منى صفوانبامكانك ان تغير قدرك المحتوم، حتى لو كان هذا القدر هو الموت المحقق.. موتك أنت او موت من تحب… هذه عبارة الخلاصة لفيلم يقيس بضع دقائق في حياة ‘لولا’ وحبيبها ‘ماني’، بطريقة يمكنها ان تعيد صياغة هذه الحياة.
فالمخرج الذي ابتكر طريقة المقارنة بين ثلاثة احداث، يمكنها ان تحدث لشخص واحد، ارسل رسالة سهلة، تقول انك لو فعلت كذا لحدث لك كذا.
الفيلم الالماني ‘اجري.. يا لولا.. اجري’ هو قصة الشابة التي يقع حبيبها في مأزق مع رئيس عصابته، لان عليه ان يسلمه 100 الف مارك كان قد سرقها، ثم نسيها في عربة المترو، وقبل مغادرته للعربة يرى حقيبة المال في متناول يد متشرد، يأخذها بالفعل.
الفيلم يبدأ باتصال يأتي لـ’لولا’ من حبيبها ‘ماني’ يحكي لها كل ما حدث، وعلى ‘لولا’ الان ان تساعد حبيبها، قبل ان يأتي وقت التسليم، وان لم تفعل سيضطر لسرقة المحل الذي امامه، ويعرض نفسه لتهمه اخرى، الان خلال دقائق ربما هي اقل من المفترض على الفتاة ان توفر مبلغ 100 الف مارك لانقاذ حياة حبيبها وكل ما تفكر فيه الان هو، من الذي تذهب اليه! ومن هنا يبدأ جري ‘لولا’ بكل قوتها لتصل لهدفها.
الفيلم اعمق من ان يشرح، لكن ببساطة فكرته، يعرض ثلاث محاولات لها، بطريقة اخراجية مختلفة، فلو فعلت كذا سيحصل لها كذا، ففي المرة الاولى تكون النتيجة ان تقتل هي، وفي المرة الثانية يقتل حبيبها، اما في المرة الثالثة فتحصل على المال وبطريقة مشروعة، وفي نفس الوقت يجد حبيبها الرجل المتشرد ويسلم المبلغ بموعده وبذلك يكونان بأمان وبحوزتهما 100 الف مارك اخرى، هذه النهاية النموذجية للقصة.
وهي نهاية لا تحصل عليها ‘لولا’ الا بعد تكريس فكرة واحدة، هي: ان على خطوتك الاولى ان تكون صحيحة، وانك ان اجتزت العقبة الاولى ستصل بسرعة، وليس عليك سوى ان تجري، والامور هي التي ستقود نفسها. الامر تماما كلعبة الدومينو التي اظهرها المخرج بلقطه ذكية وخفيفة بداية الفيلم، ثم اختفت في الاعادات التالية للاحداث. لعبة الدومينو المشهورة، تعتمد على سقوط القطعة الاولى، ثم من بعدها تسقط كل القطع تباعا في مسار واحد له فروع، الفروع في الفيلم كانت هي قصص الاشخاص الذين تلتقيهم ‘لولا’ صدفة اثناء جريها، وما الذي يحدث لهم بمجرد ان تجري الى جوارهم، وكيف تتغير حياتهم للاحسن او للاسوأ بحسب الانطلاقة التي تبدأها ‘لولا’. قطع الدومينو المتساقطة تسقط بسرعة تضاهيها سرعة ‘لولا’ وهي تجري كقطار سريع لا يوقفه شيء، ربما هذا ما عليك ان تفعله انت ايضا!
الفيلم ينفذ سريعا اليك، ويوجه لك رسائل قوية، متلاحقة، ويوضح كل شيء لك مع مرور الوقت، فمتى على ‘لولا’ استخدام قوتها وحماسها وصراخها، متى عليها ان تقامر، وما الذي عليها ان تفعله والذي تجتنبه.
لقد حصلت على المال مرة حين هددت والدها مدير البنك، واستولت على المبلغ. ومرة ساعدت حبيبها ‘ماني’ في سرقة المتجر وقتل الشرطي، الذي يحرسه. القتل والسرقة طريقتان كلاهما منبوذة لتحقيق الهدف، نتيجتها ان تقتل هي في احداها، ويقتل حبيبها في المرة الثانية. لكن حين تدخل دون سابق تفكير الى كازينو قمار وتقامر لتفوز، وهي ليست عضوا في هذا النادي وليست من رواده، وليس مرحبا بها، انها الغريبة على هذا العالم الذي ليست جزءا منه لكنها تريد منه شيئا.
و كل ما يهمها ان تفوز بالملبغ من دون ان تقتل او تسرق، الفيلم لا يعطي للقمار قيمة اخلاقية، بقدر ما يظهر مشهد القمار والكازينو برمته، انه لوحة سريالية ويغنيه بكثير من الرموز ليوصل فكرته، بان الحياة هي مغامرة ومقامرة، ومهما كان اعتراض من حولك على قدرتك او حماسهم لهدفك، ومهما كان استياؤهم لوجودك وهذا ما حدث لها في الكازينو، ولانك الغريب عنهم ولست منهم، فهذا لم يهز ‘لولا’ التي غادرت الكازينو وسط ذهولهم، ومعها 100 الف مارك. في الوقت الذي ساقت فيه الاقدار المتشرد في طريق حبيبها، ليسترد منه المبلغ وبسهولة، اما كيف وصل المتشرد للمكان الذي يقف فيه حبيب ‘لولا’ في انتظارها، فهذه هي حكمة الفيلم.
انها ذاتها طريقة قطع الدومينو التي بسقوطها تحرك كل مرة قطعا اخرى في جهات مختلفة، ومفترقة عن بعضها، لتصل كلها لنقطة واحدة بعد ذلك.
فحين كان على ‘لولا’ ان تسير في طريق معين هذ المرة غير الطريق الذي كانت تسلكه كل مرة، لا تخترق صفوف الراهبات، فتسير الى جوارهن. وتصطدم بالشاب على الدراجة الذي كان كل مرة يضايقها، وهذه المرة يصمت ويغير مساره ويقف في محل لشرب القهوة، مصادفا للمتشرد الذي يشتري منه الدراجة، فيسير بها باتجاه المكان الذي ينتظر فيه حبيب ‘لولا’، التي هي بدورها بدلا من ان تعرقل سيارة الاسعاف التي تصطدم بلوح زجاجي يحمله العمال على الطريق، تختار هذه المرة ان تصعد الى سيارة الاسعاف فتجد الممرض يحاول انقاذ حياة رجل يمد لها يده، وتمد له يدها، وكأنها جاءت لتكون الى جواره، فتنتظم دقات قلب المريض وتنقذ حياته. هكذا تسقط قطع الدومينو تباعا بترتيب لتصل لهدف واحد. فالان تنزل ‘لولا’ من سيارة الاسعاف وتجد ‘ماني’ ينزل من سيارة رجل العصابة وقد سلمه حقيبة المال ويجري باتجاه حبيبته سعيدا، بينما هي تقف في ذهول صامت. وحين يمشيان معا في طريق العودة يسألها..’ما هذا الكيس الذي في يدك؟’ تلتفت اليه وتصمت، نعرف نحن ان في الكيس المبلغ الذي كان يبحث عنه وهو ملكهما الان، وبذلك تصلنا الحكمة التي اردها هذا المخرج من فيلمه، الذي عليه ان ينتهي هنا، وفعلا يفعل، لنلمح لماذا اخرجه بهذه الطريقة المتسارعة الايقاع. لقد دمج المخرج بين رسوم الكارتون والاحداث، والصق اكثر من صورة في كادر واحد واعتمد على تلاحق الصور وتقطيعاتها، في اكثر من موقف حتى لا يسترسل فيه، ووظف الموسيقى في مكانها، إما ليعبر عن موقف مسترخ في حدث يبدو مشدود الاعصاب، او عن علاقة حميمة جدا بين الشابين في استخدام الضوء الاحمر ليعطي مبررا لجري ‘لولا’ طول الفيلم، لانقاذ حبيبها، من دون ان يغوص في تفاصيل علاقة عاطفية او مشاهد حميمية.
انها قصة حب ولكن بشكل مختلف تماما، وفيلم سريع الايقاع لا يسرف في لقطاته، ولا يخل بها.
يبقى الفيلم خفيفا وساحرا، ومحافظا على ايقاعه السريع رغم انه يقارب الساعتين، ويعطي بعدا للسينما الالمانية التي اعيدت لها الروح بهذا الفيلم، بعد توقف مربك لها.
فهذا الفيلم الالماني الذي حصد جائزة الاوسكار عن احسن فيلم اجنبي، اعاد الاحداث ثلاث مرات باستخدامه كل مرة زاوية مختلفة للكاميرا، وعدسة مختلفة، لحدث واحد بحركة تؤكد ان زواية النظر او التعامل مع حدث واحد يمكنها ان تختلف وان تحدث نتيجة مختلفة.
الفيلم، عرضه الاسبوع قبل الماضي ‘نادي السينما’ في المسرح المكشوف لاوبرا القاهرة، ونال اهتمام النقاد والصحافيين، وخلال الندوة التي اعقبت الفيلم وادارها الناقد الكبير رفيق الصبان، كان واضحا ان نجوم الفيلم، هم الفكرة والمونتاج وانه فيلم اخراج من الدرجة الاولى، لا يعظم الاداء التمثيلي المبهر، فهو لا يعتمد على تعبير الممثلين او نجوميتهم بل على طريقة عرض الاحداث.
من شاهد الفكرة، كان معجبا بسيناريو ستيف كلوفيكس الخفيف واجتمعت الاراء حول فلسفة عبثية الاقدار التي يمكن التحكم بها، كما تحكم المخرج الكبير ديفيد ياتس بفيلمه واعاد الاحدث ثلاث مرات ليوصل الفكرة وجعل بطلة فيلمه فرانكا بو تنيتا تجري من دون توقف.. لتقطع كل هذه المسافة… جريا.
صحافية يمنية تقيم في القاهرة