نصر شمالي في نهاية العقد الأول من هذا القرن يفترض أن تقوم مختلف الأطراف الدولية بمراجعة الحسابات التي وضعتها في بداياته. وهنا، في هذا الحيّز الضيّق، سوف نقتصر على الإشارة إلى بعض الحسابات الرئيسية التي وضعتها المركزية الدولية الغربية، والتي نهضت على أساسها استراتيجيتها لإحكام سيطرتها على العالم في القرن الحادي والعشرين، ومن ثمّ الإشارة إلى ما آلت إليه حساباتها. لقد تطلّعت الديكتاتورية الأمريكية، ممثلة بالمحافظين الجدد الصهاينة الذين تسلّموا السلطة في بداية العقد المنتهي، إلى جعل القرن الحادي والعشرين أمريكياً خالصاً. وبالطبع لم يستطع الحلفاء الغربيون سوى مجاراتها في تطلعها، فانطلقت مؤتمرات العولمة، في دافوس وغيرها، تعمل على هذا الأساس طيلة النصف الأول من العقد الأول الذي بلغ نهايته قبل أيام. وقد اصطلح على تقسيم القرن الحادي والعشرين إلى ثلاثة أقسام، أو مراحل: المرحلة الأولى تشمل ربعه الأول، أي حتى عام 2025، والثانية تشمل نصفه الأول، من 2001 إلى 2050، والثالثة تشمل نصفه الثاني، من 2050 إلى 2100. إنّ الضرورات العملية الموضوعية هي التي اقتضت لجوء الاحتكاريين إلى ذلك التقسيم، فالربع الأول من القرن يمكن أن يخضع سلفاً للدراسات والحسابات، والاستنتاجات الرقمية التفصيلية، بصدد ثروات العالم الأساسية وتوجهاتها ومآلها. أمّا النصف الأول من القرن، عموماً، فإنّ الحسابات والاستنتاجات تغدو إجمالية غير مفصلة، وعامة غير محدّدة. وأمّا النصف الثاني من القرن فإنه يغدو مجرّد أفق ينشدونه، غير أنّ الديكتاتورية الأمريكية، على الرغم من غرورها وصلفها وجبروتها، بدت حذرة، بل قلقة وهي تضع حساباتها واستنتاجاتها الرقمية التفصيلية بصدد الربع الأول من القرن الجديد، لقد تطلّعت بجدّية إلى احتمالات النمو الحرّ المستقلّ في بعض البلدان التي تتميّز بكثافة سكانية عالية، مثل الصين والهند والبرازيل وروسيا. وكانت التوقعات الحسابية تقول انّ البرازيل، مثلاً، في الأحوال العادية، سوف تتخطى الاقتصاد الإيطالي بحلول عام 2025، وسوف تتخطى فرنسا بحلول عام 2031، أمّا روسيا فسوف تتخطى بريطانيا في عام 2027، وألمانيا في عام 2028، أي أنّ أوروبا الغربية عموماً سوف تتراجع أمام تقدّم الدول الصاعدة، فماذا عن الولايات المتحدة؟
لقد كانت واشنطن، بقيادة المحافظين الجدد الصهاينة، تضمر انقلاباً دولياً يمكن أن يقلب الأوضاع العالمية رأساً على عقب، لصالحها وعلى مدى القرن العشرين، وهو الانقلاب الذي تقرّر أن ينطلق من العراق، حيث بحر النفط العظيم، ليشمل ‘الشرق الأوسط’ الجديد الكبير، الممتدّ من بحر قزوين إلى المحيط الأطلسي. إنّ السيطرة مباشرة وبإحكام على هذه المنطقة، أي على معظم مصادر الطاقة في العالم، سوف تلجــــم وتقيّد تمـــاماً أيّاً من الدول الناهضة والصاعدة، وسوف تبقي زمام العالم في قبضة واشنطن.
