الراحل محمد عناني
القاهرة ـ «القدس العربي»: برحيل محمد عناني (1939 ــ 2023) تنطوي صفحة مهمة من صفحات رموز الثقافة المصرية والعربية، فلا يوجد باحث أو مهتم بالأدب أو قارئ عادي لم يُطالع كتاباً يتصدره اسم محمد عناني، خاصة مع ترجماته الشهيرة لأعمال شكسبير، إضافة إلى المعاجم والدراسات الأدبية. ورغم أن للرجل العديد من المؤلفات المسرحية، إلا أن شهرته في الترجمة طغت عليها، خاصة أنه كان يقدم شروحاً وافية لما يترجمه، سواء أعمالاً أدبية أو مؤلفات نقدية. فأثر الرجل كبير في الثقافة المصرية والعربية. وهنا مشاركات البعض من المترجمين والنقاد المصريين عن الرجل ودوره، وربما تكون تذكِرة للتكريم الذي يستحق وكالعادة.. بعد الوفاة!
عناني وواقعنا الثقافي
بداية يقول الكاتب والناقد مصطفى بيومي.. إنه برحيل أستاذنا الجليل محمد عناني، تفقد الثقافة العربية علما وقيمة ورمزا عظيم الأثر في تشكيل ذائقة أجيال ممن يدينون له بالفضل في معرفة ما لا يعرفون. جمع بين الإبداع المسرحي والدراسات النقدية الرصينة العميقة المتفردة، أما عن مكانته في ساحة الترجمة فتبقى العلامة الأبرز في مسيرته الحافلة، فهو مترجم «الفردوس المفقود» وعدد غير قليل من مسرحيات شكسبير الخالدة، وفي ترجماته هذه يتجاوز المفهوم التقليدي الشائع، ويقدم الدروس العملية في التواصل الإيجابي الحميم، مع النصوص التي يغوص في أعماقها وأسرارها، مسلحا ببراعة استثنائية مشهود لها في إتقان اللغتين العربية والإنكليزية. يُذكر لعناني ترجمته لبعض روائع الإبداع المصري إلى الإنكليزية، صلاح عبد الصبور تحديدا، مجسدا بهذه الترجمات وعيه بأهمية أن يعرفنا الآخرون، عبر النماذج المضيئة من إبداعنا، فمثل هذه المعرفة هي البديل الصحيح لصرخات المظلومية من إساءة الظن والتآمر والتحامل. أروع ما في مسيرة الراحل الكريم هو تفانيه وعشقه للعمل الشاق الذي لا يبتغي من ورائه شهرة زائفة، أو إشادة بجهده، فهو يعي رسالته ويرى أنها الواجب الذي ينبغي على كل مثقف أصيل أن يقوم به، وفي فوضى الترجمات الركيكة المبتذلة، التي تزدحم بها الأسواق الآن، وتمثل عملة رديئة رائجة، لا بد من أن ندعو له بالرحمة، ثم نلحق دعواتنا بإعادة نشر ترجماته الشامخة في طبعات شعبية معقولة الثمن، وعندئذ يتحقق الهدف الأسمى بالوصول إلى القطاع العريض من القراء المتلهفين على مطالعة كل ما هو جيد جاد. السؤال الذي يتحتم طرحه هنا: لماذا نضن على العظماء الذين يعملون في صمت بما يستحقونه من التكريم وهم أحياء، ثم تتوالى البكائيات والإشادات بعد غيابهم؟ قد تكون الإجابة موجعة، لكنها صحيحة: آفة واقعنا الثقافي الإهمال وإنكار الفضل.
