رامي عبودغاليليو .. أيها الفلكي المهرطق، الحكيم، الأحمق ، العالِم، المشعوذ، العلماني، الزنديق، الفيلسوف، الـمُحدِث، المبدع، المجدِّف، المبجَّلالمتمرِّد على نظريات الأولينالمتعدِّي على حديقة الإنسان الأفقيةسجَّان البشرية بين قضبان الأرض المستديرةبغير نقطة انتهاء ولا اهتداء ولا مهرب كمثلِ ذُبَابِ التجارب ..يتكاثر اعتباطيا في بلّورة زجاجية ..انتظارا للحظة حاسمة ..حيث تُسكب على أجنحته المتراصة فوق بعضها البعض ..تركيبةٌ جديدةٌ لمبيد حشريٍ أنيق المظهر يضمن مزيداً من لذِّة الارتواء لمن يحلِبون الأرضغاليليو .. أيها الفلكي المتغطرسألا تُخبر أن الأرض لم تكن أبدا كروية ..؟!ألا أراق الجلادون خطيئتك العلمية على صفحة العدم ..؟!غاليليو .. دعكَ من جنونك السماوي تخلّ عن ذاك السخف العلميتحلّ ببعض الشجاعةوأعِدْ حساباتك الفلكية أو الفيزيائية أو الرياضية أو الخرافية ..!اركع للأساقفة أو الكاردينالات أو الباباوات أو البطاركة أو القساوسة أو المشايخ أو الحاخامات أو الأحبار .. أو الحمارقلّ لهم إنها زلة عقل أو زلة لسان بل قلّ لهم إنها زلة الزلاتقلّ لهم إن الأرض ممتدة كساحات المعاركقلّ لهم إن الله أوجدها سطحيَّةً .. أقصد مُسَّطحةً منذ فجر الخليقةلها في كل طرفٍ هاويةنلقى عندها أوهامنا وأحلامنا وأمانينا ومشاعرنا وأفكارنا وثوابتنا ومبادئنا وقلوبنا ونظرياتنا ..بل وفي بعض الأحيان أجسادنا كمن يُنحِّى قطعه الخاسرةِ عن مربعات الشطرنجأو يحني انتصابها المزعومقلّ لهم إن الأرض ثابتةٌ، لا تدور ..قلّ لهم أن قد أنهكتنا أبدية الدُوار .. أقصد الدوران في مدارات مُفرغة بلا هوية ولا وجهة حيث يكرر التاريخ أدواره الدرامية المملّة على شاشة الحياة الضيقةقلّ لهم إن الأرض مُثلَّثة أو مستطيلة أو مربعة أو مُدقِعة ..زواياها مكسورة ..وخطوطها مَـحنِيَّة .. أقصد مُنحَنِيَةغاليليو .. أعِد تسمية نظريتك البوهيمية هذهربما يجدر بك أن تُطلق عليها ‘نظرية الهاوية’ألا يبدو هذا الاسم أكثرَ مَكراً وخِداعاً لرجال الكنيسة ..؟!أليست الهاوية ثغرة الفِكَاك ..؟!بل هي مدىً آخر مخضَّبٌ بالشغف وروح المغامرةوموقعٌ أرضيٌ مثاليٌ لانتحار الأحلام عند سَفحِ الفضاء المثيرعلّها تفيق لحظة الصعود .. أقصد السقوط على دوي السكون الآسر يحِفُّ بأطراف ثيابها المتهتكوتدرك أنها غير مرحبٍّ بها على الأرضتماما كما بذور الحياة الهالكة تهوي في أجساد العاهرات ولكن ..كيف الفِكاك ونحن محاصرون بهذا الكم الهائل من مَسَابِير الفضاء ..؟!تَرقب ُكل همسةٍ أو لمسةٍ أو نظرةٍ أو حركةٍ أو فكرةٍ أو كلمةٍ أو فكاهةٍ أو إيماءةٍ أو صفعةٍ أو حذلقةٍ أو فذلكةٍ بل ربما تسبر أغوار لقاءاتنا الحمِيمِيَّةِ بين الحين والآخروتعُدُّ علينا أنفاسنا : فهذه خمسمائة وأربعة وثلاثون نَفَسٌ أخرى أعرناها إياه اليوم .. إذاً يبقى له في ذمتنا مثلها ليوم آخر .. وحشرجتان لو أحسن التصرف!غاليليو .. دعك من ‘كوبرنيكوس’ .. هذا الذي أفسد عليك عقلكانجُ بنفسك أيها الطائشكيِّل له السِباب العلني على مشهد من نبلاء العصر ووجهاء القصرقلّ مثلا : ‘كوبرنيكوس يا وِش النملة .. من قالك تِعمل دِي العَملة’ثم قلّ لنا إن الأرض هي مركز الكون وابنة الإله المدللةإن الشمس جاريتها وحائكتها الصباحية وجليستها المفضلةإن القمر عبدها الأبيض ومهرجها في المساءإن النجوم فتيات تتهزهز في حَرَمْلِك فلكها الزيزفونيإن منتهاها المنحدر ..هو صخرة الخلاص ..وملاذ العاشق حين يملّ العيش بين قضبانها اللانهائية الالتفافغاليليو .. أي شيطان أحمق تَلَبَّسك ..؟!عُدْ لرشدك في التو وأعلن توبتك على الملأأو انتظر لأربعة قرون أخرى ..كي تبدي الكنيسة اعتذارها عن جرمٍ اقترفْتَهُ ‘أنت’ في حقها ..!المجد لمحاكم التفتيش *شاعر من مصر qad