في وداع سنة أخرى من الفراق يدها على خدها ونهارها كان طويلا

حجم الخط
0

فاروق يوسف ‘سنة وأعود’الخبيرة بصوتي عرفت أني أكذب. لم تحرجني نظرتها. هناك وتر ناقص في الكمنجة. لقد قضت العمر وهي ترمم، تزيت وتدوزن تلك الأوتار حتى تركت أثرا جارحا على أصابعها. نوع من نسوة يوسف الذاهبات إلى أقصى الشهقة. ‘لا بأس لتكن سنتين، ثلاثا…’ لم تقلها. كان اللسان في واد لغوي آخر. كان المطر يتأمل غيمتها. كانت الريح هي الأخرى تنتظر عصفها. كان الحقل البعيد، حيث الامهات المنتظرات منذ أور الثالثة ينصتن إليها. هناك خطأ ما في الكون يقع في تلك اللحظة العالقة بالهواء مثل راية. خطأ في البصيرة، فالمناخ لم يعد يحرص على خطواته. كان عليها أن تنسى أنها على وشك الفقدان. تمر العربات. صدى عجلاتها ينقب بحثا عن قدمين ضائعتين، قدمي الطفل الذاهب إلى المدرسة لتوه، قدمي العريس المنتشي بفتاته البغدادية ذات الشعر القصير، قدمي الشاعر النائم على دفتره الملقى بإهمال على منضدة المطبخ. باردة تلك الأقدام. لمَ يقال إذاً ان الحمى تأتي من القدمين؟ كان الصخب كله وقد هدأ يراقب النازحين. وقت قصير مر. كما لو أنها لم تعشه. كما لو أنها لم تتذوق زهرته وهي تشق طريقها إلى فمها. لم تطع يدها التي امتدت إلى خدها. ما الذي تفعله تلك اليد هناك؟ لمست أصابعها. عثرت على الوتر الناقص هناك. ‘كنت أكذب’ لم أقلها. الجملة الوحيدة التي كانت لا تثق بها. الخديعة لها لسان.’ستكون سعيدا’ من حقها ان تحتفظ لنفسها بحكايات لم تقع وقائعها بعد.

صدرها مليء بما لم يقله أحد بعد. لن تكون الخرائط نافعة حين يذهب الضوء بالعينين. سأحدثك عن ليلى، الفتاة ذات القبعة الحمراء. وكانت تعرف أني أكره اللون الأحمر. إذن لنمضي إلى النهر، بعد سيد عاشور بنخلتين هناك دفن جدك الكنز. يدها محرجة. لم تكن الدمعة مرئية. الدمعة هي الأخرى مثل الحكاية، فارغة في انتظار وقائع لم تقع بعد. ‘كان الشمر حقيقيا’ التفت إليها فلم تعتذر. بعد سنوات اكتشفت بداهة الفكرة. فهي لم تقل لي ‘كان الشمر واقعيا’. هنالك فرق إذاً. أمد يدي إلى يدها فيرتجف الطائر. على الغصن يترك صيحته ويختفي.’سنة وأعود”لقد وجدت ليلى الذئب نائما’ تضحك بعمق لانها تكتشف الشعر في الكذبة. ‘حين ايقظته بدا غاضبا’ لا تريده أن يأكل الفتاة البريئة فترسم لي دائرة في الهواء. ‘ابتعدي. قال لها الذئب. لا أريدك أن تتلصصي على أحلامي. وعاد إلى النوم’ يومها قتل ابن الجيران قطتي فبكيتُ حتى نمتُ. ليلتها حلمت بالخبز، الرغيف يلتهمني فيما كانت تضربه بالعصا. في مراهقتي رأيت القمر على شكل رغيف وتذكرت ذلك الحلم. ‘لا تقصه على أحد ولكن صدق الرؤى’ كنت أضع الكتاب فوق الكتاب لأبدو أكثر طولا. ‘انت طويل بما يكفي لكي اضمك من غير أن انحني’ كانت الدمعة هناك. لم أرها. تخيلتها على هيئة مكعب ثلج. ‘هناك في القطب سأكون رجل الثلج، سيكون أنفي أشبه بجزرة ورأسي مثل بصلة’.’دثر نفسك’ لم تقلها.’لا بأس بسنة واحدة من الهواء’. كانت الحشرة قد تسللت إلى دمي. كانت الرمال قد ابتلعت الوقت كله وصارت الساعة من غير عقارب. أتكتكُ لكي يكون لفمي معنى. الغائب في حضرتها، الامام الذي لا يُرتجى ظهوره، الوسادة التي ترك عليها القناع وجهه كنتُ. أتأمل الوقت. دقيقة مضت. دقيقتان. ولكنني لا أرى يدي. لقد تلاشت أجزاء كثيرة مني. كانت سلتها تمتلئ بالفواكه. ‘الخريف ليس لك’ لم تقل ‘لعدوك’. ‘كان باب السماء مفتوحا’ قالت لي بعد سنوات. كانت تقف قريبا من بيت الله. ‘أخيرا حظيت بلقائه’ تصمتُ. ‘ولكن متى أحظى بلقائك؟’ هذه المرة صمتُ أنا. شعرت بالحرج. ‘يالحماقتي. نسيت أن الوقت لم يحن بعد. ولكن متى تنتهي السنة؟’ ليس للبرد لسان. ‘سأنتظرك. انني لا أكذب’ تذكرت حينها أنني قلت لها ذات يوم:’سنة وأعود’ولكن السنة صارت عشرا. ضَعُف بصري وتسلل الثلج إلى شعر رأسي وصارت ركبتي تؤلمني كلما أكثرت من المشي في الغابة وصرت أشتري الكتاب الذي أحبه مرتين وثلاثا من غير أن أعترف بأنني فقدت جزءا من ذاكرتي. استمع إلى باخ كما لو أنه يسترجع وقع خطواتي على سلم المدرسة. يجلس الطائر على ركبتي وهو يظنني تمثالا وحين أتحرك ينظر إلي باستفهام ‘ما الذي يحدث؟’ هناك خطأ ما في الكون إذاً. لم ابرم اتفاقا مع الشيطان. لقد تركت غواياته كلها على الجسر وعبرت. سأكون كما كنتُ دائما. صالحا أنام على سرير الجدة التي تنتظر حفيدتها. صارت الناقة حكاية قديمة. ‘مثل ذئب’ مَن قال ذلك؟ هل تصدقين أن أسوأ أيامي هي التي أقضيها في انتظار أن لا تنتهي السنة. لمَ كل هذا الوقت المضاف؟ يكفي أن نكون موجودين في اللحظة ذاتها. مَن قال ان اللحظة ذاتها تتكرر في مكانين؟ لا يحتاج المرء إلى ساعته حين تقوم الساعة. في تلك اللحظة حين وقفنا على الميزان كانت الغيوم لا تصدق أمطارها وكان المناخ يتساءل عن سر الاوكسجين الذي صار يأتي من جهة مجهولة. ‘يا منيتي ويا عيوني’ هل تحتاج إلى منديل أبيض لكي تلوح به من وراء سياج الدار؟ لقد شفت عيناها في اللحظة التي توقعت فيها أن تبكي. لن تحرجني بدمعتها فانتظرتُ بكائي. يحتاج المرء إلى أم لكي يكون أبا. ما هذا الاكتشاف العظيم! بأية سنة. كانت الاقوام تتصيد الزمن بأصابعها. بأية ساعة. نظر شارلمان إلى وجه صديقه الرشيد فيما كانت الساعة البغدادية تلتهم الوقت. فجأة صار للعدو والصديق وقت واحد. في المرآة يرى المرء وجهه باعتباره وجه ضيف ليلته السابقة. لم يمر الوقت ثقيلا على أهل الكهف. تخيليني واحدا منهم. كنت ساهرا أنظر إلى الساعة في المطبخ. هي نفسها فلماذا يتحرك الوقت مثل شبح؟ قلت لك: ‘سنة واحدة وأعود’سنتي لا تشبه سنتهم.

الوقت كان بغداديا وكان شارلمان يضع على رأسه تاج الفرنجة. يومها كنا اثنين. كانت الملائكة لا حصر لعددها وهي تحيطنا ببياضها. لنقتسم البياض. منه لك لتريني من خلاله، ومنه لي لكي أبقى لصيق خدك. هل قلت هذه آخر الدموع؟ ولكنني لم أر الدمعة. كانت البلاد تطلق طيورها من الاقفاص وكانت الحديقة السرية تفتح ابوابها للعابرين في لحظة غضة لا تتكرر. ‘أنت وانا’ أيتها الزهرة. يا شجرة الآس. شظية المرآة. سلم الموسيقى. عين الثعلب. قطرة العنب. دوي الرصاصة. التفاتة غزال. ورقة خريف. ثنية ركبة. قوس قزح. أنا العب في المساحة التي تركتها فارغة. استمع إلى يوسف عمر وهو يغني ‘مات اللمنبجي داود واعلومه’ وأدرك أن كل موت عراقي صار يخصنا. البغادلة (البغداديون) يبكون. فطومة ليست وحيدة في حزنها. ليس لديها مصباح أحمر. لقد كرهتُ اللون الأحمر لأن مريم الكردية قد ذبحت ديكا أمامي وهي تضحك.

علي أن أعترف الآن بأنني كنت كاذبا في لحظة القيامة تلك.

قبل ليلة صارت بلادي ماضيا. كنتُ ماضيا. زرعت شجرة الورد في شق بين حجرين وقلت سأنام من أجل ان تغمر السعادة الكون. ولكن الخطأ اعترضني. كنا اثنين. لا بل كنا واحدا. كنا صفرا. ومشينا مبتلين بمطر وهمي. ‘سنة وأعود يا أمي’ ‘ شاعر وناقد من العراق يقيم في السويد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية