في هذه الرواية إمعانٌ في أنسنة الإنسان باب الحيرة … رواية الجيل المصاب بالأسئلة !

حجم الخط
0

في هذه الرواية إمعانٌ في أنسنة الإنسان باب الحيرة … رواية الجيل المصاب بالأسئلة !

ابراهيم جابر ابراهيمفي هذه الرواية إمعانٌ في أنسنة الإنسان باب الحيرة … رواية الجيل المصاب بالأسئلة !منذ سنوات لم يصدر في عمان كتاب بهذه الدرجة من الإدهاش : إنْ علي مستوي الفكرة ، أو الحنكة في ادارة الشخوص والأحداث ، ورسم المسارات لتنامي الجدل والحوارات والمونولوغات بدراية ونضج ذهني عال !إنه كتاب ” يحيي القيسي ” أو روايته الأولي ” باب الحيرة ” .. الذي ينقلك بخفة الطائر من أعلي ذري التهتك إلي أقصي حالات الوجد الصوفي !!والقاريء ، إذ ينهمك في الرواية ، لا يستشعر أي انتقال حاد ، أو هوّة بين الفكرتين ، رغم ما يفرضه المنطق من جفاء ، إلا أن براعة الراوي جعلت هذا الانتقال يبدو في أغلب الأحيان منطقياً ومتسلسلاً ، إن لم نجنح للمبالغة ونقول أنه كان مطلوباً وضرورياً لتحقيق نوعٍ من الدعة والركون الي ملاذ روحي وعقلي .. كان يتطلبه القلق الذي يتلبس القاريء ، والكاتب علي حد سواء !في هذه الرواية ثمة مزيج مدهش بين : الكفر والإيمان ، الزندقة والورع ، الحداثة والموروث ، الشرق والفرانكفونية ، الشك المدمر واليقين حدّ التصوف ، الحاضرالمصاب بالانحطاط والماضي المزركش بالفتوحات ، الابتذال في اللغة ثم موسقتها حدّ الشعر ، … ويبدو تجاور هذه المتناقضات جميعها مفهوماً تماماً ، ومتفهّماً ، فهي كلها مكونات القلق الوجودي لدي الفرد المعاصر ؛ علي اختلاف مرجعياته ، وهي هنا تعبير غير متكلف عما يتداول روح ( بطل الرواية ) ، ويعصف بها ، من انشداد لايمانه المتوارث أو الاستسلام للشك الذي يلوب في داخله !يصرخ بطل الرواية في ساعة تيه :( أنا ظاميء رغم كل ما شربت .. ! جائع رغم كل ما أكلت .. ! عريان رغم كل ما لبست .. ! تائه رغم كل ما وجدت .. !أريدكِ أنتِ أنتِ وليس ظلالك .. !!فأينك … وأيني … وأين الأين .. !!وماذا بعد كل ما رأيت …م … ا …. ذ …ا …. ……………………. ب ….. ع …..د …. ؟ ) فيهتف به صوتٌ” أمرٌ كان محبتي لك وأمرٌ يكون تراني وأمرٌ لا يكون لا تعرفني معرفةً أبداً .. ” .والحوار هنا ليس مع امرأة وإن تماهي بها حدّ التوحد ، وإن وضع علامة ( الكسرة ) تحت ( كاف ) أريدكِ ، و( تاء ) أنتِ ، فهو حوارمبعثه الوله والافتتان بالغائب / الحاضر الذي لشدة الايمان به يترجّي الراويُ هنا أن يطمئن الي وجوده ، ويتشهّي علامات ذلك ، وهو هنا لا يطلبه لشك بقدر ما هو كَلفٌ وولهٌ وحنينٌ فاض عن احتمال المحب ؛ فحين يتعاظم الشوق فإنه لا يطفئه سوي لثم وتقبيل المشوق للشائق ! ( 2 )هي رواية الجرأة .. !ففي جيلنا ، الذي ولد وسط سلسلة هزائم ، كان الشك دائماً يتعاظم : الشك بالله ، بالوطن ، بالتاريخ الذي ألقمناه كمسلّمات ، وبجدارة اولئك الذين يقدمون لنا معارفهم علي أنها لا يأتيها باطل من أي جهاتها ، … هذه الشكوك وجدت مناخاً خصباً للنمو في مستنقعات الاحباط والخسائر والانكسارات ،فالهزيمة هي التي تدفع صاحبها للتفكر والتدبر ، والتساؤل عن جدوي تلك الايقونات التي لم تحفظه أو تنصره !فالشك لم يكن عارماً من قبل ، بل ان قيس حوران بطل هذه الرواية كان بخلاف ذلك ، فها هو يصف ما أصابه بالقول : ( أنا كنت أصلي الصبح جماعةً ، فما بالك بالصلوات النهارية ، قبل أن تدمر القراءات والنقاشات الجدلية طمأنينتي الهشّة … ، وقعت الدولة اتفاقية سلام … وانا أحسست حينها أن كل شيء راح هباء منثوراً ، وكأنهم ضحكوا علينا ….. قتلتنا العواطف والخطب والأدعية المجترة ..بس والله العظيم أنا نفسي ما عدت أفهم شيئا !! ) .هذه النكسات المتتالية التي تعرض لها جيلنا / جيل القيسي جعلت الشك يأكل عقله ، وينخر في ايمانه كالدود ، فالدين لم يقف حائلاً ، وكذا التاريخ المحصن بالفتوحات ، وتورم الخيلاء المصابة به القبيلة ، ولا ” ماركس ” الذي لاذت به الأجيال ردحاً طويلاً ، … كل ذلك لم ينفع أمام تطور تكنولوجي و عسكري جعلنا نتجرع العار تلو العار ، فكان طبيعياً ان نكون جيلاً مصاباً بالأسئلة !الهشاشة هذه ، التي صارت مرض مثقفي الجيل ، بل حتي صغار متعلميه ، صنعت الملايين من ( قيس حوران ) الذين تفرقوا في الأصقاع تحت عناوين مختلفة : الدراسة في الخارج ، الهجرة ، العمل ، البحث عن فرصة .. لكنهم في الحقيقة كانوا جميعاً يسعون خلف إجابة واحدة ؛ اليقين !!البحث عمّا يسند الروح ، ويشدُّ من أزرها ، ولم تتورع الأسئلة إذ ذاك عن نهش كل المسلّمات ، بما فيها ذات القماش السميك ؛ كوجود الله مثلاً !وفي الغالب ، كان قيس حوران ، الذي هو يحيي القيسي ، أو أي واحد من الجيل المنكود ، يخوض حوارات الجدل والايمان منحازا في لا وعيه ، واحياناً في وعيه ، لانتصار فكرة اللاهوت ، وتفوق الدين ، فهو يملك الكثير من الاحترام المتوارث لهذا الايمان ويريده أن يكون هو الفائز بـ ” عقله ” ، لكنه يحب له أن يفوز بالإقناع لا بحكم المحبة و ” العشرة ” !!لكن المواضعات الاجتماعية كانت تجعل الكثيرين يفضلون كتم شكوكهم هذه ؛ إما لما ستجرّه عليهم من مساءلات المرجعيات كافة ، أو لأنهم أحبوا الظهور بمظهر الواثق القوي رغم أن ساقيه تصطكّان تحته لشدة ما يتناهشه من ظنون !لماذا نتحدث عن الأمر بصيغة الماضي ؟!فالشكوك تتعاظم في هذا الزمان ، أكثر ؛ ربما لأن الهزائم صارت أكثر ..وحمأة الأسئلة الآن في ذروة فورانها .ومن الجرأة أن يكتب الآن ” يحيي ” ما كتب . ( 3 )لستُ هنا أقدم نقداً ممنهجاً ، بقدر ما أتحدث عن رواية حميمة ؛ تجعلك تحتفظ لها بمحبةٍ طاغية !وينتاب أبناء جيل القيسي حين قراءتها شعور يشبه كما لو أنهم يقلبون أوراقهم الشخصية … أوالغيرة إذ لم يؤتوا من البديع والبيان ما أوتي .. ليسجل اشواق قلبه ، وتدبّر عقله !والرواية هنا ليست تنطوي فقط علي هذا السؤال الإيماني ، إنما تتطرق أيضاً الي الهزائم التي طالت الأمة بل والهزيمة التي طالت مشروعها للنجاة ، حين أخطأت الثورات طريقها فلم تختلف كثيراً عن الأنظمة فرغم ( أن الثورات تأكل ابناءها في العادة ، لكن الأبناء هنا هم الذين أكلوا الثورة ) ، كما تأتي علي ذكريات وتفاصيل وحكايا من وعن زمان الاندلس ، وعن المجتمع الاردني في نهايات الستينات واول السبعينات ، وعن مكونات هذا المجتمع وينابيع ثقافته الجمعية ، والمدهش في هذهالرواية قدرتها الغريبة علي حشد عصورمتعددة بثقافاتها ولغاتها وعاداتها وخزعبلاتها وعلمائها ومجونها ووضعهم في حوارات ومحاججات لم تخرج عن لغة الرواية وشروطها ، ولم تنؤ بها البنية الفنية للعمل ، والأهم قدرة الراوي علي التملص من شبهة أن ينحاز الي فكرة دون أخري ، فبقدر ما كان يعبر عن حيرة الفرد واضطرابه إلا أن تلك الحيرة لم تصب صدقية الاقتباس والتضمين ، وأفسحت للرواية أن تحتفي بأسباب الشك قدر احتفائها بأسباب اليقين . ( 4 ).. ” كانت الأمور كلها صافيةً مثل فلق الصبح ” !هنا رثاء لزمن اليقين ؛ حين الشكوك لم تكن قد انتابت أحداً ؛ وكانت الأمور لم تصب بالإلتباس بعد ،وكانت ( الكلمات بيضاء ومحايدة ولا ذنب لها ) قبل أن ( نلوثها بنوايانا الفاسدة ) ، لمّا كان ( قيس حوران ) يصوغ هو تاريخه ؛ لا أن يفاجأ به يتلي علي شاشة التلفزيون ! وليس من ساذج التكرار ، أو سيئه غير المدروس أن مرّت الرواية علي أحزان الأندلسيات وعويلهن ، أو وعثاء اللجوء الفلسطيني وشتات العباد في البلاد ، ذلك أن المكوّن الثقافي والمعرفي للفرد العربي المعاصرلا يستوي كاملاً ، إلاّ أن يحوز مفردات تاريخه غير منقوصة ، وأن يتتبع بالدرس والتحقيق نوايا أجداده الذين هيأوا للهزيمة وصنعوا أسبابها ، فليس صحيحاً مثلاً أن المشارقة وحدهم من يحمل عار العرب كما توحي ضلالات السياسة ، غالباً ، وكما ألمحت ” هاديا ” التونسية بطلة الرواية بقولها ( انتو المشارقة حياتكو كلها حروب ) ، فهي حفيدة الموحدين والمرابطين ولها من التاريخ والمُلك المضاع ما كان لنا !وهنا تحضرني براعة الراوي ، المؤلف ، وتلميحاته ، في أن تحدث الرواية كاملة في شارع من مدينة ” تونس ” ، وليلةً علي شاطئها ، وساعةً في ساحة تمثال ” ابن خلدون ” ، فإقامته هناك أول التسعينات ليست الدافع الوحيد لذلك ؛ فقد كان يمكنه ( وهو يكتب روايته في عمان بعد ذلك بسنوات ) استحضار تلك الأماكن الي ” سهل حوران ” ؛ لكن هذه المماهاة بين المغرب والمشرق ؛ واستدعاءهما معا لإبتذال كل ما تواضعا ، أو تواطئا، دائماً علي صونه و تقديسه هي تقصّدٌ في تعميم الشكّ ليطال كامل الفكرة ؛ بأرضها الملموسة وليس مجرد ما حفظت منها الكتب ! … … … ….في هذه الرواية إمعانٌ في أنسنة الإنسان ؛ ذلك الذي تراوده الحماقات علي سجّاد الجامع ، أو ترتجف اعضاؤه هلعاً وهو في سرير” الذنوب ” ! قاص وصحفي من الأردن0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية