في وداع 12 جزيرة

حجم الخط
0

في وداع 12 جزيرة

عوني الجيوسيفي وداع 12 جزيرةأكثر من أربع سنوات في هذه البلاد توشك أن تبدأ، بعد أن انقضت عدتها الزمنية. ها أنا أتحسس جواز سفري كمن يتحسس عروة السرج قبل أن يعتلي حصاناً. هناك شيء دائري في السفر يوحّد الغدوّ بالإياب، ويستحضر في آخر يوم لك ببلد ما (دي جا فو) أصله الغامض لا محالة في يومك الأول فيه، وكأن العبور لا يعرف في الوعي الإنساني اتجاهاً، وتطغي فيه الصيرورة علي هوية المدخل والمخرج. أنظرُ عبر النافذة إلي كنيسة تاريخية تواجه مبنيً مقوسا، ونورس يحوم حول الصليب. وتماماً كما في اليوم الأول، تستبد بك التفاصيل وأنت تعرف أن المناظر والأصوات والروائح كلها مرشحة لتكون الأخيرة من سلالتها، بعد أن استهلكت حظها من التكرار في رباعية تبدو اليوم مسافة نصف دورةلأطول عقارب الساعة، ولكأنك تـُودِع الصور في كبسولة زمنية ترمي بمفتاحها من شباك الطائرة، وتدفنها بما حوت في تربة مخاتلة، سطحها ذاكرة، وباطنها نسيان لا يعرف الرحمة.أكثر من أربع سنوات توشك أن تبدأ بقدر ما توشك أن تنتهي، ولم يبق في رمقها أكثر من أيام يقرأ في ختامها قبطان جوي إعلان الوفاة في عبارة تعرّض عن النبأ بطلب مموّه لربط الأحزمة. الآن فقط أكتشف بأن الاغتراب وحده لا يكفي لبتّ الصلة بين المرء والمكان، وربما تفي أربع سنوات لخلق مودة ما بين الحوت، وصحراء ترملت فيها الأمواج حتي صارت كثباناً. وكأنها غريزة يستودعها الله في خلقه تصبيراً لهم علي اغتراب لا ينفك ووطن أشبه باستحالة فيزيائية، إن لم يطح به نظام مستبد أو ملك طاغ، تكفل به رشاش عوزي يلوّح به جندي وصل للتو من الحبشة.أقلّب في صحيفة يومية علي كرسي عام وسط المدينة، ولكني ذاهل عمّا في الصحيفة لأن العقل مشغول بإشباع مقدّم لنوستالجيا خداجية ولدت قبل موعدها ووجدت في كأس للشاي وإطلالة علي تمثال لنلسون حاضنة مثالية لن يطول الوقت قبل أن تعدمها. هاهو اليوم الأخير يصل متنكراً في هيئة اليوم الأول، حين كانت كلمة بالإنكليزية لسائق حافلة تبدو اقتباساً بليغاً من ديكنز، وسؤال عامل النظافة عن اتجاه ما يستلزم تحضيراً مبكرا لصيغة استفسار يبحث عن مفرداته من منولوج لهاملت. كانت الإنكليزية يومها عذراء محمرّة الخدين وراهبة تعتزل العالم في قصيدة ومسرحية، وهاهي بعد أربع سنوات من الضلال في حوارات مبتسرة مع بائع الصحف وسائق الأجرة وموظف البريد، هاهي تؤوب لصومعتها وتدخل المحراب. ما يزال القاموس في حقيبتي، وكومة من الدفاتر الصغيرة علي الصفحات الأولي من كل منها بدايات مشروع لا يكتمل لبصم مفردات المعجم، تنتهي جميعها عند اكتشاف متأخر لشيطانية هذا النبت الذي لا تضرب منه فرعاً حتي يبرعم علي الفأس الذي احتزّه. وما زال حتي اليوم ذلك التعب النابع من جذر اللسان بعد حوار مطول بهذه اللغة رمزاً بليغاً لكل الاغترابات، فآلة النطق التي تمرّست علي الضادات والصادات صارت تجاهد نفسها لتأتي براءات لثغاء وأحرف زائغة تفيض عن عين الفراهيدي ولسان المنظور. أتحسس أذنيّ فأشعر وكأن الصيوان تدبب لفرط الإنصات ومحاولات تعويض فارق اللغة في مسرحيات شكسبيرية تتمني لو كان جبرا يجلس علي يمينك فيها. داخل هذا المسرح اللولبي الفاخر والهائل، في المدينة التي ولد فيها شكسبير، ومن تحت شُرفاته البارزة المزركشة تولّد في نفسي عداء مستحكم تجاه ثقافة متبرّجة وأدب لا يخرج علي ضيوفه إلا بياقة منشّاة وقميص مكوي، والحرس فيه يدققون بتذكرتك مرتين لأنك تلبس حذاء رياضياً أو بنطالاً لم يعرف يوماً دفء المكواة. هذا العدَاء، الذي قاد المرء لأزقة خلفية ومسارح مغمورة، تحول إلي نقيضه التام، فالمسرح ليس بحاجة إلي أرضية دوّارة أو سقف يتحرك باللاسلكي حتي يكون آسراً وبالغ النجاح، وهي رسالة تمتد لما هو أبعد من خشبة التمثيل وتقول الكثير عن المتلازمة المزعومة للمحفظة والإبداع. فوق خشبات هذه المسارح الصغيرة، كان ممثلون لم تسعفهم البروفات في حفظ أدوارهم عن ظهر قلب ينقلونك من عالم لآخر ويُـنسونك ما يَـنسونه من سطورهم بحسن أدائهم لما يذكرون. وكمن يستيقظ من الحلم علي وقع الزلزال، تنبّهك من غفلتك المسرحية دائرة من القيء علي بوابة المسرح أودعها سكران في طريقه إلي الخمّارة السابعة قبل أن يسرّي عن كليتيه في زاوية لموقف الحافلات، ويذكرك من جديد بوجه آخر لهذه البلاد.