في وداع جوزيف سماحة: زاوية تنطفئ من عقل الأمة!
عدلي صادقفي وداع جوزيف سماحة: زاوية تنطفئ من عقل الأمة!توقف نبض جوزيف سماحة، وتوقف قلمه. ومن حق هذا الكاتب الصحافي اللبناني، علينا، كفلسطينيين، أن نحزن لرحيله الفجائي، وأن نشارك في وداعه، في صحافتنا المعاصرة، التي تمثلت ملامح الصحافة اللبنانية القومية، المناصرة لفلسطين ولقضايا الأمة. ففي هذا الإطار، كان الراحل جوزيف، قد جعل وطننا وشعبنا، عنواناً لعروبته، وأرسي دعائم منهج رصين، في التحليل السياسي، يقدم انحيازه للأحرار وللمقاومين. بل إن جوزيف، قد توغل في عروبته، حتي شجّع بعض محبيه، علي تعريب اسمه، لمناداته بـ يوسف . فهو المحارب العربي أبو أميّة بالكلمة وبالفكرة، وبلغة ساحرة، ذات منطق يتغذي من ثقافة موسوعية، في الأدب، وفي التاريخ، كما في السياسة والاجتماع!لم يدع جوزيف حياته المهنية تمر، دون أن يلتحق كذلك بالصحافة الفلسطينية المهاجرة. فقد انضم الي مجلة اليوم السابع التي كانت تصدر من باريس، مديراً للتحرير، مع زميله السابق في السفير اللبنانية، بلال الحسن، رئيس تحريرها. ولعل من أنصع مآثر جوزيف، أثناء الحرب الأهلية اللبنانية، تحمله للمسؤولية، من خندق الحركة الوطنية والمقاومة، بإصدار صحيفة الوطن . فحيثما تكون هناك معركة، كان جوزيف يمتشق قلمه ليقاتل بضراوة، بينما هو القادر علي الهرب الي الأدب، والي البحث السياسي المعمق. فحتي الرمق الأخير، كان جوزيف، بكلمته المقروءة علي نطاق عربي واسع، يقاوم الحصار الذي فرضه الأمريكيون والمحتلون، علي الشعب الفلسطيني. وكعادته، كان الراحل مُنشئاً للأفكار الجديدة، حول أية قضية. فعن الحصار الظالم، ابتدع، منذ الشهر التالي للانتخابات التشريعية الفلسطينية، فكرة أن كسر العرب للحصار ليس فعل تضامن وأنما فعل مصلحة عربية باعتبار أن المسهمين في الحصار يسيئون لأنفسهم ولمكانات أقطارهم وأنظمتهم. وفي هذا السياق تساءل بعد الانتخابات مباشرة، فيما يشبه النبوءة المبكرة: هل يكون التجويع عقوبة الممارسة الديمقراطية، وهل يحتمل العالمان العربي والإسلامي، فضلاً عن القطاعات الديمقراطية، والمتنّورة، والإنسانية، في العالم كله، تجويع شعب بكامله، وإضافة هذا البُعد القمعي الجديد، والوحشي، علي الأبعاد الأخري الناجمة عن الاحتلال؟ . وفي تلك القراءة المبكرة للآتي من الأحداث، قال جوزيف إن حماس ستشكل حكومة السلطة الوطنية الفلسطينية، وستنفذ الحكومتان الأمريكية والإسرائيلية خطة موضوعة سلفاً، وعلي أعلي المستويات، من أجل تخريب الوضع، والدفع نحو انتخابات مبكرة، علي أمل إخضاع الشعب الفلسطيني، وإرغامه علي اختيار أكثرية أخري. فالأنباء المتسربة عن هذه الخطة، وفيرة: عودة الانتشار العسكري للاحتلال، وقف دخول العمالة، قطع بعض الخدمات، الامتناع عن تحويل الضرائب، القطيعة الدبلوماسية والسياسية، إلخ… باختصار إنها خطة عزل، وتجويع، وتقويض. وذلك كله من أجل تركيع الشعب الفلسطيني، ووضعه أمام خيار صعب، يقضي بالإتيان بقيادة بديلة، ترتضي التنازل عن قسم كبير من الضفة الغربية، ونسيان القدس، وإسقاط حق العودة، والارتضاء ببعض السيادة علي بعض الأرض لبعض الشعب… والأنكي من ذلك كله أن الاحتمال الأكثر ترجيحاً هو أن إسرائيل لن تفاوض هذه القيادة البديلة وستمضي في الخطوات الانفرادية !