درجت الأمم المتحدة في 29 تشرين الثاني/نوفمبر من كل عام على إحياء يوم عالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني، وحثت الجمعية العامة في قرار لها الدول الأعضاء على المشاركة في إحياء الاحتفالية بالتعاون مع لجنة وشعوب الفلسطينيين في الأمم المتحدة وتنظيم احتفال بهذه المناسبة ومعرض مع بعثة فلسطين في الأمم المتحدة.
وأقرت الأمم المتحدة اليوم في عام 1977 وفي 29 تشرين الثاني/نوفمبر من كل عام، وهو اليوم الذي وافقت فيه المؤسسة الدولية على قرار 181 لتقسيم فلسطين في عام 1947. وفي عام 2015 أقر رفع علم فلسطين إلى جانب أعلام الدول المشاركة بصفة مراقب وغير عضو أمام مقرات الأمم المتحدة حول العالم وفي نيويورك.
وجرت العادة أن يقدم الأمين العام للأمم المتحدة مشاركة وتصريحات في هذا اليوم، وذكر الأمين العام الحالي أنطونيو غويتريش بالوضع المتدهور في الأراضي الفلسطينية المحتلة وعمليات القتل المستمرة للفلسطينيين على يد قوات الأمن والجيش الإسرائيليين وتحرشات المستوطنين ونشاطاتهم ضد الفلسطينيين، وقال: «يجب أن ينتهي الاحتلال» وأضاف مدير مكتب الأمم المتحدة إيرل كورتني راتري، متحدثا بالإنابة عن غويتريش «أشعر بالحزن العميق من زيادة عدد المدنيين الفلسطينيين الذين فقدوا حياتهم في دوامة العنف التي تشهدها الضفة الغربية» و«كل ضحية تغذي الخوف والعنف أيضا، وأحث كل الأطراف على اتخاذ الخطوات الفورية لخفض التوتر وكسر دوامة القتل».
قتل ومداهمات
وتشهد المناطق الفلسطينية منذ بداية العام الحالي توترات ومواجهات وتهجير ومصادرة، وقتل فيها أكثر من 150 فلسطينيا واستمرت المداهمات لبيوت الفلسطينيين في الضفة بدون توقف، ردا على ما تقول إسرائيل إنها عمليات في إسرائيل نبعت من مناطق جنين ونابلس، مركزي عمليات الجيش الإسرائيلي. وتعيش البلاد أجواء من الخوف والترويع وسط عودة التحالف الليكودي- الكاهاني وتسليم بنيامين نتنياهو حقيبة الأمن العام للمتطرف المدان إيتمار بن غفير زعيم القوة اليهودية الذي فاز مع ائتلاف بـ14 مقعدا في الإنتخابات الإسرائيلية.
ويريد المتطرفون ضم الضفة الغربية ويهددون بطرد الفلسطينيين في داخل إسرائيل إذا ثبت عدم ولائهم للدولة. وبدأت إسرائيل بتنفيذ هذا بقرار ترحيل المحامي والمواطن المقدسي صلاح الحموري إلى فرنسا بعدما جردته من إقامته. والعنوان مكتوب على الجدار، فعودة التطرف الإسرائيلي إلى مركز القيادة في إسرائيل يعني تأجيجا مستمرا للأوضاع في الضفة وزيادة الاقتحامات للحرم القدسي، وهو ما كان يفعله بن غفير قبل الانتخابات، ويخشى أن يعطي شرعية للصلوات اليهودية في ردهات المسجد الأقصى ويحاول تغيير الوضع القائم فيه. ويجري التسخين في الضفة الغربية والقدس وسط صمت عربي رسمي، والاكتفاء فقط بتصريحات تؤكد على مركزية القضية الفلسطينية للأنظمة العربية، كما برز في اجتماع الجامعة العربية بالجزائر الشهر الماضي. ولن يتغير الحال في الضفة أو القطاع المحاصر، في ظل إدارة أمريكية مترددة في إصلاح ما خربته الإدارة السابقة لدونالد ترامب، وتكتفي بالحد الأدنى من السياسات، تعيين مبعوث أمريكي خاص، إعادة الدعم للفلسطينيين والتأكيد على حل الدولتين التي تعتقد الإدارة نفسها أنه غير ممكن.
رسالة قوية
وفي مقال نشرته صحيفة «واشنطن بوست»(29/11/2022) لكل من أرون ديفيد ميلر ودانيال كيرتزر دعيا فيه الرئيس الأمريكي جو بايدن الرد وبقوة على حكومة بنيامين نتنياهو. وأشارا إلى ما كتبه الروائي جون بوكانان في روايته «العباءة الخضراء» عن التجسس البريطاني الألماني- التركي خلال الحرب العالمية الأولى «هناك رياح ساخنة تهب عبر الشرق والأعشاب الجافة تنتظر الشرارة» و«لا يمكننا التفكير بأحسن من هذا وما ينتظر الإسرائيليون والفلسطينيون الذين يعيشون بين البحر المتوسط ونهر الأردن. إلا أن الرياح الساخنة اليوم تدفعها قوى ضخمة تزيد من سوء الأوضاع المتقلبة: سلطة وطنية ضعيفة لا تستطيع السيطرة على العنف والإرهاب، حكومة يمينية متطرفة سيتم الإعلان عنها قريبا وتريد ضم القدس والضفة الغربية إلى إسرائيل وإدارة أمريكية لا تريد المخاطرة والتورط بالفوضى، حتى لو كان هذا يعني المواجهة مع إسرائيل».
وقالا إن نتنياهو أصبح القابلة التي ولدت أكثر الحكومات تطرفا في تاريخ إسرائيل وعين فيها متطرفون بسجل إجرامي من أجل مساعدته على التخلص من الملاحقات القضائية بالفساد والرشوة. وتعني أجندة التحالف زيادة في الاستيطان والمصادرة وعمليات في داخل إسرائيل. وفي الحد الأدنى، سيؤدي هذا إلى وضع نهاية لحل الدولتين وإلى عنف بين الفلسطينيين وقوات الأمن في القدس وعنف بين الفلسطينيين والجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية إلى جانب اندلاع العنف بين اليهود والعرب داخل إسرائيل. وربما قادت الظروف الجديدة لجولة أخرى بين حماس في غزة وإسرائيل كما في عام 2021. ويرى الكاتبان أن إدارة بايدن التي لديها الكثير من الأولويات الملحة في الوقت الحالي لا تريد افتعال مواجهة مع نتنياهو. ومع ذلك، فطبيعة الائتلاف المنتخب ديمقراطيا والمخالف في صورته للطبيعة الديمقراطية والمعادي للمصالح الأمريكية يتطلب من إدارة بايدن إرسال رسالة قوية لإسرائيل والسلطة الوطنية والدول العربية.
ضحية
ويعرف الجميع أن هذا لن يحدث وسط ما يجري في العالم. فالوضع في فلسطين هو ضحية للاعتبارات في السياسة المحلية الإسرائيلية وتضارب مصالح القوة في ظل الميول المتزايدة لليمين المتطرف، وتراجع اليسار، واللافت للانتباه ان الانتخابات الأخيرة كانت بين يمين متطرف وآخر أكثر تطرفا. أما على الصعيد الإقليمي فالقضية الفلسطينية تراجعت في أجندة الأنظمة الرسمية التي باتت تتعامل مع إسرائيل كأمر واقع، واتخذت خطوات لخرق ما اعتبر يوما «إجماعا» عربيا بعدم التطبيع مع إسرائيل قبل حل القضية الفلسطينية. ويتم تبرير كل هذه الخطوات بالمصالح الخاصة، التجارة والتكنولوجيا في الحالة الإماراتية والمصالح الذاتية الضيقة، مثل السودان الذي تم ابتزازه بالتطبيع مقابل شطبه من قائمة الإرهاب والمغرب الذي قايض المصالحة باعتراف أمريكي بسيادته على الصحراء الغربية. ويشير الكثير من المراقبين إلى أن تراجع الاهتمام العربي بالقضية الفلسطينية مرتبط بالربيع العربي والظروف التي أنتجها من الثورات والثورات المضادة حيث خلقت ظروفا جعلت الشارع العربي مهمتا بمشاكله المحلية، وخاصة مع النزاعات الأهلية في سوريا واليمن وليبيا وانقلاب مصر الذي ربط مصالحه مع إسرائيل، على الاقل فيما يتعلق بالحصار المتواصل على غزة.
