فَرْحَة

حجم الخط
0

هشام علوانفي تلك الليلة، لم أنم جيداً، طاردني طيفُ فرحة، صرتُ مشدوداً لها، كانت أجمل بكثيرٍ من صورتها في الملف، أنثى حقيقية طازجة، ممتلئة بحيوية وعنفوان، تلمحُ في عينيها شقاوة وتمرداً وحزناً نبيلاً، يطلُ عليك حين تشردُ مع خيط دخان سيجارتك، أو تنظرُ ناحية البعيد، كأنها تنتظرُ فارسها الوحيد، لينجدها من ورطة الحياة.

حلمتُ بها كثيراً، وكنتُ أصحو نشوان من مجرد رؤيتها في حلمٍ عابر، راقبتها، وتلصصتُ على مكالماتها.. وحسدتُ شهاباً عليها.

من أين جاءت بتلك الشجاعة، لتبحث عنه؟

وتصرُ على لقائه، بينما تخلى عنه أهله وذووه!

لم تكن أبداً اسماً على مسمى، طاردتها الأحزان وألفتها، فبعد أن حصلت على دبلوم التجارة، أحبت أنور محسوب، مدرس التربية الرياضية، بمدرسة البنين الملاصقة لمدرستها، كانت قصة حبٍ تشبه الأفلام القديمة، تزوجته رغم رفض أبيها له، وتحدت فرحة الجميع، فقاطعها أبوها، وخاصمتها أمها، لكنها ظلت مكتفية بأُنس المحبة مع أنور.

وازدادت بهجتها، عندما أحست بجنينٍ ينمو في أحشائها، عاشت مع زوجها عاماً من السعادة، أفسح قلبه لمتسعِ هواها، كانت مليكته الوحيدة. حلمَ كثيراً بأشياء بسيطة وممكنة، لم تكن لتتحقق إلا بالإعارة لدولة خليجية، ظل ينتظرها، شهوراً وسنوات، لكنها تجاوزته بصفاقة ذات صيف، مُخرجةًلسانها لأحلامه العادية.

قالوا:

إنه عاد في ذلك اليوم مُصفّرَ الوجه، ينضحُ عرقٌ باردٌ فوق جبينه، لم يكلم أحداً، أو يرد سلاماً على أحد، صعدَ إلى شقته، وبعدها.. تعالت صرخات فرحة.

نقله الجيران إلى المستشفى، وتبَيّنَ أنه أصيب بذبحة نجا منها بأعجوبة، ثم تعافى وعاد إلى بيته، ظل حبيساً فيه لأسابيع كثيرة.

سكنته الهموم والأحزان، والشعور المرير بالهزيمة، لم ينطق بكلمة، أو ينبس بحرف، أو ينظر في عينيها، حاولت فرحة بكل الحيل أن تخرجه مننوبة الكآبة، لكنها فشلت، بكت وجثت على قدميه، ورجته أن يعود كما كان:

فقط فارسها في الغرام.

لم تعرف فرحة ما الذي حدث، استيقظت كعادتها مبكراً، لم تجد أنور في السرير، نادت عليه، لم يجبها إلا الصمت، انقبض قلبها، خرجت كالمذعورة تسأل عنه، لم يأتها رد.

أخبرها أحد الجيران أنه شاهد أنور يركب المترو في اتجاه المرج، وكان يرتدي (تريننج سوت) أحمر.

ظلت فرحة تبحثُ عنه لمدة عام كامل، حتى جاءت ابنتها إلى الدنيا، ولما أعيتها الحيلة، وحفيت قدماها على الطرقات، وأضناها البحث عن أنور، وباءت كل محاولاتها بالفشل، أيقنت تماماً أنها صارت وحيدة.

أشارت عليها جارة لها بالعمل، قدمت فرحة أوراقها في كل مكان، حتى ابتسم حظها، وعملت كـ ‘ دادة ‘ في إحدى الحضانات، تُغيّر الحفاضات، وتهتم بالأطفال، تكنس وتنظف المكان كل يومٍ، من السابعة حتى الخامسة عصراً.

لكن الروضة أقفلت بعدما وشى مالك العمارة على صاحب الحضانة، لأنه لم يرفع الإيجار كما وعده، فأبلغ عنه السلطات، التي جاءت و’ شَمّعتْ ‘ المكان، حتى يستوفي تراخيصه.

التحقت بعدها فرحة بمشغلٍ للفتيات، تعلمت ‘الحياكة’، وشربت سر الصنعة في أسابيع قليلة، وأشادت بها صاحبة المشغل:- أنتِ ذكية جداً.

ردت فرحة:- الجوع يعلم الحمار!

و بعد شهور توفي والدها عبد الرحمن غنيم، موجه أول بالتعليم الصناعي، فتصالحت مع أمها وأختها الأرملة، وأشارت عليها أمها أن ترفع دعوى طلاق غيابي، حتى تستحق صرف معاش والدها، وبعد أن حصلت على الحكم، وصار من حقها المعاش، تركت المشغل، واشترت ماكينة خياطة، وقالت في افتخار:- أنا مديرة نفسي!

كانت تحيك الملابس لأبناء العمارة والشارع، وبرعت في تقليد ‘ الباترونات ‘ المختلفة، وأقبل عليها الزبائن، وصارت مستورة الحال، حتى جاء شهاب فَغَيّرَ من حياتها.. وحياتي!*** في كل ليلةٍ أستمتعُ بالتنصتِ على حديثها الهاتفي، صوتها يغردُ في روحي فينعشها، ويخفقُ قلبي لضحكاتها الطفولية، أراقبها بشغفٍ، وأعشقُ مشيتها، بقدها الممشوق، و خطواتها الواثقة الرشيقة.

ساعدتها كثيراً دون أن تدري، منعتُ عنها كل العيون الساغبة والطامعة في جسدها البض، أصبح خليل الدمنهوري يتحاشاها تماماً، أطلق لحيته، ونبتت له زبيبة عجيبة في جبينه، وصار يؤذن في زاوية المسجد أسفل العمارة، بعد ما استدعيته وهددته، وابتلعت زوجته لسانها، فلم تعد تلوكُ سيرتها مطلقاً.

جعلتها تفوز ثلاث مراتٍ بثلاجةٍ وغسّالة أوتوماتيكية، وتلفزيون بشاشة LCD، عشرين بوصة، في مسابقات وجوائز وهمية، سددتُ عنها فواتير كثيرة، ونَصَبْتُ سياجاً من الحماية حولها.

كنتُ أراقبها من بعيد، وأسمع صوتها كل يوم، لم أجرؤ أبداً على طلب مقابلتها، أو أحاول التقربَ منها، اكتفيتُ بمتابعتها من بعيد، وربما أبتسمُ وألوّحُ لبنتها الصغيرة، كلما مرت قريباً مني. يبدو أنني أحببتُ فرحة! فصل من رواية تصدر قريباً عن الدار المصرية اللبنانية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية