في وداع جيمس بوند الأصلي

حجم الخط
1

خمسة ممثلين تعاقبوا على أداء أدوار جيمس بوند بعد شون كونري. محنة هؤلاء أنهم كانوا، على الدوام، واقعين في شرك جاذبيته واستثنائية حضوره. دائما كانت المقارنة بينه وبينهم، على التوالي، تلعب في غير صالحهم. شيء ما ينقص، كنا نقول في ما نشاهدهم يؤدّون ما كنا نرى أنها أدواره هو. كانوا يبدون لنا أقرب إلى بدلاء، ممثلين احتياطيين جيء بهم، لأن أولهم، شون كونري، تقدّم به العمر وبدا الشيب غازيا فوديه في آخر افلام السلسلة التسع live and Let Die. روجر مور هو أيضا، رغم أدائه البطولة في ستة أفلام من تلك السلسلة، كان مهدّدا بذلك الحضور الطاغي. دانييل كريغ، آخر هؤلاء، كان الأكثر تعرّضا للخسارات الناجمة عن تلك المقارنة، حيث كان يبدو بلا وسامة ولا كاريزما، أقرب إلى ممثل عادي للأفلام البوليسية. في Skyfall الذي أنتج في 2011 بدا كريغ وكأنه يعلن عن نهاية تقليد جيمس بوند، الذي استمر على مدار خمسة وعشرين فيلما، منذ 1962 مع Dr No حتى السنة المقبلة 2021، حيث سيعرض الفيلم الأخير بعد أن أرجأته جائحة كورونا سنة كاملة.
مع كل ظهور لمؤدّ جديد، كانت الصحافة تعيد ذكر تفاصيل ما تميز به كونري عمّن توالوا بعده. من هذه مثلا أناقته، حتى في أصعب المعارك والمواجهات؛ ابتسامته الفاتنة والساخرة معا؛ رميه لقبعته لتجد لها، من تلك المسافة، مشجبا تتعلّق عليه؛ علاقته المتدلعة مع سكرتيرة الوكالة الخمسينية. حتى أيامنا هذه، وفي كل تقديم أو تعريف بـ007 تعرض تلك القبعة وهي تطير لتبلغ مستقرها على المشجب. هو مشهد أيقوني في ذاكرة السينما، رغم عاديته وقلة معناه.
جيل الستينيات والسبعينيات، الذي زيّنت السينما مخيّلته أخذ الكثير من جيمس بوند الأول ذاك، أو أقول إنه الجيل الذي حاول أن يتمثّل بطله ويحلّ نفسه فيه، وإن لم يحقق في ذلك نجاحا يذكر. ذاك أن الفتنة يصعب تقليدها، فكيف إذا كان الفاتن مثل شون كونري الذي، بعد ما يزيد عن عشرين سنة من أدائه تلك الأدوار، أي حين صار في السبعين وما حولها، اختير كأكثر الرجال إثارة في العالم. ما كانت تشمله محاولات التمثّل تلك، إضافة إلى الوسامة والأناقة، والعلاقة بالجميلات، وطريقة إغوائهن.. هدوئه.

ن ميزات شون كونري أنه، في الأفلام التسعة التي أداها، لم يذهب بعيدا في المبالغات البوليسية، التي تفاقمت من بعده. لم يكن ليشارك في مشهد الانتقال من طائرة إلى طائرة، هناك في الجو، كما فعل لاحقه بيرس بروسنان.

في أحد المشاهد بدا مبتسما منحنيا ربع انحناءة أو أقل، فيما الآخرون من حوله هَلِعون من تساقط السقف الذين هم تحته، والمنذر بانهدام المبنى كلّه. لطالما بدا أن من الممكن أخذ الكوارث بهذه الخفة، تأثرا ببوند الذي كانت الرصاصات تتجه نحوه، لكن لا تصيبه. في عراكه مع ذلك المصارع الآسيوي الضخم بدا كأنه يلعب، عارفا سلفا أن تلك المواجهة لا تتعدى كونها واحدة من العراقيل الموضوعة في طريقه، وأن ما هو مطلوب من المشهد، ليس هو الغلبة فقط.
وانسجاما مع ذلك الميل إلى أن الحوادث تمرّ ولا تصيب، وإن أصابت فلا تتسبب بأذى، لم يكن جيمس بوند محاربا أعداء فعليين، بل كان يحيد عن ذلك الافتراض ليقول إن الذين يتهيأون لشن عدوان ضخم ليسوا هم الروس، أو السوفييت، وذلك في زمنه، زمن الحرب الباردة، بل هم قادة منظمة عالمية خاصّة. ربما صار هذا سمة عامة لجميع أفلام ذلك النوع من المواجهات، الكونية الطابع، حيث العدو ليس من يوضع اسمه أولا في لائحة الافتراض، بل هو طرف آخر له قوّة الدول الكبرى. ربما كان هذا النوع من المنظمات من اختراع تلك الأفلام.
ومن ميزات شون كونري أنه، في الأفلام التسعة التي أداها، لم يذهب بعيدا في المبالغات البوليسية، التي تفاقمت من بعده. لم يكن ليشارك في مشهد الانتقال من طائرة إلى طائرة، هناك في الجو، كما فعل لاحقه بيرس بروسنان، كما لم يكن يعتمد على الإغراق في التدمير، كما فعل دانييل كريغ في Skyfall حيث كادت شاشة السينما تحترق من هول النيران التي اندلعت في تلك القلعة التاريخية التي يتحصّن فيها هو، جيمس بوند الأخير. في الستينيات والسبعينيات (في 1973 أدى كونري آخر أدواره من تلك السلسلة) كان عقل السينما أكبر مما صار في العقود التي تلت، حيث صار مجال المنافسة بين أبطال المغامرات والبوليسية والجاسوسية، يقوم على الإفراط في جعل كل شيء أعتى وأضخم مما كان في الأفلام التي سبقت. شون كونري لم يكن يحتاج إلى ذلك. كانت لديه أشياء أخرى يعرضها، حتى بعد أن انتقل إلى أعمال سينمائية تلائم تقدمه المتدرج في العمر.

٭ روائي لبناني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية