فيلم يعكس واقعا اجتماعيا وانسانيا ‘أكبر من الحياة’

حجم الخط
0

‘قط أبيض، قط أسود’ لأمير كوستريكا:

بدر السلام الطرابلسيحينما تتداخل العوالم الفنية مجتمعة في ممكن الصورة، وحينما تحتمل اللقطة السينمائية أكثر من بعد وتنفتح على الشعر والموسيقى والتمثيل بشكل لا يمكن معه التفريط في أحد هذه العناصر أو حتى تفكيك الصورة داخل هذه اللقطة دون الربط مجازا ومعنى بين مكوناتها الفنية والسينماتوغرافية المختلفة، فحينها، وحينها فقط، يمكننا الحديث عن سينما ‘أمير كوستريكا’ العجيبة والمذهلة، وذلك دون القفز على منطق التقييم الموضوعي لمجمل آثاره السينماتوغرافية، حتى وإن كان منطق التقييم للأثر الفني عديم الجدوى في بعض الأحيان، لتواصله مع مبحث ‘زئبقي’ التحديد والمقاربة، مفتوح على كل الممكن واللاممكن.

وعند الحديث عن سينما ‘أمير كوستريكا ‘، السينمائي البلقاني، المبدع عبر تناقضاته اللاممكنة، وعبر افلامه التي يشكل كل واحد منها صدمة بصرية، وفضاء مبتكرا كذلك الذي توصل إلى صناعته رائد السينما الإيطالية فيليني، فإننا لا يمكننا بأي حال من الأحوال تجاهل ‘أيقونته’ السينمائية ‘قط أبيض، قط أسود’ الذي جسد، حسب العديد من النقاد، ذروته السينماتوغرافية، بعد أن كان قد استقال عن هذا الحقل وتفرغ للعطاء في الحقل الأكاديمي.

وكان فيلم كوستريكا ‘قط أبيض قط أسود’ قد أتى في مرحلة من تاريخية فيلموغرافية كان قد قطع فيها مع الصناعة السينمائية، ليتقاعد من هذا الحقل بشكل مبكر، ويتفرغ للاشتغال على المباحث الأكاديمية والتدريس، غير أن الهاجس الفني المتنامي في داخله عاد وأخذ مكان الهاجس الأكاديمي ليعود لنا بهذا الفيلم الذي أخرجه في أواخر تسعينيات القرن الماضي، والذي توج بجائزة ‘الأسد الفضي’ في مهرجان Venise السينماتوغرافي سنة 1998. يتحدث هذا الفيلم عن أحد الغجر يدعى Mtko الذي يعيش برفقة ابنه Zre على ضفاف نهر الدانوب. ومن أجل تنفيذ صفقة شراء لقطار من البترول المهرب، كان ضروريا عليه ان يطلب مساعدة عراب المجتمع الغجري وصديق والده Grg Pitic، الذي لم يتوانَ عن مساعدته، غير انه فشل في تنفيذ عمليته، واحتيل عليه من قبل محتال خبير يدعى Ddne الذي طلب منه ان يجوز أخته الصغيرة لابنه اليافع من أجل تسديد ديونه، وبما أن الفتى يريد الزواج بفتاة أخرى، فإن الأحداث تأخذ منحى آخر.

ما من شك في أن حياة الغجر التي تطرق إليها الفيلم تختلف أيما اختلاف عن حياة المجتمعات المتمدنة، فهم قوم رحل لا يعرفون الاستقرار في مكان، يعيشون تقاليد مجتمعية غريبة ( إذا تابعناها بقراءة من خارج النص). كما أن الفاقة والحرمان تدفعان هؤلاء الأقوام إلى اتباع أرخص الأساليب للعيش، كبيع الأطفال والدعارة وما لفل لفهما، ولكن أليس هذا تماما ما يروجه الإعلام العام عنهم!