وفي آب/أغسطس 2021 نشرت مجلة «إيكونوميست» تحليلا بعنوان «وداعا للسلاح» قالت فيه إن القضية الفلسطينية استنفدت بالنسبة للنظام العربي هدفها، وهذا يفسر السبب لبحث دوله عن علاقات مع إسرائيل التي تجنبت في بداية نشوئها أي تحالفات مع جيرانها وتبنت فكرة ديفيد بن غوريون «التحالف مع الأطراف» مثل إيران وتركيا. وقالت المجلة إن هذين البلدين لم يعودا مصدر للتحالف نظرا للملف الإيراني النووي والتوتر في العلاقات مع أنقرة، وبات الجوار العربي مصدرا لتحالفات إسرائيل الجديدة، حيث قدرت أن نصف الدول العربية إما أنها في حالة اعتراف كامل بالدولة اليهودية أو تتعامل معها أمنيا وتجاريا. وهذا لا يعني ان القضية الفلسطينية فقدت أهميتها بالنسبة للشارع العربي، فالنظرة العامة للتلفزة والبرامج والتقارير الإخبارية تظهر حالة الغضب العربي، وخاصة عندما تواجه غزة الحروب مع إسرائيل، وآخرها العام الماضي. فالعرب عامة يشعرون بالغضب والتضامن مع الفلسطينيين ويرون في معاملة إسرائيل لهم أمرا مثيرا للغضب.
تراجع قديم
وفي الوقت الذي قام فيه النظام القومي الحديث وتحديدا في ظل جمال عبد الناصر على المواجهة مع إسرائيل إلا أن أيا من الدول العربية لم تخض حربا معها منذ أكثر من خمسين عاما ولم تخض أي حركة غير فلسطينية حربا معها منذ عام 2006. وفي الحقيقة فقد أصبح النزاع الفلسطيني واحدا من مشاكل المنطقة، ولم يعد المحور الذي جمع العالم العربي مرة. ويعتقد محللون أن تراجع الاهتمام العربي لم يبدأ في الربيع العربي، بل ويعود إلى كامب ديفيد وقرار مصر عقد سلام بارد مع إسرائيل، حيث خسر الفلسطينيون دولة كانت مرة مستعدة للدفاع عنهم عسكريا. فأهمية القضية الفلسطينية أو ما عرف مرة بالصراع العربي- الإسرائيلي ظلت مرتبطة بأهميتها للنظام الرسمي العربي، وتتراجع عندما لا تخدمه، مع أن النظام العربي لم يتخل عن دعم القضية الفلسطينية في المحافل الدولية، لكن الوضع لم يعد كما كان بعد لاءات الخرطوم التي أعقبت هزيمة 1967 حيث وضعت فلسطين في مركز سياسات الأنظمة العربية. واستخدمت الكثير من الأنظمة العربية حالة «الاجهاد» من القضية التي باتت أكثر استعصاء على الحل وسط تراجع فرص التسوية السلمية أو إقناع إسرائيل بالتنازل رغم المبادرات العربية الداعية للحل، لكي تبرر الحاجة لكي تهتم بنفسها ومصالحها، وهو ما عبرت عنه اتفاقيات إبراهيم 2020 والتي ذهبت فيها إدارة ترامب أبعد عندما حاولت التأكيد على أن العدو للعرب ليس إسرائيل بل إيران والحاجة لبناء تحالف إستراتيجي يحمي الجميع من الخطر الإيراني.
شأن محلي
وتشير التحولات في السياق العربي وظهور المصالح الذاتية أو القوميات المحلية إلى أن أهمية فلسطين والفلسطينيين تراجعت في أجندة النظام الرسمي. وفي ظل التعاون السري بين الدول العربية وإسرائيل في الستينات والسبعينات، المغرب وعمان، واتفاقيات كامب ديفيد وقرار الفلسطينيين توقيع أوسلو في التسعينات، باتت القضية بأيديهم في وقت أصبحت فيه الأنظمة العربية في حل من أمرها. ومن هنا استخدمت إسرائيل التحالفات العلاقات الناشئة سرا لمحاولة تحييد الفلسطينيين المرتبطة معهم باتفاقيات وإقامة علاقات تطبيع مع دول بات بعضها يرى في المسألة الفلسطينية صراعا محليا، بل وشأنا يخص الحكومة الإسرائيلية في تعاونها مع السكان الواقعين تحت سيطرتها وتعاملهم ضمن نظام فصل عنصري حسب تقارير منظمات حقوقية دولية وإسرائيلية.
الشارع العربي
وإذا كان النظام العربي مضى بعيدا في متابعة مصالحه بما يعني محاولة إرضاء أمريكا ترامب التي سلمت مفتاح البيت الأبيض في المنطقة لإسرائيل إلا أن الأمر مختلف بالنسبة للشارع العربي والذي حافظ على علاقته مع فلسطين وتعاطف معها وأعرب عن حماسة لها. وحتى في دول التطبيع الجديدة والتي من الصعب فيها قياس مواقف الرأي العام، فالدعم قائم والتعاطف لم يخفت. وعلينا ألا ننسى أن جيل الألفية المحروم والمنفصل تماما عن المؤسسة ولا يريد الحوار معها، وفلسطين ليست استثناء فالوضع السياسي الراكد أدى بالجيل الجديد للتحاور مع نفسه وعبر منصات التواصل الاجتماعي التي تقدم صورة عن توجهات الرأي العام من القضية الفلسطينية. والمتابع للأحداث الأخيرة والرد عليها في الفضاء السيبراني يجد مصداقا لهذه الرؤية. وحسب مؤشر قياس الرأي العام العربي 2017- 2018 فقد قالت نسبة 77 في المئة أن فلسطين هي للفلسطينيين ورفضت 87 في المئة التطبيع في غياب التسوية. وبالنظر إلى ردود الدول على حدة فقد قالت نسبة 64 في المئة من الفلسطينيين أن فلسطين هي لهم، وهي أدنى نسبة بين المشاركين مما يضيف بعدا آخر للتعقيد. ومهما كان الأمر، ففي ظل الأوضاع التي يعاني منها الشباب والحرمان من حرية التعبير وفرص الحياة والقمع المتواصل فمن الصعب الحديث عن رأي عام مؤثر على القرار الرسمي، ولا ننسى أن منظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان وغير ذلك من القوى الشعبية لا تلعب عادة دورا في الأنظمة الحاكمة. ولو نظرنا للمشاعر التي أبداها المشجعون العرب في مونديال قطر 2022 ورفع العلم الفلسطيني وتداولهم للقطات الفيديو التي تم فيها رفض الحديث مع صحافيين إسرائيليين جاءوا لتغطية المناسبة، فهي مؤشر على أن القضية حاضرة في قلوب العرب، بخلاف أنهم لا يستطيعون فعل أي شيء خوفا من رد أنظمتهم. ولم تعد هناك تظاهرات مؤيدة ومتضامنة مع الفلسطيين إلا في عدد قليل من الدول العربية. ورصدت مجلة «ذي آثليتك»(1/12/2022) مواقف كهذه، ففي لقطة ظهرت صحافية إسرائيلية وهي تحاول الحديث مع مشجعة ترتدي العصابة اليابانية وسألت المرأة «أي قناة هذه؟» وعندما أخبرت أنها إسرائيلية رفعت يدها بالرفض ومشت. وأصبحت هذه اللقطة «ترند» على منصات التواصل الاجتماعي، ولقيت منشورات آلاف إعادة التغريد والمشاركات عندما يرفض المشجعون التواصل والتعامل مع الصحافيين الإسرائيليين. وفي واحدة من لقطات الفيديو، قال مشجع يرتدي القميص السعودي لصحافي إسرائيلي «لا يوجد بلد اسمه إسرائيل، هناك بلد اسمه فلسطين». وفي مناسبة أخرى رفعت مجموعة من المشجعين المغاربة بشالاتهم لصحافي قبل أن يعرفوا أنه إسرائيلي، ليعرضوا عنه. وقالت المجلة إن واحدة من أكثر اللقطات التي تم تداولها بشكل واسع كانت عندما حاول الصحافي راز شيشنك من موقع «واي نت» الذي يعتبر واحدا من أهم المنابر الإسرائيلية على الإنترنت التخفي كصحافي إكواردي. كل هذه ردود عفوية تؤكد أن فلسطين لا تزال حاضرة في قلوب العرب، لكن سنوات الاضطرابات السياسية والحروب الأهلية وعقودا من التنافس على من يمثل ويقود القضية الفلسطينية داخل النظام العربي والتغيرات الدولية والإقليمية أثرت على أولوية أطول صراع في التاريخ الحديث لدى النظام العربي وبالضرورة الشعوب العربية.