في وداع حسن عبد الله… الفاتن الجميل

حجم الخط
0

أجدني غير مستطيع أن أقسّم في أبواب ومراحل معرفتي الطويلة بحسن عبد الله. لا أستطيع الجزم مثلا إن كان قد نزل إلى بيروت، هاربا من القصف الإسرائيلي على بلدته الخيام، في أول 1970، أو أنه كان قد أقام فيها قبل ذلك، منتسبا إلى دار المعلّمين. كما لا أجدني قادرا على تحديد سنوات إقامته في صيدا، المدينة التي أحبها وأحبّ أهلها، متى بدأت ومتى انتهت. حتى هو حسن عبد الله نفسه، قد يكون غافلا عن حشر الحياة بتواريخ وعناوين. ربما يمكنه جمع حياته هناك إن لجأ إلى القصائد التي كتبها عن المدينة، عن شوارعها وحياة الناس فيها وعن أصدقاء له فيها كان أحدهم مهدي عامل، زميله في التعليم في إحدى ثانويات المدينة وقد كتب عنه إحدى قصائده المحتفلة بالفرح والألم في وقت واحد معا.
أنا أيضا، إذ يرجعني موت حسن عبدالله إلى سنوات صداقتنا، أراني أُدخل السنوات بعضها ببعض، وأفكر أن ما حصل متأخرا كـان قد جرى من قبل. في واحد من المشاهد أتذكره جالسا خلف مقود سيارة الرويز رويز، بعد أن أقنعناه، هناك في شركة الرينو التي رافقناه إليها ليشتري إحدى سياراتها، بأن هذه السيارة الكبيرة (الرولز رويس) هي التي تناسبه. كنا، نحن أصحابه، المحبّين للأدب جميعنا، نؤلّف حكايات عن فترة تعلّمه السوق، وعن جدول الحوادث التي ينجزها كل شهر. في مشهد آخر أتذكره وهو يلقي إحدى قصائده على المنبر، واصفا، في ما أذكر، طريق خروج النازحين من الجنوب إلى بيروت، ما جعلني أبقي السيارات المحملة بالبشر و»الفرش الممزقة» العنوان الشعري لتلك المرحلة.

وقد تأخّرت سنوات كثيرة عن التعلّق بقصيدته الدردارة، تلك التي صدرت في كتاب حمل اسمها. كنت أنا ناشر القصيدة سنة صدورها (1980 على الأرجح)، وكان عليّ أمام كثيرين أن أتلقى عتابا على إسقاط الصحيفة للمقطع الأخير، حيث فاضت القصيدة عن مساحة صفحة كاملة. لكنني بعد ذلك، وبالتدريج، راحت تأتيني القصيدة مجزأة، مقاطع أو جملا، أستعيدها فأفتتن بها. كان حسن عبدالله في قصيدته تلك قد رفع تلك البركة، أو ذاك الحوض المائي الواسع، كما رأيته، إلى مصاف الجغرافيا الأسطورية. مستعادة إلى ذاكرتي راحت تطلع قطعا من القصيدة، مثل ذاك الذي يهدد فيه خالته: يا خالتي؟ وأنا ابن أختك/ إن تمنعيني من صعود الحور والحيطان/ ألعب مع الزعران». تلك المساومة الطفولية ما كان لها أن تكتب بأكثر سذاجة وروعة من ذلك. كما أن تلك المقاطع، وهي تأتي منفردة، تكون مشبعة بالنداوة الخضراء التي تملأ القصيدة كلها.

الآن، في يوم رحيله، نروح نستجمع ما عشناه مع حسن في صور غير مترابطة فنجد أنفسنا مبتسمين، رغم حزننا. في شعره كما في حياته كان حضوره مبهجا ومسعدا. تلك الحكايات الجميلة التي سمعناها أو عشناها عنه، أو معه، يجب أن تروى كلها.

كان عليّ أن أتلقى العتاب من نفسي هذه المرة. رحت أقول إن ما كنت أبحث عنه في السنوات الأخيرة من عشرينياتي، هو ما يماشي تلك التيارات الشعرية المتسابقة إلى التجاوز والتغير. كان في الدردارة ذلك الشيء القديم، الطالع من الفطرة، قبل أن تثقلها أساليب الكتابة المتأخرة ولغاتها ومفاهيمها. لا أعرف إلى أي مدى كان حسن مستعدا لترك شاعريته الخاصة، أو الانتقال بها إلى ما عداها، أو إلى ما بعدها. في أحاديثنا عن الشعر والشعراء كان يعلن عن تعلّقه بجملة قرأها مترجمة، أو يسمّي كتابا حديثا صدر عن التيارات الشعرية الجديدة، لكنه على الدوام كان يمعن في التعمّق بالثقافة والشعر اللذين يعرفهما. أجمل الأبيات في الشعر العربي، والأكثر اختباء بينها في صفحات الدواوين المطوية، كان يدعونا إلى الإحتفال بها. إسمع ما قاله المتنبي، يقول، وأنا أتساءل كيف لم أقع على البيتين هذين أنا المتابع كل أثر للمتنبي وشعره، أو يذكر أبياتا من أبي نواس ليجعلني أفكّر أن الشعر يمكن أن يقول ما يدهش رغم قدم زمنه.
ظل حسن عبدالله سنوات كثيرة مؤجلا كتابة الشعر.. كثيرون كانوا يسائلونه عن جديده، وهو كأنه ينتظر أن يظهر الشعر، شعره، وقد بلغ كماله. مجموعته «راعي الضباب» كانت، بطرافتها وسهولتها، متحدّية الاعتقاد السائد عما يجب أن يقوله الشعر. أذكر أن ما كان يقوله في قصيدته «مرّ عام» بدا، في نظر بعض حاضري أمسيته، ضربا من الاستخفاف بالشعر وقدسيته، إذ، بحسبهم، هل يمكن أن يكون شعرا ذاك الذي يجري على لسان رجل يقول لمن كانت محبوبته، في معرض تخلٍّ غرامي: «هل تذكرين رداءة تحضيرك الشاي؟/ لا تضعي الشاي والماء يغلي/ وحين سكبتِ الشاي على سترة الشاعر الأردنيّ صديقي/ حين نهضتِ/ لقلي البطاطا/ فشبّ حريق من الزيت والغازِ كاد يؤدي إلى كارثة».
الآن، في يوم رحيله، نروح نستجمع ما عشناه مع حسن في صور غير مترابطة فنجد أنفسنا مبتسمين، رغم حزننا. في شعره كما في حياته كان حضوره مبهجا ومسعدا. تلك الحكايات الجميلة التي سمعناها أو عشناها عنه، أو معه، يجب أن تروى كلها. كما أن علينا، في غيابه، أن نفتح أحد كتبه على صفحة ونقول لأحدنا إقرأ لنا، مثلما كنا نقول لحسن حين نرغب في أن نرى كيف يمكن للشعر أن يكون مبدعا وسعيدا في وقت معا.

كاتب لبناني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية