في الأشهر الأخيرة كان حمدي أبو جليّل كثير الظهور على فيسبوك. في تلك الصور كان يقف وسط حديقة أو بستان متصّل لا بدّ بما ينبغي أن يكون بيتَه. ودائما بالجلابية التي تبديه طويلا ومصرّا على أن هذه صور من حياته الأخرى، تلك التي لا نعرفها نحن الذين كنا نلتقيه في القاهرة. وفي التعليق المصاحب للصور كنا نقرأ أحيانا سطورا يعترض فيها على ما آلت إليه أحوالنا، بادئا بالدلالة على الخطأ في اعتقادنا ومسلماتنا التاريخية والدينية، وكنا نظن أن هذه مرحلة تفكير أخرى يعيشها. في أحيان كان يبدو محتجّا وساخطا، بل محرّضا، كأنه على وشك خوض حرب، لكن لا يلبث أن يلطّف ذلك بظهوره مع ابنته الشابة آتية إليه من البيت القريب.
ظهوره بالجلابية، كما جعلنا نحسب، كان بمثابة رجوع إلى أصل بلدي لم يفارق هيئته وشكله في كل حال. بمجرد أن تمد يدك لمصافحته، خصوصا في لقاءاتك الأولى به، كنت تعدّ نفسك للحذر من ردود فعل كلامية عنيفة قد يقوم بها، ولم ينفع في تبديد ذلك توالي اللقاءات به. حتى في اللقاء الأخير بيننا، أو في اللقاءات الأخيرة حيث كنا نجلس كل يوم من أيام مؤتمر الرواية السبعة، لم تفلح أناقته الزائدة، والمفاجئة، في تليين ملامح ذلك الوجه.
لم يكن قد كتب شيئا بعد حين التقينا أوّل مرة، بل إنه لم يبد على وشك القيام بذلك. دليلي على ما أقول هو مفاجأتي بكتابه الذي كان أرسله لي الصديق الراحل هاني درويش. كان «الفاعل» يحمل الجواب عن قسوة الملامح تلك فهو، الكتاب، يحكي سيرة ذاتية مرحلية، وسننتظر إلى ما بعد ذاك الكتاب لنعرف أنها مرحلية وأن لحمدي سيرا مرحلية أخرى سنقرأها تواليا، أي أن الفاعل، العامل اليومي، أو العامل بالمياومة، هو حمدي نفسه، وها هو يسرد نتفا من تلك الحياة المكدَّة القاسية. كان كتابا «جميلا» رحنا نقول في مكتب «نوافذ» مستخدمين التعبير الذي، دون الخوض بالتفاصيل، يدلّ على تبنّينا للكتاب.
ولم يبق حمدي فاعلا، تبعا لتلك التسمية التي نعتمدها هنا في لبنان، بل إنه انتقل لاحقا إلى سيرة أخرى لاحق بها خطاه إلى الصحراء الليبية، ومن هناك إلى سبها ثم إلى إيطاليا. هناك، في محطّ الرحال الأخير، تحديدا بما يتصل بهذا الكتاب (الصاد شين) سنجد حمدي وقد تحول واحدا ممن يطلق عليهم «مهاجر غير شرعي». في هذا الكتاب نقرأ عن مهاجرين قادمين من بلدان افريقيا جميعها، مختلطين معا، وهم ليسوا العصاميين الهاربين من فقر بلادهم سعيا إلى حياة أفضل. إنهم المنبوذون، المنفرد كل منهم بنفسه رغم اختلاطه بأشباهه. منبوذون وبلا عائلة ولا أهل ولا أولاد، أما إقاماتهم ففي الخلاء، أو في الأمكنة المهجورة نصف المهدّمة، أو في الأمكنة التي احتلّوها بالغصب.
وإذ يذكر الكاتب سيرة بطله، الذي هو نفسه، وبالاسم، حمدي، نروح نقول في ما نحن نقرأ، هل مرّ صديقنا بكل هذه المخاطر. هل عاش مختبئا في منازل الضواحي المحتلة، أو في كراجات السيارات، وهل كان هناك بين المحاصَرين الذين طوّقتهم قوى الأمن بالرشاشات والأسلحة الأخرى؟ وهل سُجِن؟ وهل إنه فعلا شطّب جسمه بالسكين أمام الشرطيين لكي يوقعهم في العجز عن إكمال مهمتهم؟
أيضا، وفيما نقرأ تلك الحياة، نروح نقول إن حمدي عاش ما لم يعشه أحد سواه، أعني من أولئك الذين سعوا إلى أن يكتبوا ما عاشوه. وفي إحدى جلساتنا الأخيرة، هناك حول مبنى الأوبرا، رغبت كثيرا في أن أسأله هل حقّا كنت ذاك المهاجر يا حمدي، هل عشت كل ذلك؟ أما في آخر كتبه «يدي الحجرية» فأمعن في التنقيب عن جذوره راجعا إلى الجد الخامس للعائلة. الكتاب محاولة أخرى للكشف عن مكان جغرافي آت من لا تاريخ ولا جغرافيا. يدلّ إلى ذلك اللغة العامية التي استعصى على أكثر القرّاء فهمها. هي «لغة البدو المخلّطين التي لا علاقة لها باللغة العربية وينطق بها في مناطق لا يعرفها إلا أهلها» يقول في الكتاب الذي تجري بعض وقائعه في فرنسا حيث، هو البدوي المؤصّل يجهد في تعليم صديقته الفرنسية لهجته: «لهجتي أنا، المزيج الأهوج من البدوية والقاهرية والفيومية».
ربما لم يعجب حمدي ما كتبته في مقالي عن ذاك الكتاب، افترض ربما أن الذهاب إلى أبعد في العامية التي سبق أن كتب بها أكثر كتبه وزينت فصحاه في بعضها الباقي غير مستساغ من قبلي، لكنه في لقائنا، أو في لقاءاتنا اليومية الأخيرة، لم يفصح عن شيء من ذلك. شربنا شايا كثيرا، وبعضا من الكركديه ونحن نحكي عن مصر وعن مؤتمر الرواية، الذي كانت ندواته جارية في الداخل. «هل تعمل على كتاب خديد يا حمدي» قال إنه لا يستطيع أن يتوقّف عن الكتابة. مفاجئا وصاعقا وصلني خبر موته. كان يخطر لي أن هناك ماضيا وعوالم كثيرة عاشها ولم يكتب عنها بعد، وأن أشياء كثيرة كان ينبغي أن نتداولها بالكلام الذي نجريه معا كل سنتين أو ثلاث سنوات.