ولا ينساق جوزيف، في هذا الاتجاه التحليلي، مع الشهوة المستشرية، للتخوين ولأخذ الناس بالظنون، وبالجُزافي من الاتهامات، فيقول ـ متنبئاً أيضاً ـ وكان ذلك قبل أكثر من عام علي اتفاق مكة: تدل عقود الاحتلال المديدة، علي أن إسرائيل لم تنجح في إيجاد أي مرتكز محلي لوجودها. صحيح أنها تملك عملاء أفراداً ولكنها لا تملك طبقة سياسية عميلة. وعندما يختلف الفلسطينيون في ما بينهم، فإنهم يفعلون ذلك، أساساً، حول الوسائل لا حول الأهداف البعيدة. وتدرك إسرائيل هذه الحقيقة، لذلك ارتكبت ما ارتكبت في حق ياسر عرفات، وتعاملت بتعال وتجاهل مع محمود عباس . ويتابع مستشرفاً أيضاً: إن الوضع الفلسطيني الإسرائيلي متجه نحو تأزم متزايد، وتؤشر التصريحات التي يطلقها قادة حماس، علي حدود البراغماتية الممكنة، وهي حدود تؤكد إسرائيل أنها غير مقبولة لديها، ولن تسمح لها بأن تغريها. ويذهب بعض الغلاة، وهم كثر، إلي تشبيه وصول حماس إلي السلطة بصعود النازيين ديمقراطياً الي الحكم، بما يوحي أن لا مجال لأي تسوية من أي نوع كان، في المدي المنظور. لقد برزت معالم تصدع في جدار العزلة الذي تريد إسرائيل بناءه حول الشعب الفلسطيني. فقادة حماس يتلقون دعوة من هنا ودعوة من هناك. إلا أن هذه الدعوات التي تستثير احتجاجات إسرائيلية وأمريكية صاخبة لم تخرج حتي الآن عن إطار محدد. فإلي جانب الرغبة (العربية) في قدر من التمايز عن واشنطن وتل أبيب ثمة رغبة واضحة في التبرع لعقلنة القادة الجدد للفلسطينيين، تحت الاحتلال. والمؤكد، حتي الآن، أن أحداً لم يطرح صيغة متوازنة، تشير إلي نية لديه في ممارسة أي ضغط علي إسرائيل. ويحصل ذلك في وقت تتضح أكثر فأكثر معالم الحل الإسرائيلي المنفرد والقاضي بالضم والإلحاق والتبديد.عاش جوزيف، يواجه الخطر بالتفاؤل، متواضعاً وبسيطاً ومهذباً، يتسع صدره لكل أنواع الأسئلة، وارتحل في اتجاهات سياسية شتي، وفق منحنيات الطريق المتاح الي حرية الأوطان وكرامات الشعوب. أخذه التأمل، وهو العربي القومي المسيحي، واليساري، الي فضاءات الثورة الإسلامية في إيران، قبل سنوات طويلة، من إعلان تشبثه بالتفاؤل بـ حماس وبمنطق الذود عنها. لم يكن أسير أية قوالب حزبية. امتلك بوصلته وأرسل محاججاته بمنطق فائق القدرة علي الإقناع. فهو من نمط نادر، من الصحافيين، يقرأ أضعافاً مضاعفة مما يكتب، وسرعان ما يغادر كلامه، كلما مل تكراره، ليبتكر كلاماً آخر، في السياق ذاته، ولا يخبو الأمل في أعماقه، بأن يُعيد الشاردين الي مواقع الفعل المقاوم. فلم يكن، علي هذا الصعيد، ييأس من الحوار، ولا يضيق صدره بآراء الشاردين، وبالتالي لا يقطع معهم. وينقل عنه طلال سلمان، رئيس تحرير السفير قوله تعليقاً علي الأحداث في العراق إن لهذه الأمة، من المقدسات ما تستطيع به أن تحطم كل عناصر التكنولوجيا الأمريكية ! لسنوات، وفي افتتاحيات السفير بقلمه، كان جوزيف سماحة يُدلي يومياً ببيان الأمة، وكانت فلسطين، دائماً، هي هاديته ومثوي فؤاده. مثقف احترف السياسة، ربما لأن هذه السياسة، تتطلب من الجرأة ما لا يتطلبه الأدب أو البحث العلمي. لم يرهقه التخيل اليومي، لصورة زاهية للمنطقة وللأمة، ولمستقبل الأجيال الجديدة. إنه باختصار، وبدون مبالغة، يختصر جيلاً كاملاً من المبدئيين العاملين في الصحافة العربية. وليس أبلغ، لوصف رحيل جوزيف سماحة، من استعارة وصفه لرحيل سمير قصير مقتولا: إن زاوية في القلب قد انطفأت . وربما يصح القول عن موته الفجائي، وهو في ذروة العطاء، أو عن نومه الأبدي وهو في ذروة الحلم، أن زاوية قد انطفأت من عقل الأمة! 9