عوض بريومما أخطر أن نؤمن أننا نعرف ماهو الفن ونعرف كيف نميّزه عن اللا فن، وما أخطر أن ندّعي أننا نعرف ماهو جميل وماهو قبيح ونوهم أنفسنا أننا قادرون على أن نرسم الخط الفاصل بينهما في يقينية لاتخطئ. يخيّل إليّ أن من يجاهر بإيمان كهذا إنما يضع نفسه مختارا في متاهة لا يفضي به السير في دهاليزها إلاّ الى التكرار والعودة الى نقطة البدء. كثيرا ما أفكر في هذا الأمر وأنا أعقد المقارنات بين واقع الفن المعاصر وبعض النصوص النقدية العربية المعاصرة. وأنا أعني هنا تلك النصوص التي تتميز بحرفيتها وقدرتها على محاورة القارئ على المستويين اللغوي والموضوعاتي. ولا أكترث بالضرورة بما هو دون ذلك. والأمر الذي يشغلني عند عقد بعض تلك المقارنات هو الخطاب الذي يبدو وكأنه يعتمد مبدأ الوصاية على الذائقة الفنية. وهو خطاب يشبه الى حد كبير الخطاب الديني والسياسي الشمولي الذي يحلو له ان يملي علينا كيف ننتج فنا يستجيب لذائقته في تجاهل غير مبرر للفضاء الحر الذي يتحرك فيه الفن المعاصر. ولربما يعيد هذا ذاكرتنا الى مناخات الواقعية الاشتراكية التي ربما قدمت فنا مازال مؤثرا ولكنها في جانبها المظلم كبحت جماح جيل من المجددين الروس الذين نزح بعضهم الى الغرب الأوروبي وترك بصمات لا يمكن تجاهلها ككاندنسكي وشاغال وغابو ومات بعضهم كمدا كمالفيتش مع فارق ضئيل وهو أن المناخ السياسي والثقافي في العالم العربي لا يحتفي بالفن أصلا، والجدل الثقافي العربي هو في تقاطع شبه أزلي مع ماهو ديني وهو ما لا يضع وزنا للفن في المقام الأول. في الجانب الآخر فإن البلاشفة الروس كانوا محكومين بتراث فني هو امتداد للتقاليد الفنية الاوروبية في جميع مراحلها.
الفن واللا فن، الجمال والقبح هي ثنائيات ما زالت تتثير الكثير من الأسئلة، وقد قيل وكتب عنها الكثير. والفن المعاصر منذ القطيعة التي أوجدها في سلسلة تطور الفن الاوروبي أو الغربي بما هو تعبير صادق للعالم كما تدركه عين الفنان (البريئة)، بحسب تعبير غومبرتش، قد قلب ميزان الذائقة رأسا على عقب وشكك بالمسلمات الجمالية التي اعتنقها الفنان الغربي لعصور طويلة. وعلى طول الإمتداد الجغرافي للعالم وضمن سياق تاريخي واحد نجد شواهد بيّنة في أن الفنان في بيئات مختلفة أنتج فنونا تختلف جوهريا عن بعضها البعض، ويختلف حتى المتلقي المعاصر في مستوى إستجابته لتلك الأعمال وتصبح عندإذ معايير الجمال والقبح بكل ابعادها ودلالاتها لايقينية بل تؤدي الى حيرة مطلقة.
لعل ما يميز هذا العصر في ما يتعلق بالفنون هو التجاور الكبير بين العديد من الاساليب والتجارب الفنية. ولكثرة التجارب وتعددها تعددت صالات العرض الفنية وتخصصت في تقديمها للفنانين. فجولة سريعة في حي تشلسي المكتظ بالاصالات الفنية في مدينة نيويورك تأخذك من فضاء الى آخر في مذاق متداخل يحتفي بتعددية صريحة وصارخة تذوب معها الفوارق بين جميع أشكال التعبير، ويتعانق معها البصري والسمعي في فراغات تتقاطع فيها الدلالات لتشي برغبة قوية لسبر أغوار كوامن الإبداع في العقل البشري بعلاقته بواقع ديناميكي متحول متعدد المستويات والأبعاد. ولعل الجدل يتعمق ويتسع في تلك الفضاءات التي تبدو وكأنها تعيد صياغة الواقع ويدخل معها عندئذ سؤال الجمال في حوار مركّب مع مخرجات فكرية عدة أفرزتها تجليات النشاط الابداعي للإنسان عبر مراحل تطوره المختلفة. فالمفاهيمة على سبيل المثال، والتي قرأْتُ أحد النقاد العرب مؤخرا وهو يعلن براءة الفن منها، قد تعتّقت وشاخ شيوخها كأمثال كوسوث وبلودساري وغادر بعض أساطينها علمنا كسول لويت بعد أن فتحوا أفقا جديدا للفن يفضي الى فضاءات أرحب يتنفس فيها الفنان المعاصر. وحسْب أولائك أن طريقهم لم يكن معبدا بل مر عبر ذلك الصراع الازلي المحتدم بين القديم والجديد.