عميد المترجمين
من جانبها تقول الشاعرة والباحثة مروة نبيل.. ربما تعود فرادة محمد عناني كمترجم ومبدع إلى الميزات الاستثنائية التي تمنحها دراسة الأدب الإنكليزي، والتي من أهمها (التفكير النقدي) ففي السنوات الأولى يتعلم الطالب كيفية النظر في النصوص الأدبية من وجهات نظر مختلفة، إذ تتضمن المقررات الدراسية مجموعة متنوعة من النصوص، بدءاً من الكلاسيكيات الأدبية مثل «الفردوس المفقود» و«شكسبير» إلى نصوص الطبقة العاملة، وروايات العبيد، وأدب الاحتجاج. يفسر هذا حصول عناني على جائزة الدولة في الترجمة 1982، عن ترجمة «الفردوس المفقود» إلى اللغة العربية بالتحديد. واشتهار ترجمات كلاسيكية أخرى له مثل «روميو وجولييت» و«تاجر البندقية» و«الملك لير». كذلك تمنح دراسة الأدب الإنكليزي القدرة على تطوير مهارات متنوعة في الكتابة، وظهور أعمال موازية للمُترجم لا تقل أهمية وأصالة عن الترجمة. إذ لم يُلقَّب «عناني» بـ«عميد المترجمين» من فراغ، بل تأسس هذا اللقب على مؤلفاته (العلمية) في الترجمة والنقد الأدبي، مثل «النقد التحليلي» و«فن الكوميديا» و«المسرح والشعر» و«فن الترجمة» و«الترجمة الأدبية بين النظرية والتطبيق». وكغيرها من أعمال المترجمين العظماء، ساعدت إسهامات عناني في الأدب على تعزيز القيم المشتركة بين المجتمع الإنكليزي وأفراد المجتمعات المتحدثة باللغة العربية والمقدّرة للأدب، فكلما تمكن المترجم من الوصول إلى التجارب خارج حدود بلاده، حقق الأهمية الأساسية المرجوّة من ترجمة النص الأدبي، إذ تثري ترجمة العمل الأدبي اللغة المترجمة إليها، وتجلب المزيد من المصطلحات والأفكار الجديدة معها. فتكون ترجمة النص تجديداً للغة والصور، ما ينشط الأدب نفسه، ولا نستطيع حصر من شجعتهم مؤلفات وترجمات الرجل على تجربة أدبهم الخاص. وتضيف نبيل.. حافظ عناني على التعبير الأصلي للأدب، واستطاع ترجمة جوهر النص، سواء في النقل عن الإنكليزية، أو عن لغته الأم إلى الإنكليزية، مثل أهم المسرحيات الشعرية لصلاح عبد الصبور، وصلاح جاهين، ومحمد آدم، وغيرهم. امتلك عناني السمات الشخصية للمترجم العظيم، التي تتلخص في المعرفة الدقيقة باللغات التي يترجم عنها وإليها، وقد انتُخب كخبير في مجمع اللغة العربية في القاهرة عام 1996. بالإضافة إلى الشغف باللغتين، وامتلاك خلفية تعليمية قوية في كل منهما، ما يعني وجود مفردات هائلة، ومعرفة حميمة بالثقافات المرتبطة باللغتين. إلى جانب الدأب والفضول، والتأدب مع هذا العمل المرهق.
الظل الوارف
ويرى المترجم والشاعر عبد الرحيم يوسف، أنه ليس من السهل الحديث عن أثر الراحلين حين يكون ظلا وارفا وممتدا كذلك الذي تركه محمد عناني، ظل لم يقتصر على كونه مترجما لأعمال إبداعية كبيرة ومهمة كمسرحيات وأشعار شكسبير، أو ملحمة الفردوس المفقود لجون ملتون، ولا على ترجماته الكثيرة والمهمة في دراسات الترجمة والنقد واللغة، لكنه يمتد إلى عدد من الإبداعات المسرحية التي أنتجتها قريحته ولم تحظ بما تستحق من قراءة وذيوع، وإلى كتبه المهمة التي ألَّفها في دراسات الترجمة مثل فن الترجمة ومرشد المترجم، وتصديه لتقديم أعمال معجمية ضخمة مثل (المصطلحات الأدبية الحديثة، دراسة ومعجم إنكليزي عربي). هذا الإخلاص الكبير في العمل والريادة المستحقة منحاه عن حق لقب شيخ المترجمين، وهذا الأثر الكبير يشمل جموع القراء والمترجمين والمبدعين. عن نفسي توقفت كثيرا أمام ترجماته لشكسبير منذ أيام دراستي الجامعية في تسعينيات القرن الماضي. وعندما تجرأت منذ عشرة أعوام على ترجمة مسرحية شكسبير الشهيرة «حلم ليلة صيف» إلى العامية المصرية مباشرة في إطار العمل على تقديمها كعرض مسرحي غناني، كانت ترجمة عناني لهذا العمل هي الأدق والأجمل في رأيي من بين ترجمات أخرى قرأتها وأشرت إليها في مقدمتي لترجمتي عندما طُبعت ونُشرت عام 2016. ورغم أني لم ألتقِ بالراحل الكبير قط، إلا أن زماني وحظي أسعداني بكونه رئيس لجنة التحكيم التي منحتني جائزة الدولة المصرية التشجيعية في الآداب فرع ترجمة الأعمال الفكرية عام 2017، وكان وجوده على رأس اللجنة جائزة أخرى بالنسبة لي.
