تقول الأسطورة، إن الشعر ظل في جبل عبد العزيز، أخفاه مريدٌ عجوزٌ في أصل شجرة بطم. لم يصل المُريدُ إلى مرتبة الولي، بقي بينه وبينها أن «يسرح» مع الغزلان سنةً بحالها، فهامَ وصام، وركض معها وبينها في الوديان والسفوح. ولكنه لم يحتمل حتى النهاية، ظل تسعة شهور وعشرين يومًا، ثم فر إلى الموصل، ومات بين أحفاده، تاركًا الحضرة في أعلى قمة في الجبل. زعم خُدام المقام أن العجوز ترك السر ينفلت وهرب، ولكن كل من تمسح بالشجرة تلك قال شيئًا يشبه الشعر، وبكى.
عام 602 للهجرة تُوُفي الشيخ، وبعد نحو خمسين سنة، مسح المغول المكان، أشعلوا النار في الشجر، وشَوَوا لحم الغزلان، قلبوها على نصالهم الدامية، والتهموها، ثم مَضَوا نحو حلب ودمشق، قطعوا الفرات بخيولهم، ليكملوا مسيرة الطاعون الأسود، وتركوا وراءهم سرا في أصل شجرة. لم يصلوها، ولم يعد يعرفها أحد. الرجل الوحيد الذي نجا من مذبحة الجبل، أُرسل إلى القبائل في الجنوب ينذرهم شر المغول، ولكنه عاد إليه بعد سنتين، مصلوم الأذنين، ناتئ الوجنتين. تلمس الجبل سفحًا سفحًا ومنحدرًا منحدرًا، أنشد المدائح في الليالي، وجر الأوراد في صباحات الجبل التشرينية، وحيدًا غريبًا، تمرّ به العربان، فتمنحه الخبز والماء والتمر والأقِط، وتربط الخرفان والجداء أمام الجدار الباقي من أثر المقام.
سبعون شهرًا مشى فيها الرجل المصلوم، مشى الجبل شرقًأ وغربًا، جنوبًا وشمالًا، بحث عنه الدراويش والمجذومون، والعرافون، والتمسوه أحيانًا ينشد، وأحيانًا يهرول مثل الغزلان التي لم تَعُد، ووجدوه أحيانًا في حالة الصحو، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويُفتي ويؤم المصلين ويتحدث في العبادات. تحير العربان في الروايات المتضاربة عن خادم المقام، في اختفائه وحضوره، في الليالي الشاتِية، والضَحَوَات الربيعية. في مواسم الحصاد، ومواسم «تعشير الماشية». أحيا موالد في مضارب البدو، وأكواخ الحواضر، تحيروا في حالات صحْوِهِ وسكْرَتِهِ ضاحكًا، باكيًا، عاقلًا، مجنونًا، ثرثارًا، صامتًا.
يقول العارفون هذا هو الشعر: الشعر ما كان عليه المريد الجديد الناجي، النادم، العائد، التائب؛ فما الشعر غير احتفاء بالخسارات، وتوسلٌ بالجنون، وما أدركه المصلوم لم تسعفه في تعبيره لغَةٌ.
شهران وعشرة أيام لم يستطع فيها المريد الصبر مع الشيخ، كان سيجمح في فضاء المطلق لو أنه صبر شهرين وعشرة أيام.. سبعون يومًا بالضبط، هي المسافة بين العيدين تمامًا. أعادها الرجل الناجي من المذبحة كل يومٍ بشهر. لم يكن الناجي شاعرًا. قبل الخراب كان الفتى الموصلي سقاءً يطوف أحياء مدينته حاملًا قربة الماء. يومًا ما دعاه المريد الهارب إلى مائدته. أكل معهم دبسًا وشاركهم «طاسة» الحليب. سُر المريد الهارب بالفتى، وتذكر فيه ذلك الشاب الذي كانه، حين سلك الدرب وكاد أن يطير. بكى المريد النادم، وأسر لـ«الفتى» بالجبل والغزلان وشجر البطم، والأيام السبعين التي يجب أن يقضيها. حين مات المريد، طوى الشاب قربة الماء، وقطع دجلة نحو الغرب. على رجليه مشى شهرًا ملتمسًا في خشاش الأرض طعامًا لجوع، ونارًا لليل.
لم أمشِ جبل عبد العزيز، بل رأيته من بعيد. كان ذلك في مرور طارئ لباص حلب- القامشلي من «تل تمر» إلى «الحسكة». ولكنني رأيت أهله، يبنون بيوتًا غريبة في حي كامل مقابل معهد «الصف الخاص» يومها كنتُ طالبًا أدرك الثانوية بدرجاتٍ شحيحة. كانت «الليلية» أكواخًا حقيقية جاء بها أهلها من الجبل، إلى مدينةٍ تتكئ على نهرٍ فَقَدَ «شجرَه» و«جزَعه»، فعاد إليه شعرا عصيا في بيوتٍ آسرة البؤس.
كانت بيوتًا غريبة حقا. لم تكن أطلالًا؛ إذ يمشي بينها طلابٌ فقراء، وعمال متكاسلون، يحملون ربطات خبز و«سردين» وحبات ليمون وبصل في أكياس سود. كل ما ظل فيهم من الجبل لمعات عيونهم وهي تستقبل البرد والغرباء. بيوت من دون جدران يُعتد بها، أو سقوفٍ كالتي تغنى بها ميخائيل نعيمة مبشرًا بحداثةٍ من حديدٍ وحجر. يمكن القول إن أبناء الجبل نقلوا «ماكوندو» ماركيز بوصفها طللًا إلى مدينة ريفية كبيرة.
في ليالي الشتاء يحتاج الناس إلى الحكايات، وفي شتاءات الأمم يصنع المجانين الأساطير. هكذا عزيتُ نفسي، حين ذرَوْت بيدر الكلام في هبوب الحرب. الأسطورة وطن الشاعر.
في كل صباح أمشي المسافة بين «عويران» و«الصف الخاص» متجاوزًا السجن، ملتفتًا يمينًا نحو جدران تحكي حرب المطر والطين والفقر وضيق ذات اليد، لأرى الجبل والمريد والرجل الناجي من المذبحة. ولكن شيئًا ما، نثر جمالًا، جمالًا ظل في أصل الشجرة القديمة، في تلك السنة المطيرة من شتاء 1985، يتثاءب بياض الكلس الباهت في حُمرة الطين فوق هُضيبةٍ لم تتح للعشب أن يعلن فوز المطر. هناك كان عبد الرزاق زميلي في الصف الخاص، يسكنُ ما يُسمى «الغرفة». الشاب «الأبيضاني» الخجول المجتهد، ابن الجبل الهادئ. لعله رعى الماعز هناك وتعثر بأصل الشجرة تلك، فحمل في عينيه الخضراوين كل هذا الشعر. العيون الخضراء «الشاوية» غريبة؛ فليست تلك خضرة الزيتون الغامقة اللامعة، بل هي خضرة الحناء الهادئة، خضرة الحزن الخفيف المستكين الوادع. لم يكتب عبد الرزاق الشعر، ولكنه كل ما فيه كان شعرًا.
أكمل عبد الرزاق دراسته بعد «الصف الخاص» ونال الحقوق، وكان مؤهلًا لدخول معترك المجد «الشاوي» في القضاء أو المحاماة، ولكن من يعرف عبد الرزاق المخنوق بالشعر يدرك أنه غير جدير بصراع مصطلحات: «الشهود، والحبس الاحترازي، وتوجيه التهمة، والجناة والمغدورون». حين رأيت عبد الرزاق في ما بعد، كان قد تزوج ووجد وظيفةً في التربية ناسب شهادته الجديدة، وترك الليلية، كما ترك المريد الغابر الجبل، ولا أدري إن كان يبكي الآن أو يتذكر أيام الليلية مثل أي مريدٍ خاسر.
«الجبَلْ» هكذا تنطقها أمهاتنا هناك، بدون ذكر اسم صاحبه، مهابةً ومحبةً. حين تعودُ عجوزٌ من الجبل تزورها صويحباتها، يسألنها عن الجبل والناس والمقام والبيوت اللاتي تركنها هناك، ويتفقدن بفضول ما جاءت به من خيرات المكان، يتلمسن بشغف أعواد الطرفاء والشيح والحرمل، ويستفيض حديثٌ وجد في الماضي فردوسًا مفقودًا؛ فيضيء الكلام، وتشتعل الحواس، وكأن قصيدةً للتو، طيرها المريد النادم، فحطت على كتفٍ مهيض، هاربٍ من أتون الحرب. سماه الشيخ «محنة الهارب من المطلق» وهو يقص علينا حكاية الدرويش، واستدرك «سجادة النادم» ثم أنشد «هيموني تيموني* عن هواهم أشغلوني». الكلام الـ«سارح»، قال راعٍ «يرعش» في المساء بأغنامه الصاعدة الهضبة، ويشم في حليبها رائحة أعشابٍ غريبة تشي بتلك الشجرة التي لم يعثر عليها أحد، وقال جدي هو «الخُسران» وهز رأسه وهو ينظر إلى الشمس الغاربة.
في ليالي الشتاء يحتاج الناس إلى الحكايات، وفي شتاءات الأمم يصنع المجانين الأساطير. هكذا عزيتُ نفسي، حين ذرَوْت بيدر الكلام في هبوب الحرب. الأسطورة وطن الشاعر. ومنذ زمن بعيد كانت العجائز يصررن الذخائر في أكياس صغيرة، ويدسسنها في صدورهن. كنت أخبئ أسطورةً كهذه في صرار، ولكن العجائز أيضًا تركن الجبل.
٭ شاعر وكاتب سوري