كانت الحسابات الرقمية والاستنتاجات الموضوعية عن النموّ المتوقّع للدول الناهضة تؤخذ كما هي حقاً، على محمل الجدّ تماماً، حتى أنّ التقديرات المعترف بها كانت تقول بأنّ الصين سوف تتفوّق اقتصادياً على اليابان، ومن المحتمل أن تتفوّق على الولايات المتحدة، لكنّ الديكتاتورية الأمريكية كانت مصمّمة على إيقاف التطور التاريخي الطبيعي الدولي، بالانقلاب عليه في إحدى أهمّ حلقات السلسلة العالمية، وأضعفها في الوقت نفسه، أي في المنطقة العربية ـ الإسلامية. وما الذي سيمنع أو يعيق انقلابها؟ هل هي الأمة العربية مثلاً؟ صحيح أنّها تعدّ أكثر من ثلاثمئة مليون نسمة، أي ما يفوق عدد سكان كلّ من روسيا والبرازيل معاً، غير أنّ هذا الرقم العربي الإجمالي، ليس سوى صفر على الشمال في ظلّ التجزئة التي يكرسّها النظام الرسمي ويحرسها. إنّ هذا الرقم ينتظر القيادة العربية الحرّة التي سوف تنقله إلى اليمين.
في مطلع العقد الأول من القرن، الذي انتهى قبل أيام، تعمّقت الديكتاتورية الدولية في حساباتها واستنتاجاتها الرقمية، في ما يتعلّق بالطاقة خصوصاً، واستناداً إلى وكالة الطاقة الأمريكية توقعت أنّ المعدّل الإجمالي لتجارة النفط الدولية سوف يزيد من 32 مليون برميل يومياً في العام 2000 إلى 42 مليوناً في العام 2010، إلى أكثر من 66 مليوناً في العام 2030. وتوقعت أنّ صادرات الشرق الأوسط (من دون المغرب العربي) سوف ترتفع من 19 مليوناً عام 2000 إلى 46 مليوناً عام 2030 (إضافة إلى أنها ستبقى الصادرات الأطول مدى) أي أنّها ستؤمّن 70 في المئة من المعدّل الإجمالي لتجارة النفط العالمية، التي ستبلغ أكثر من 66 مليون برميل يومياً عام 2030، فإذا أضيفت إليها صادرات المغرب بلغت 76 في المئة من المعدّل الإجمالي الدولي. ومن هذه الزاوية النفطية ينبغي النظر إلى ما آلت إليه أوضاع العراق اليوم، لقد تقرّر احتلال العراق، بناءً على هذه الأسس، منذ ما قبل بداية القرن الجديد بسنوات طويلة، وكان المقرّر أن تتواصل عمليات السيطرة بالراحة (مثل نزهة) على بقية بلدان المنطقة، وأن تجري عمليات تجزئتها إلى عشرات الدويلات، كما حدث في يوغوسلافيا، بل كان مقرّراً تجزئة دول العالم عموماً لتصبح آلاف الدويلات، بما فيها روسيا والهند والصين، غير أنّ العمليات العسكرية الأمريكية ـ الأطلسية انتكست في العراق بفضل المقاومة، في المحطة الأولى وفي الأشهر الأولى، ثمّ انتكست في لبنان وفي فلسطين (غزّة) بفضل المقاومة أيضاً، فتلاشت الأهداف الدولية العظمى لتلك العمليات، بسبب ما ترتّب على الانتكاسة من اضطرابات أمريكية كبرى، عسكرية واقتصادية ومالية، وجاء ذلك في صالح الدول الناهضة والصاعدة، التي فرضت وجودها بقوة في مجموعة الدول العشرين، متخطية لأول مرة مجموعة الدول الثرية الاحتكارية الغربية.
لقد انهار البعد الدولي من الاستراتيجية الأمريكية التي بدأ تنفيذها في مطلع العقد المنـــــصرم، لكنّ واشنطن ما زالت تواصل محاولاتها لتحقيق بعض من أهـــــدافها المتعــــلقة بالبلاد العربية خصــــوصاً والإسلامية عموماً، كما نرى في السودان واليمن وأفغانستان وغيرها. ويبدو العرب اليوم كأنهم الخاسر الأوحد في هذا العقد، على الرغم من تضحياتهم التي يعود الفضل إليها في تبلور مجموعة الدول العشرين، اللهم إلاّ إذا كانت مقاوماتهم غير الرسمية أصبحت راسخة، وغير قابلة للانكفاء، وقادرة على التطور، حيث إذا كان حالها كذلك فهو الإرهاص الذي يبشّر بقرب نهوض الأمة وتوحّدها وتحقيق حضورها الأممي اللائق. ‘ كاتب سوري