؟ هل كان الأمر يستحق العناء فعلا حتى يأتي شاعر آخر، بعد فيدريكو غارسيا لوركا Federico Grci Lurc ( الذي عكست قصائده آلام الغجر الذين عاشوا ويعيشون على هامش المجتمعات، وتعرضوا ويتعرضون لاضطهاد حكامها)، لينبش الغبار المتراكم على روح هذه المجموعات، ويؤلف قصائده الخاصة به عنهم، ولكن بآلة تصويره هذه المرة، وليسجل معيشهم اليومي، وموسيقاهم، وعالمهم السحري المليء بالفنطازيا والخيال، والمتجذر عميقا في تربة البلقان، وعلى ضفاف نهر الدانوب.

لقد استجلى كوستريكا، من خلال فيلمه ‘قط أبيض قط أسود’، والذي أوحى بالبعض من افكاره لكاتب السيناريو ‘غوردان ميهيك’، نهارات وليالي غجر البلقان، بكوميديا ساحرة، وسريالية مبتكرة، تجعلان المشاهد يعيش إطارا سينماتوغرافيا، يكون بمثابة البوابات، واحدة تأخذه إلى ماضي دفين، يعتقد أنه نسي منسي، وأخرى تمتد به على الصراط، نحو ‘فردوسه المفقود’، لتعالج ( البوابتان) شيئا من قلقه المتنامي عن مصيره المسكون بسؤال الهوية، ـ وليسمح لي سارتر باستعارة كلماته ـ عن ماهية ‘الوجود والعدم’. وحينما نتحدث عن البصمة السريالية التي تطبع هذا الاثرالفني، فهذا لا يعني بأي شكل من الأشكال أن الفعل الدرامي والشخصيات والأمكنة وما إلى ذلك مكونات غريبة عن الواقع المعاش أو كائنات أسطورية لا يمكن تحديدها، بل على العكس تماما، فالمفارقة العجيبة التي تفاجئنا كلما شاهدنا الفيلم، وتدعونا لنعيد البصر إليه ثانية وثالثة ورابعة… ، هي انه وعلى الرغم من التناقضات الشديدة التي تسم شخصيات الشريط، وإقدامها على القيام بأفعال لا يمكن توقعها أو انتظارها، غير انها تعد شخصيات واقعية حد النخاع. وعلى الرغم مما توحيه لقطات الفيلم من لوحات فنية لمجتمع غجر البلقان، في تنقله اليومي وعيشه الفريد من نوعه، إلا أنها كذلك لا تمت للانبتات عن الواقع بصلة، بل هي واقعية أكثر من الواقع! غير انها واقعية جميلة على الرغم مما ارتسم بين طياتها من حزن ومعاناة. ويقول مخرج الفيلم في هذا السياق ‘إن مجتمع الغجر وانسانيتهم يقدمان ما أنتظره من السينما، شيئا أكبر من الحياة ( ‘lrger thn life’) كذلك الذي نشاهده في الأفلام الهوليوودية القديمة، غير أن الاختلاف بينهما يكمن في أن ما أصوره هو الواقع في حد ذاته’. وبالعودة إلى الحديث عن شخصيات الفيلم، فإن ما سيذهلنا حقيقة على هذا المستوى، هو أن الممثلين الثانويين في هذا الشريط لا يقلون مهارة عن الأبطال، الذين من المفترض أن يكونوا شخصيات رئيسية في فيلم ‘قط أبيض، قط أسود’، بل إن الفارق الوحيد الذي ربما يميزهم عن بعضهم بعـضاً هو المساحة الدرامية التي يشغلها كل واحد فيهم والتي تزيد وتنقص من ممثل لآخر.

فكل واحد من هؤلاء الممثلين، سواء أكان يلعب دورا رئيسيا أو ثانويا، فإنه يتقمص الشخصية التي حظي بها بعنفوان لا يمكن أن يصدر إلا عن شخص ملهم وذي شخصية غير عادية، بحيث ينفخ في الدور الذي يجسده من روحه حتى يدفعنا إلى الضحك دون أن نعرف لماذا نضحك، هل على الطريقة التي يؤدون بها أدوارهم أم على حواراتهم أو ببساطة على طريقة جسدهم في التعبير عما تعجز الكلمات عن إيصاله، والتي لا يمكننا فصلها عن تعبيرات الكوليغرافيا clligrphie المتواترة في بعض اللقطات من الفيلم وبشكل اعتباطي ومختلف لا ينضبط للأساسيات، أو عن الموسيقى الغجرية التي لا تعلم متى ستنتهي بل ولا يمكننا تخيل الشريط السينمائي ‘قط أبيض، قط أسود’ دون تواتر هذه الموسيقى المصاحبة للصورة السينماتوغرافية داخل الفيلم.

