أخي المبدع نازك ضمرة
حزين انا لفراقك. لا أدري ماذا أقول في هذه المناسبة الأليمة.. الكلمات في هذه اللحظات تبدو تافهة وخرساء. أبدا لا يمكنها التعبير عن قوة وأثر الفقد. إنه فقد مضاعف. فقد الإنسان والأديب. فكيف للكلمات أن تجرؤ على التعبير على الفقدين معا بدون أن يصيبها العي.
لا أخفيك أيها العزيز، لقد أثرت في نفسي كثيرا دعواتك لي المتكررة لزيارة الأردن. وفي كل مرة أسعد بذلك، وأتحين الفرصة لتلبية الدعوة، ولولا ثقل التزامات الوظيفة لاستجبت منذ دعوتك الأولى، لكن للأسف الواجب يقيدنا ولا نستطيع أن نغمض أعيننا عنه ونمضي، بل لا بد أن نعطي لكل ذي حق حقه ولو على حساب ذواتنا ورغباتنا وطموحاتنا الشخصية.
كم أنا حزين حين أتذكر اتصالك بي قبل أيام، لتترك عندي مخطوط رواية. كم أسعدتني هذه الثقة، لكن أبدا لم أصدق أنك ستترجل عن صهوة الحياة بهذه السرعة، رغم إصرارك على القول بأن أيامك معنا معدودات، وأنك تغتنم ما فضل من وقت لتوديع الأصدقاء. لحظتها مازحتك قائلا، وكلي إيمان بما أقول، بأنك ما زلت معنا وسنبقى حتى تزورنا في المغرب، ونحتفل بك بما تستحقه، غير إنك على غير عادتك كنت حاسما وقلت متأثرا: «أشعر بالنهاية يا مصطفى، فإن استطعت إخراج الرواية للنور فسأكون سعيدا بذلك أينما كنت». حاولت أن أمتص بعضا من تشاؤمك، من خلال وعدي لك بأنك ستوقع روايتك في الدار البيضاء حين يتيسر الأمر، لكنك أصررت على وصيتك، وكأنك كنت على يقين بأنك تستبطئ الموت من أجل ذلك فقط.
أخي نازك ضمرة، وأنت حيث أنت، إعلم أنك تركت خلفك قلوبا منفطرة، ليست قلوب أسرتك وعائلتك فحسب، بل قلوب أصدقائك كذلك على امتداد الوطن العربي، هذا الوطن الذي كنت منشغلا بهمومه أيما انشغال، على الدوام كنت تطرح قضايا قومية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، طالبا من أصدقائك الأدباء المساهمة بإرائهم والكتابة عن القضية، وكنت حريصا على نبذ الفرقة وتدعو باستمرار لتوحدنا، فإن لم يستطع الساسة فعل ذلك فعلى الأقل يقوم بذلك الأدباء. لم يكن الأمر مجرد دعوة رومانسية، بل كان يعضدها العمل، كما كنت تتمنى، لذا حرصت على زيارة أكثر من قطر عربي، محاولا ربط أواصر الصداقة والمحبة والكلمة الطيبة مع الأدباء العرب، ولم تكن تبخل أبدا باقتراح مشاريع عمل أدبية، تتوخى من تنفيذها توثيق لحمة الاتصال والتواصل في ما بين الأدباء.
أخي نازك ضمرة.. رغم ظروف المهجر وأنت المقيم في الولايات المتحدة الأمريكية، التي ضمنت لك ولأسرتك ما تهفو إليه من عيش كريم، غير أنك ظللت تحمل صخرة الوطن، تمضي بها الهوينى بإصرار وشموخ، ولم يمنعك ثقل السنين ووطأة المرض، من أن تصمد أمام كل المثبطات، وتظل حتى آخر الرمق متمسكا بالأمل، الأمل بالغد الأفضل، الأمل في قوة الأدب وما يمكنه تحقيقه على أرض الواقع.
أخي نازك ضمرة.. نم مطمئنا، فحتى لو لم يتحقق كل ما حلمت به، فيكفيك فخرا أن اسمك يضاف إلى خيرة الأدباء الحالمين، الذين راهنوا على الأدب، في وقت أصبح الأدب نفسه موضع شك وتساؤل، في عالم مربك ومرتبك، يتغير بسرعة فائقة، أصابتنا وتصيبنا بالدوار، فلا نعرف ما نقدم ولا ما نؤخر.
أيها الأخ النبيل.
نم في سلام، ولك أيها الكريم الفردوس الذي تستحقه. متمنيا أن تهتم المؤسسات الثقافية في وطنك الأردن، وفي باقي الوطن العربي بأدبك المنشور وبمخطوطاتك التي تركتها خلفك. ففي ذلك رد لبعض الجميل لرجل حمل على كاهله، وفي سويداء قلبه هموم وطنه وأمته، وانتقل بها إلى حيث أتيح له أن يقيم، منافحا عنها بدون تهاون ولا تفريط.