صافرة قطار قادم تنادي من بعيد، وسكّـتا حديد تحُول بينهما عوارض غليظة، لكنهما يلتقيان خلسة في أبعد نقطة في الأفق. ماذا بقي من القطار في هذه المركبات الحديثة؟ قاطرة الفحم أضحت خزّاناً، والعامل القابض علي المجرفة السوداء أمام الفرن المتقد صار مضخة وقود لا تتعرّق. حتي المدخنة الشهيرة رُدمت، وساعة الجيب المتدلية من قميص مفتش إنكليزي أنيق صارت عقدةً حول الرسغ. لم يبقَ غير الصفير الحاد لفم حديدي شفتاه سكة وعجل معدني، ومقعدان متقابلان قرب النافذة، أحدهما يرميك بالتلال والخمائل، والآخر يسحبهما منك بلا استئذان. وحده النهر سلم من مسخ الحداثات المتعاقبة، وما زالت الضفتان في المدينة الإنكليزية ـ لليوم ـ تحتشدان علي طرفي النهر وتتراشقان بالجسور، وكأن طلائع الرومان وصلوا للتو إلي الجزيرة. سيظل عبور الجسر أجمل ذكري بهذه البلاد، ولربما لم تغدق الأسطورة ولا الرواية ولا القصيدة علي هيكل كما فعلت مع الجسر لتترك في حاصل جمع رموزها شعورا طاغيا بالإبهام لديك كلما وصلت منتصف المسافة بين الضفتين. يقودني شارع ضيق إلي بحيرة لم أزرها منذ زمن. بجعة بيضاء تطفو علي سطح الماء ما بين جسر مقوّس وانعكاس مموّج لعمود إنارة لا يستيقظ إلا ساعة الغروب. كل شيء يبدو الآن خارجاً من رحم القصائد والروايات، وقد تكفي مسحة علي جناح طائر حتي ترتد البجعة أميراً، أو رمية لحجر وسط بحيرة حتي يستيقظ مارد أسطوري يطلب حلاً عاجلاً لأحجيته المستحيلة. في هذه الساعة من الليل يتوجب المشي بحذر فالمسافة بين الحلم والواقع تهوي تحت الصفر بعد أن يتداخل العالمان ويصبح للرائحة صوت ولدرجة الحرارة ملمس مدبب حول الأطراف. في الجزء الشمالي من المحيط اثنتا عشرة جزيرة تدعي (براطينيا) وتقع بعدها بلاد لا سكان فيها، ولا أحد يعرف ما هي… . تطفو عبارة ابن رستة علي سطح الذاكرة بدون بطاقة دعوة، وكأنها تحاول كسر شاعرية غثة لا تناسب المكان ولا الزمان. وأشعر بمدّ المزاج وقد انقلب جزراً ليضحي التأمل ترحماً علي زمن كانت فيه بلاد إيدن وكرومر وسايكس 12 جزيرة علي تخوم العدم، وآخر عهد المسلمين بحد الخارطة المرسومة. ها هو اللنبي يعبر باب الخليل، وظل (تورنيدو) ينعكس علي جسر فوق دجلة. تفتح أطلساً علي خريطة للشرق الأوسط فيصغر جوزيف تيرنر بعينك وأنت تري أهم عمل تشكيلي قدمه إنكليزي في التاريخ، ويخال إليك بأن الله اصطفي هذه الجزيرة شباة لقلمه وهو يكتب أقبح فصول أقدارنا علي لوحه المحفوظ. ها هو الصبي الفرويدي الذي يلكم أباه ثم يحضنه علي الفور لأنه يودّه ويكرهه في الوقت ذاته. يشد رجل إنكليزي علي يدي ويقول: حلمي أن أشارك في اقتحام مستوطنة في قطاع غزة، ولا ألبث أن ألتفت حتي أري لوحة معدنية تبيّن اسم الشارع: بلفور . تنظر إلي عبّارة تمر في هدوء عبر التايمز، فتشعر بسكينة غامرة، ثم تلتفت فتري تمثال لريتشارد قلب الأسد يلوّح بسيف برونزي علي مدخل برلمان لم يفقد لياقته بعد لإجازة حروب حزبه الحاكم. تغرق العبّارة ويجف النهر وتضيع السكينة في مكان لا سبيل لتذكره. ورغم هذا وذاك، فها هي أربع سنوات توشك علي النهاية في جزر ابن رستة الاثني عشر. كنيسة قديمة تواجه مبني مقوّساً، وصافرة تخبو لقطار مبتعد يذوب حيث تلتقي السكتان. رشفة نهائية من كأس الشاي، وتفقّد أخير لعروة السرج. كاتب من فلسطين يقيم في بريطانيا0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية