في وداع ولقاء فايزة اليعقوبي
عبدالله حبيبفي وداع ولقاء فايزة اليعقوبيلم أتردد للحظة واحدة في عنونة المشاركة هذه بعنوان قد يبدو مفارقاً، فما الذي يعنيه في مناسبة تأبينية كهذي أن يتحدث المرء عن وداع ولقاء في الآن ذاته؟. لقد درجت العادة أن يستأثر الوداع بالصدارة في عنونة الرحيل، وقد جريتُ علي العادة تلك في مناسبات سابقة. ثم ما الذي يعنيه أن يتقدم الوداع علي اللقاء في العنوان؟. أليس ما يحدث في الناموس أن الناس يلتقون أولاً ثم يتوادعون ثانياً؟. جئتكم، إذاً، بمقاربات قليلة أتمني أن تعيننا في الحوار مع مثل هذه الأسئلة.إن ما حدث هو أن لقائي الأول بفايزة اليعقوبي قد حصل بعد رحيلها، ولذلك فإنه لا يمكنني أن أغض البصر والبصيرة عن هذه المفارقة ذات العلاقة الوثيقة مباشرة بالموضعة التي اقترحها لتجربة الراحلة. بلي، فلأسباب عديدة بعضها خارج عن الإرادة، وبعضها تاريخي، وبعضها يفتقر إلي التأريخ، وبعضها ذاتي لكن غير اختياري، تأسست الحساسية البديلة في الإبداع العماني علي الفقد والرحيل والغياب، حتي صار يمكن القول إن في روح كل مبدع عماني أصيل هناك شيئاً من ابن بطوطة، أو من ماركو بولو، أو من ملاك الموت – لا فرق، فكلهم مرتبط بالرحيل. وهكذا فإننا لا نفخر ولا نخجل من أن في ما صار يُلتفت اليه نقدياً من نصوصنا، قصاً وشعراً وتشكيلاً وغير ذلك، تندلق فضاءات بعيدة، ومدن مستحيلة، وأشكال مبهمة، وأحلام هيولية، وقبور، وأيتام، وثكالي، وأطلال، وفراق، وأرواح هائمة، وغياب لا يبدأ من الفَرْفَارْة التي ناح علي قبور عابداتها أحد شعرائنا، ولا ينتهي بالذين غرقوا في البحر، أولئك الذين يبكيهم كتابةً زملاء آخرون. نحن، عبيد الحياة المخلصون قدر الإمكان، لا نعشق الموت بالتأكيد، ولكن نحاول أن نروّضه ونريّضه ونرضيه في مسعانا لأن نكون أوفياء لما حدث، ولما يحدث، ولما سيحدث من الأصل، إلي الرافد، وحتي المصب. هذا كل ما في الأمر. أود أن تسمحوا لي، إذاً، أن أري إلي الرحيل المبكر والمفاجيء والفاجع لفايزة اليعقوبي من هذا المنظور السياقي، ليس من باب المجانية الرمزية المتاحة بكل سهولة ويسر لمن أراد، علي اعتبار أن الكتّاب العمانيين ليسوا وحدهم من يموتون، بل، فيما يخصني، من أبواب، ونوافذ، وكوي، وشروخ التجربة الواقعية المباشرة؛ فمرة أخري، ها هو الحتف يقضّني، ويقيّض لي أن أكتب هذه المادة من برزخ جسيم. في الثاني عشر من إبريل الفائت، أي في اليوم التالي لوقوع حادث السير الرهيب الذي أودي بحياة الراحلة وزوجها وابنها، هاتفت إحدي الزميلات لنتحدث حول الكتابة، فإذا بالمهاتفة تتحول حديثاً عن الموت، إذ أخبرتني تلك الزميلة بما حدث لأجدني أسألها “من هي فايزة اليعقوبي؟”. وإذا كان غرض هذه المناسبة الليلة هو محاولة الإجابة عن جوانب متعددة من هذا السؤال نقدياً، وأكاديمياً، وبيوغرافياً، وإنسانياً، فإنه في اللحظة التي تفوهتُ فيها، مذعوراً وجاهلاً، بذلك السؤال كنت أعنيه بالمعني الحرفي، إذ إنه بسبب غيابي الطويل نسبياً عن الوطن وما نجم عنه من تقلص اضطراري في المتابعة الثقافية للمشهد المحلي لم أكن قد سمعت باسم الراحلة، ناهيكم عن قراءة شيء من كتابتها. وبعد أيام قليلة لم تخفف الوطء من تلك المكالمة الحزينة، كانت نسخ من بعض النصوص القصصية لمن اضطجعت في اللحد تتمدد علي أديم طاولتي لأقرأ فيها الورد والرماد والردي. جئت، إذاً، من غياب كي أحاول قراءتها بعد أن غابت وباغتتني. جئت من الغربة إلي الوطن. عبرت من لوس أنجيليس إلي عِبْرِيْ كي أتعرف إلي شقيقتي في شقاء الكتابة. ويوم أمس فقط، أي قبل أكثر بقليل من أربع وعشرين ساعة من هذه اللحظة، ومع الصورة الفوتوغرافية للراحلة والمصاحبة للخبر المنشور في صحيفة “الشبيبة” عن هذه الفعالية، شاهدت فايزة اليعقوبي للمرة الأولي. ألا تعتقدون معي، إذاً، أن كل هذا يشكل حالة عمانية بامتياز متطرف؟. من حيث لا نريد ولا ندري، إذاً، تأسست تجربتنا، في مجملها، علي الرحيل والفقد والغياب. ولكن من اللافت للنظر أن فايزة اليعقوبي من أوائل من يتحلي منا – نحن الكتّاب الجدد — بجسارة استثنائية جعلتها تكتب ذلك الغياب بجسدها مباشرة، بينما لا نزال نحن نتوسل الكلمات والأخيلة علي قارعة الحياة. تري، هل علينا أن نحسدها أم نتحسر علي أنفسنا؟. أم أن علينا أن نتعلم من الراحلة بعض التواضع والكثير من الكبرياء والأنفة؟. لكن، يا فايزة، ألم تكن هناك طريقة أقل قسوة وعنفاً وحزماً لتذكّرينا بما قاله رولان بارت مرة بما معناه أنه ليس من قبيل المصادفة أن العرب القدامي يطلقون مفردة “المتن” علي النص وعلي الجسد معاً؟. ألم يكن للنص الغض أن يتبرعم أكثر في الجسد الشاب قبل أن تسقط الورقة الأخيرة من الخريف؟. ألم يكن هناك وقت للفصل الخامس الذي وعدتنا أن ينزلق من ضلوعك قبل أن تذهبي في مغبة العناصر؟. ألم يكن للكلمات إلا أن تكْلُمنا علي هذا النحو البالغ البليغ؟. ألم يكن لنا، نحن الطاعنين في الجهل والظمأ إلي الأبد، أن نرشف أكثر من القلب الأخضر قبل أن تسهو عن الفلج شرايينه؟. ها أنت تجدثيننا بالأسئلة وتكفنّنينا في علامات الاستفهام، ربما لأن الأمر لم يعد يعنيك بعد أن طارت بك الحمامة البيضاء بعيداً عن سمائنا الرمادية، وربما لأنه سينقضي وقت طويل علي بعضنا قبل أن يتمكن من فهم ما حدث، وربما لأن ما حدث لم يحدث، وربما لأن بعضنا الآخر لن يفهم ما حدث إلا حين يراك هناك، لتحدثيه. في النصوص القصصية للراحلة، والتي أتيح للمرء الاطلاع عليها، تتجاور الموهبة الأصيلة والوعد الراسخ مع ارتباكات البداية، ولكن أي جور وفجور أن يتحدث المرء عن “ارتباكات البداية” في نصوص زميلة وصلت إلي أقصي تخوم تجربة وموهبة الحتف قبله؟. ليس الإبداع الحقيقي إلا محاولة صعبة نحو صمت الخليقة الأول، هناك حيث، في البعيد البعيد، ترفل فايزة بأثوابنا، وأحلامنا، وانكساراتنا جميعاً. وفي نصوصها القصصية تلك يشاكسها الشعر في ما يكاد أن يكون تقليداً في القصة العمانية القصيرة، فتحاول أن تتملص منه وأن تتورط فيه معاً، وأن تغزل القص في نسيج حكاياتها الآسرة، وتتردد في الإفشاء كمن لا يريد أن يقول شيئا عن الكثير الذي لديه. إنها أنثي تجيء إلي البوح في مناخ اشمأز حتي الذكور من ذكوريته، فيالصعوبة مهمتها، ويا لنبل مسعاها. تجمع في أحد نصوصها بين ما تسميه “التشابه المفضي إلي العدم” وإشارة لاذعة إلي برنامج “السياحة في بلادي”. من المرجح أن فايزة كانت تدرك أن “السياحة” هي أيضاً مفهوم صوفي مارسته هنا، في بلادها، أرواح كبيرة مثل عبدالله القرموشي، وذلك بمعني التطواف المتأمل علي الأرض قبل مغادرتها. لكن القرموشي، الذي يتردد في الأثر انه عبر المسافة من قْرَيَّات إلي مكة، وفي رواية أخري من اليمن إلي مكة، سيراً علي القدمين، حين سئل في أواخر عمره “كم سنة سحت في الأرض؟” فاجأ سائله بالإجابة التالية: “تسألني كم سنة سحت في الأرض، وكان من الأجدر بك أن تسألني كم سنة سحت في بطن أمي!”. كانت فايزة اليعقوبي تحزم حقائبها استعداداً للسفر إلي تونس من أجل دراسة الدكتوراه في الأدب العربي، ولكن لم يعد لنا غير أن نهنئها بعودتها الباكرة، بعد “سياحة” مكثفة، إلي رحم أمها الأولي. ها هي قاصة عمانية شابة ترحل عنا، ويحدث ذلك تحديداً وبالضبط في نفس العام الذي اختيرت فيه عاصمة بلادنا عاصمة للثقافة العربية، فما الدرس الذي أرادت أن تعلمنا إياه؟. لا أدري، ولكني في انتقال إلي جانب آخر أود القول إنه ضمن التباسات وملابسات واستلابات وسط ثقافي يشعر المرء أحياناً أن فيه من داحس والغبراء أكثر مما فيه من المحبة والحنان والحوار الحضاري والإنساني والأخلاقي، ها هي فايزة اليعقوبي، التي كتبت في أحد نصوصها “مضيت حيث احتواني البحر”، وتنبأت في النص نفسه وبالحرف الواحد بـ “مدية ذات بريق تخرج من البحر تسير نحوي. لم أكن أعلم أنها تفتش عن جسدي”.. ها هي، إذاً، تعاتبنا بتردد وإصرار الأخت الحنون الحانية والخجول، وتمد لنا ذراعيها من الشاطيء الآخر وعلي محياها ابتسامة ما أسميناه في يوم غابر جليل ذاكرة الماء في عمان، لكننا نسينا ما أسمينا، فتسممنا. ها هي تقول لنا، ببلاغة التلعثم كلها، إن الحياة قصيرة، وإن الكتاّب العمانيين قلائل، وإن السيارات صارت أكثر من الأفلاج، وإن ما حدث لها يمكن أن يحدث لأي منا في أية لحظة، كأن يكون أفراد من عائلة الكتاب العمانيين مستقلّين مركبة الحلم نحو مستقبل لن يبلغوه كما حدث لتسع من أخواتنا المنتميات إلي عائلة واحدة في مْحْوْتْ خلال الأسبوع الماضي، أو كما حدث لكاتبة عمانية وزوجها وابنها في 11 ابريل 2006. ها هي فايزة اليعقوبي تقول لنا، وبأصدق وأقسي الطرق الممكنة، إن ما نريد هو المحبة والتفهم وليس الضغائن التافهة، والأحقاد الصغيرة، والطعن في الظهر، والبطن، وما تبقي من القلب، والخاصرة، والروح، والذاكرة، والقبور. بلي، المحبة والتفهم قبل أن يجيء يوم لا ينفع فيه الندم. إيه يا فايزة، رسالتك وصلت، وكلمتك المائية كتبت وقيلت وسمعت، فشكراً جزيلاً لك في نهاية هذا الوداع واللقاء، وشكراً جزيلاً لكم أنتم أيضاً.شاعر وناقد من عُمان(نص الكلمة التي القيت في الاحتفال التأبيني للقاصة العمانية الراحلة فايزة اليعقوبي الذي أقامته أسرة الكاتبات العمانيات في النادي الثقافي بمسقط في مساء يوم الأحد، 7 مايو 2006)0