على الرغم من ميل الكثير من الفعاليات والأحداث الفنية الكبرى في العالم كدوكيومنتا والبيناليات المنتشرة في أرجاء المعمورة لمعانقة التجارب المغايرة غير المألوفة، نجد في الجانب الآخر فعاليات باهظة ترعى التجارب المحافظة التي تلتزم بتقاليد الفنون الجميلة من رسم ونحت كما أرستها المؤسسة الفنية الاكاديمية في الغرب. نحن إذا محظوظون جدا أن نعيش في زمن تتعايش فيه كل التيارات والاتجاهات في تنوع مذهل غير مسبوق. ولعله أمر يدعو الى الانتشاء والغبطة وليس العكس. بيد أنني أظن أن نبرة التشاؤم والإمتعاظ التي تشي به بعض كتابات النقاد العرب المشككين بنقاء سريرة الفن المعاصر سببها هو الاهتمام غير المسبوق بالمغاير والأكثر جدة على حساب التقليدي التي تبديها الهيئات الثقافية التي تستمد سلطانها من علاقتها المعقدة برؤوس الاموال. وعلى الرغم من أنه بديهي أن يثير الجديد عبر التاريخ جدلا دائما بين مؤيد ومعارض، إلاّ أن الأمر هنا يبدو وكأن أجندات غير معلنة تحرك مثل هذا النمط من الإنشطة وترسم ملامحه وأنه لا شأن للصراع الازلي والبديهي بين الجديد والقديم بها.
قد نتفق وقد نختلف في فهم وتحليل فكرة الأجندات غير المعلنة. ولكن ربما لا نختلف حول فكرة أن الفن يزدهر بازدهار الإقتصاد، فالعلاقة بينهما مركبة وإن كانت نسبية ولا تمس بالضرورة جوهر العملية الإبداعية للفن وظاهرة التذوق. ألفن في أبسط تجليات عناصره هو فنان وعمل فني ومتذوق، وما عدا ذلك ماهي الاّ إضافات قد تظهر وقد تختفي بما في ذلك المقتنين والمؤسسات الداعمة والتي تققف وراءها أموال كبيرة وأجندات لايحيط بها في الغالب حتى أصحاب تلك الأموال، فهي من التعقيد بحيث يختلف المتخصصون في شؤون الفن حول طبيعتها، ويؤثر بعضهم تجنب الحديث عنها. فهي وإن كانت تتكئ على الفن إلاّ أن ماهو فني فيها ضئيل للغاية. فليس دائما مايعني الإقتناء تذوقا، فالاقتناء هو نشاط تحكمه قوانين معينة يتم غالبا الإلتزام بها على نحو صارم. وباعتباره ظاهرة اقتصادية وفنية في آن، فإن الإقتناء بحجمه الكبير يتم عبرمؤسسات إستشارية متخصصة تعتمد في اختيارها للأعمال الفنية الى الكثير من المعطيات منها شهرة الفنان وطبيعة السياسة الاقتنائية للمقتني بالإضافة الى اعتبارات معرفية وسياسية واجتماعية أخرى، وبذلك لا تحظى بالضرورة جودة العمل الفني وأصالته بأهمية كبيرة في تلك اللحظة الاقتنائية المحكومة بالمعطيات التي ذكرتها. قد يحتاج الفن الى رؤوس الاموال الكبيرة ليكون قويا ومؤثرا وربما سلطويا أيضا، ولكنه لايستمد وجوده من روؤس الأموال الكبيرة تلك. وكلنا يعرف أن المتاحف وصالات العرض هي ظاهرة غربية النشأة أصبحت عالمية التأثر بعد أن تطورت ضمن سياقات تاريخية معينة ولا تعني بالضرورة البيئة الوحيدة التي ينمو ويترعرع فيها الفن. الفن هو نشاط مارسه الإنسان قبل أن يعرف المتاحف وصالات العرض والبيناليات وما إلى ذلك من الفعاليات، ومارسته شعوب وأمم لم تعرف المتاحف عندما عرفته أوروبا. حتى في العالم الغربي اليوم والتي نشأت وازدهرت في بيئته هذه الظاهرة بدأت بوادر التمرد على هذا الشكل من العرض والتقديم للفن في محاولة للبحث عن وسائط جديدة يتجسد فيها الترابط بين العمل الفني والمتلقي علي نحو مختلف.
في ظل هذا الجو التعددي والذي يدخل الفن ضمنه في علاقة عابرة للتخصصات والتفرعات نجد أنفسنا إزاء حالة مركّبة ترتبط فبها ذائقتنا الفنية بالعديد من المؤثرات. ولا أظن أن فرض الوصاية على الذائقه عبر النقد في جو كهذا سيكون مجديا، بل على العكس سيؤدي حتما الى إضعاف علاقتنا بالفن. فما أحوجنا الى إغناء هذه العلاقة عبر الانفتاح والقبول وليس الانغلاق والرفض. *رسام وأستاذ فن من اليمن يقيم في الولايات المتحدة