عن الشعور بالمرارة
وفي الأخير.. ننقل كلمة المترجم سمير جريس التي كتبها على صفحته في فيسبوك في وداع محمد عناني، قائلاً.. أحمل لمحمد عناني تقديراً كبيراً، مترجماً ومنظراً لعلم الترجمة. وقد استفدت كثيراً من كتبه القيمة عن الترجمة، ومن مقدمات ترجماته لمسرحيات شكسبير، ولذلك انهمكت في قراءة سيرته فور عثوري عليها. لكن قراءة السيرة تخلف شعوراً عميقاً بالمرارة، لاسيما لدى المترجمين.
يروي عناني ما صادفه من ظروف مجحفة بعد عودته إلى مصر حاملاً لقب الدكتوراه، وكيف كان يتقاضى أجوراً مهينة كمترجم، هذا إذا لم يقع ضحية النصب على يد الناشر، أو المؤلف الذي يكلفه بالترجمة، كيف كان يعيش كالمتسول وهو أستاذ جامعي ومترجم مشهود له، ولم يكن ينقذه من ضيقته المادية غير المشاركة في أحد المؤتمرات الدولية مترجماً فورياً، فعدة أيام هناك تعادل ترجمة كتاب كامل! ثم يحكي عن استدعائه كالمتهمين إلى بيت الرئيس السادات، ليكتشف أن جيهان السادات تريد التحدث معه عن رسالتها لنيل الماجستير، فيقبل الإشراف ـ من الباطن ـ على هذه الرسالة (والتعبير لعناني) على أمل أن تساعده قرينة الرئيس في نشر ترجماته، أو في أن تجيز الرقابة مسرحيته الممنوعة «ميت حلاوة» ثم تحايله هو وسمير سرحان على ألاعيب الرقباء، إما بتغيير فقرات من المسرحية أو بالاستعانة بمن هم في مراكز أعلى.
يحكي عناني كل هذه الإهانات بصراحة مفزعة، بلا ذرة غضب، بتسليم ورضى مدهشين. هذا ما عاناه عناني، وهو أستاذ جامعي يعرف كبار المسؤولين في البلد، ومترجم قدير، فما بالنا بمترجم غلبان ليس له منصب جامعي أو واسطة يستند إليها؟ محزن جداً هذا الجزء من السيرة، محزن إلى أقصى حد.
بيبلوغرافيا
ولد محمد عناني في رشيد في محافظة البحيرة شمال مصر في 4 يناير/كانون الثاني 1939. حصل على ليسانس الآداب قسم اللغة الإنكليزية من جامعة القاهرة عام 1959، والماجستير من جامعة لندن عام 1970، والدكتوراه من جامعة ريدنج عام 1975.
المؤلفات الأكاديمية والنقدية:
«النقد التحليلي» «فن الكوميديا» «الأدب وفنونه» «المسرح والشعر» «فن الترجمة» «قضايا الأدب الحديث» «المصطلحات الأدبية الحديثة» و»الترجمة الأدبية بين النظرية والتطبيق». وكذا.. القواميس والمعاجم والموسوعات الأدبية.
الأعمال الإبداعية:
«السجين والسجان» «البر الغربي» «المجاذيب» «الغربان» «جاسوس في قصر السلطان» «حلاوة يونس» «السادة الرعاع» «الدرويش والغازية» و»أصداء الصمت». ثم سيرته الذاتية في ثلاثة أجزاء، تحت عناوين.. «واحات العمر» «واحات الغربة» و»واحات مصرية». وصدرت كاملة عام 2002.
الترجمة:
قام محمد عناني بترجمة أغلب «مسرحيات شكسبير» كذلك من ترجماته «فاوست» لجوته، «الفردوس المفقود» لميلتون. كذلك بعض مؤلفات إدوارد سعيد، مثل «الاستشراق» «تغطية الإسلام» و«المثقف والسلطة». وعلى الجانب الآخر قام الرجل بترجمة بعض الأعمال العربية المهمة للغة الإنكليزية، منها.. «الأيام» لطه حسين، «المسرحيات الشعرية» لصلاح عبد الصبور، وبعض دواوين فاروق شوشة.
الجوائز:
جائزة الدولة في الترجمة 1982، وسام العلوم والفنون من الدرجة الأولى 1984، جائزة الدولة في الآداب 1999، جائزة الدولة للتفوق 2002، جائزة منظمة جامعة الدول العربية في الترجمة إلى الإنكليزية 2014، وجائزة رفاعة الطهطاوي في الترجمة إلى العربية 2014.