محمد نعيم فرحات
لم نر السيدة فيروز كامرأة وصوت وإبداع وحسب، بل لطالما أحسسنا بها طيفاً من روح وجمال يتصعد منا ونصعد به ويأخذنا لعوالمه ويعيدنا لأنفسنا سالمين ومختلفين مزودين بقوة تحملنا علي اكف من نشيد.
ولطالما شعر كل واحد منا علي نحو يخصه، بأن فيروز وعالمها المكتمل غنائياً، هي مرفأ لهوية جمالية حضارية وثقافية حية، وسند وزاد وامتلاء برمزية خاصة ونادرة، ومقاومة من أجل الجمال والبهاء والعلو والتخلق والإبداع، وضد الرداءة وبشاعة الواقع، واعتراف عالٍ بالحب والضباب والندي والعبق. لقد ساعدتنا فيروز دائماً علي إعادة اكتشاف أنفسنا وواقعنا ووجودنا من خلال عظمة الفن وعثرنا علي أنفسنا علي نحو صافٍ في صدي الصوت والكلمات والترانيم، وصعدنا معها إلي آفاق الجمال والمعني.
ودون أن نري فيروز عن كثب، ونعرفها، كانت من أعز الناس الذين أقاموا في أرواحنا وأرجائنا وذاكرتنا وأعادتنا إلي أنفسنا في الغربة والوحشة، وعند الغياب وفي الوجع والمأساة والرحيل. وكانت هناك فينا، عندما كنا نتحقق ونتألق ونحب ونتخيل، فيروز من أجمل العبق الذي اخترق صباحاتنا ولم يكن بمقدورنا يوماً تجاهل صدي ترانيمها وصوتها القادم من كل صوب، وكم حمتنا من أنفسنا وما يقض المضاجع في الوجود، ودلتنا علي خيار آخر ومقاربة أخري، وكم أعادتنا عن حواف الفقر الروحي والبؤس واليأس والقنوط والإحباط وسلمتنا إلي أرض المعاني وزودتنا بالتوق إلي الحياة. لقد كانت فيروز مقاومة في أعمق معانيها وأرفعها.
وفيرز التي كانت تعطي للعادي جلالة المعني الرفيع، والتي كانت تحضر كياناً أو صوتاً أو الاثنين معا، كرمز وكملكة لها جيش من صوت وبهاء يصل إلي حيث لا تصل الجيوش، وتسبينا علي نحو منشود كما لا تستطيع فيالق الأباطرة العتاة أن تفعل، استحقت السيادة علي عروش قلوبنا، قلوبنا التي دخلت حيز الامتثال راغبة وباسمة وراضية وساعية وباحثة في صدي صوتها وجمالاتها وعوالمها. وطوبي لمن أعادتنا لبراءة أولي وصفاء ثمين….. وفي هذه اللحظات المليئة بالخطر والوعد، والعدوان والمقاومة، والخوف والرهان، والبطولة والخيانة، والحياة والموت، والثبات والتشرد، والبسالة والنذالة، والبشاعة والصمود والبقاء والذهاب، نحتاج لفيروز ولإطلالتها، لمعناها، ولمجد حضورها وقيامها فينا.
نحتاج لإطلالة فيروز وقيامها من علي شرفة المنزل أو في ناصية شارع ما أو في ساحة عامة، فوق أنقاض جسر تدمر، علي حافة بحر يحاول الغزاة أسره، بين وجعين أو قذيفتين، في صباح باكر، أو عند الظهيرة أو بعد هطول المساء والغارات. في أي وقت وكيفما شاءت فيروز…. إننا نحتاج لها كنصر محقق بمحض ظهورها في وجه الدمار والموت والطغاة القاصرين. فيروز سليلة الأصل الطيب الباقي في أرض لبنان وبر الشام والهلال الخصيب وأمة العرب، نحتاج لصوتك وحضورك وحشد الطمأنينة و الوعد الجميل الكامن فيك…. وحتي يعلم الغزاة بأن لدينا جبهات كاملة لا ننكسر فيها وليست قابلة للكسر.
كاتب وأستاذ جامعي من فلسطين