بدور التحريض الطائفي، سواء سياسيا او دينيا. وهو لا يستضيف من المحللين او الباحثين الا من يكرس هذا الدور، ولا يتيح مجالا لمن يكسر هذه القيود خوفا او ذعرا من اغضاب الجهة المالكة او الممولة.
ومن شر البلية ان يحاول بعض اولئك الضيوف شبه المقيمين في هذه القناة او تلك ان يقدموا انفسهم على انهم مناضلون وليسوا مجندين لتوصيل رسالتها.
ويزداد الامر تعقيدا عندما نلاحظ ان العمل الاعلامي اصبح مستباحا من عناصر امنية (مخبرين) ينتمون لانظمة واجهزة، او كوادر تنظيمية تنتمي الى جماعات او احزاب سياسية اكثر من انتمائها الى مهنة الاعلام التي تحكمها قواعد واصول واضحة. (احد هؤلاء كان يفخر بانه الصديق الشخصي لوزير الداخلية الاسبق في مصر حبيب العادلي، وانه يستطيع ان يحادثه على هاتفه الخاص في اي وقت من ليل او نهار، ثم اصبح اعلاميا ثوريا يشاد بوطنيته حاليا).
خامسا- ليس مستغربا ان تكون المرأة والاقليات العرقية في صدارة ضحايا هذا المشهد الاعلام البائس، الذي لا يكتفي باهمال حقوقهم والتعتيم على معاناتهم، لكنه يعمل على تشويه صورتهم بشكل يصل الى الاغتيال المعنوي الكامل، في دعوة علنية لاستهدافهم. والامثلة كثير لا يتسع لها المجال، واكتفي منها بحديث المدعو (ابو اسلام) الشهير في احدى القنوات الفضائية الذي اعتبر فيه ‘ان اي امرأة تشارك في مظاهرة بميدان التحرير هي اما مطلقة او ارملة او نصرانية، هي في الحقيقة ذهبت تبحث عمن يغتصبها'(..).
سادسا- تستفيد الطائفية الاعلامية بشكل كبير من حالة من ‘ضعف الذاكرة الجمعية’ عند المتلقين، اذ نرى مذيعين او صحافيين صنعوا اسماءهم من نفاق انظمة وزعماء لسنوات طويلة، وعندما قامت الثورة سارع هؤلاء الى اعادة تقديم انفسهم على انهم من رموزها. وينطبق الامر كذلك على فضائيات امضت سنوات في مهاجمة انظمة بعينها، وعندما حصلت تسويات سياسية معينة، توقفت فجأة عن الاشارة اليها بكلمة نقد واضحة، من دون ان تحترم مشاهديها بكلمة لتفسير الانقلاب في موقفها، رغم ان سجل تلك الانظمة التي كانت تنتقدها ربما ازداد سوادا عما كان في الماضي، حسب المنظمات الحقوقية الدولية.
واخيرا فمن المؤسف حقا، ان الاثير العربي المصطخب بالحروب والملاسنات والصراعات الامنية والسياسية والدينية تحول الى بيئة مسمومة من الكراهية والتحريض تعمد الى تقويض الرسالة الاعلامية الاصيلة التي تقوم على حق المتلقي في معرفة الحقيقة. وهذا نذير شؤم لما يمكن ان تسفر عنه بالنسبة لكافة الاطراف.
ويبقى الامل في ‘ربيع اعلامي عربي’ يثور فيه المتلقون بمقاطعة وسائل الاعلام تلك التي تبتزهم باسم الطائفة، سواء الايديولوجية او السياسية.
‘ كاتب من اسرة ‘القدس العربي’