إن أداء الشخصيات لأدوارها بهذا الشكل غير العادي والحدي والمبالغ فيه، لا يمكن، بأية حال من الأحوال، أن ينفي عنها واقعيتها المتجذرة، ومألوفيتها لدينا وشبهها بكل واحد فينا، وبكل كائن بشري بشكل عام.

كل ذلك يدفعنا إلى الإقرار بانجذاب كوستريكا الدائم إلى الإنسان أو إلى أعجوبة الحياة، الحياة الممكنة في كنف تضافر الظروف غير المؤاتية، تلك الظروف التي تتسم بالبؤس وعدم الاستقرار وحالكية المعاش اليومي المخترق بموسيقى مفعمة بالخيال والسحر يجعل الأحداث والمشكلات تتساوي في أنظار شخصيات الفيلم، على الرغم من احتوائها على تناقضات عميقة في احيان كثيرة، ربما كان ذلك، وبكل بساطة، ضربا من العبثية اللاواعية، الموظفة بعفوية مطلقة، وبلا إرادة مسبقة، من أجل التمكن من تبصر درب الممكنات الاجتماعية المتاحة لهم، وملامسة شيء من ‘السعادة’ المفقودة التي، وإن لم يسمح لهم بتحديدها عن طريق ‘المال’ فقد تسنى لهم إهداؤها للملايين الذي تابعوا هذا الفيلم، بلغة فيلموغرافية جميلة قدر من خلالها المخرج اليوغسلافي كوستريكا أن يأسر الملايين ممن تابعوا هذا الشريط، بل وحسب الكثيرين، أن يكسب تعاطفهم مع قضية الغجر السلاف في منطقة البلقان ومختلف أنحاء أوروبا التي يوجدون فيها.

ما سبق ذكره يجعل من ‘قط أبيض، قط أسود’ تحفة فنية بحق، نادرة في وجودها سواء من ناحية الإخراج أو أداء الممثلين، أو حتى الكوميديا التي تسم هذا العمل الفني، والتي تميزت باستثمار موفق للطريقة المسرحية في أداء بعض اللقطات والمشاهد من الفيلم، في تجانس تام مع عناصر الإرث الفلكلوري الغجري دون أن يمس ذلك بالخاصيات السينماتوغرافية لهذا الفيلم.

خلاصة القوللقد اختلف فيلم ‘قط أبيض، قط أسود’، كما دلل على ذلك النقاد، عن السينما الصربية، لاحتوائه، كما سلف وأبرزنا، على كوميديا سريالية، غريبة، وانماط من الشخصيات التي تقدم اكثر مما لديها، وتقنعك بأنه مهما وصلت درجة عبثية الواقع، فإن طهرانيتها تجعله بهيجا وممكنا. ومن ثمة فإن هذا الشريط يعد علامة فارقة في سينما البلقان.

ثم إن النجاح منقطع النظير الذي حصده فيلم كوستريكا، والذي تجاوز البعد المحلي الصرف لينفتح على كل ما هو انساني، لم يأت ِ من عدم، أو بمحض صدفة عابرة، وإنما جاء لتمثل دقيق من المخرج لعمله، وعدم اقتصاره على معالجة أحداث الفيلم من زاوية تقليدية ضيقة، بل إنه قارب مواضيع الشريط قيد التحليل بانفتاح كامل على الأبعاد الانسانية التي يمكن ان تكون أحداث الشريط منطلقا لها، بعيدا عن المجادلات المحلية العقيمة عديمة الجدوى والتأثير. صحافي تونسي مقيم في الدوحة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية