في ذكرى الاستقلال.. حوار بين الدولة التركية والدولة في وطننا

حجم الخط
0

د. معمر فيصل خولي دأبت الدول في جماعة الدولية على الاحتفال بيوم استقلالها الوطني، فحكومات دول ترى فيه مناسبة وطنية رمزية ليس مطلوب منها سوى إذاعة بعض الأغا ني الوطنية و تقديم بعض الأفلام التاريخية الخاصة، في حين هناك حكومات دول أخرى ترى من واجبها تقديم كل ما هو جديد لدولتها في تلك المناسبة الوطنية. والنوع الأخير من الحكومات ينسحب على حكومة العدالة والتنمية التي استلمت زمام الحكم في تركيا في عام 2002. فهي تحتفل في التاسع والعشرين من الشهر الحالي بيوم استقلالها السابع والثمانين، ويمكن القول إن أهم ما سوف يقدم من قبل الحكومة التركية لشعبها في تلك المناسبة الوطنية، هي محاولاتها الجادة في إعادة بناء الدولة التركية، فتجربتها في الحكم ساهمت وبشكل فعلي في الحد من الصلاحيات الكبيرة التي كانت تتمتع بها المؤسسة العسكرية في إطار النظام السياسي التركي وجعلها مؤسسة تابعة له، كما عملت على تقوية آليات حكم الدولة من خلال تعزيز الممارسة الديمقراطية والحكم الرشيد وحماية حقوق الإنسان، في حين الدولة في الوطن العربي ومنذ نشأتها فشلت في استراتيجيات بناء الدولة، والتصقت بها أزمات النظام السياسي على المستوى الداخلي كأزمة الشرعية والهوية والمشاركة والتغلغل والاندماج. فهي الآن تعاني من ضعف متنام وتآكل خطير في شرعيتها المجتمعية، فالصومال منذ مطلع تسعينيات القرن المنقضي تعد من الدول المنهارة، واليمن يشهد حالة من التمرد قد تفضي إلى انفصال الجنوب، والسودان يترقب انفصال جنوبه في مطلع العام المقبل، أما العراق ولبنان فقد عادا إلى الولاءات السابقة على الدولة، فعراق اليوم على الرغم من مرور أكثر من سبعة أشهر على الانتخابات البرلمانية عاجز عن تشكيل حكومته، ولبنان المنشطر منذ تأسيسه، يزداد انشطارا على نفسه بمجرد زيارة قام بها الرئيس الإيراني محمود احمدي نجاد، إما مصر والمغرب والجزائر فقد انحسر مشروعها التحديثي. فضلا عن اختطاف العشيرة أو القبيلة للدولة في بعض الدول العربية.

تستقبل الدولة التركية يومها الوطني في ظل طبقة وسطى استطاعت أن تشكل مجتمعا مدنيا يحظى بفاعلية كبيرة ويمكن أن نؤشر على فاعليته بحدثين مهمين الأول، حينما جهزت الجمعيات والهيئات الجماهيرية التابعة لذلك المجتمع، قافلة واجب إنساني في سبيل رفع الحصار على غزة في أيار الماضي وما تبعها من أحداث دموية قام بها الكيان الصهيوني لعرقلة وصولها إلى هدفها الحقيقي، أما الحدث الثاني فتكمن في نتيجة الاستفتاء على التعديلات الدستورية الأخيرة، فالحكومة كانت تدفع الجماهير إلى التصويت ‘بنعم’ على تلك التعديلات وعلى الرغم من ذلك لم تتجاوز نسبة التصويت المؤيدة لها أكثر من 58 بالمائة، وهذه نتيجة ذات مؤشر ايجابي فهي تدلل على قوة الحركات و الأحزاب المعارضة لتوجهات الحكومة في تركيا، فهي ليست مجرد حركات أو أحزاب شكلية؛ لتضفي الطابع الديمقراطي على الدولة فهي حاضرة بقوة في المشهد السياسي التركي.

أما المجتمع المدني في دولتنا العربية، فيعاني من ضعف شديد بسبب انكماش طبقته الوسطى التي تعتبر الحاضنة الطبيعية له، فقد تجذر فيه الولاء العمودي المبني على الأسس المذهبية والطائفية والقبلية والعرقية. أما الأحزاب العربية فالديمقراطية بالنسبة لها مجرد أفكار نظرية ليس لها أي صدى على مستوى الممارسة الحزبية الداخلية، فالعلاقة بينهما علاقة طلاق بينونة كبرى، هذا فضلا عن تهافت تنظيماتها وتكلس قياداتها.

تستقبل الدولة التركية في ظل حكومة حزب العدالة والتنمية يومها الوطني واقتصادها يشهد نموا ملحوظا، فقبل وصوله كانت تركيا قد بدأت بسلسلة من ‘ الإصلاحات’ في اتجاه اقتصاد السوق عام 1999، وفق رؤية صندوق النقد الدولي وبرعاية منه، لكن هذه ‘الإصلاحات’ انتهت بأزمة اقتصادية عميقة، كان من نتائجها: انخفاض معدل النمو، وزيادة معدلات التضخم، وارتفاع مقدار العجز في خزينة الدولة إلى درجة لا يمكن التحكم بها، وارتفاع سعر الفائدة، وعدم استطاعة القطاعات الاقتصادية في الدولة تحمل هذه التغيرات مما نجم عنه تردي في الأوضاع. ولكن مع وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة، شهد الاقتصاد التركي عملية تحول كبيرة كان من نتيجة هذا التحول زاد الناتج القومي بين عامي 2002-2008 من 300 مليار دولار إلى 750 مليار دولار, بمعدل نمو بلغ في المتوسط 6.8′, وارتفع معدل الدخل الفردي للمواطن التركي في نفس المدة من 3300 دولار إلى 10000 دولار, فضلا عن الانخفاض المستمر في معدلات التضخم التي وصلت في سنة 2001 إلى 70′ وانخفضت في نهاية عام 2007 إلى 8,4′, كما شهد الاقتصاد التركي أيضا زيادة مطردة في حجم الاستثمارات حيث ارتفع معدلات استثمار القطاع الخاص في المدة ما بين 2002 – 2008 إلى 300′, أما استثمارات القطاع الحكومي فقد ارتفعت بنسبة 100′, بذلك احتلت تركيا المرتبة السادسة عشرة في ترتيب اكبر اقتصاديات على المستوى العالمي, وأصبح ترتيبها السادس على المستوى الأوروبي, وضاقت الفجوة ولأول مرة بين معدلات التنمية التركية ومعدلات التنمية الأوروبية. أما الدولة في الوطن العربي فقد أخفقت في تحقيق الأهداف التنموية وتقديم الخدمات الرئيسة التي وعدت بها قطاعات حيوية كالتعليم وفرص العمل والصحة والضمانات الاجتماعية. وهي اليوم كالأمس ويبدو كالمستقبل أيضا تتعمق فيها أزمة التوزيع العادل للثروات. فهي دولة غير منتجة باستثناءات قليلة تعتمد اقتصادها على تصدير الخامات الأولية وتقديم التسهيلات التجارية والخدمات السياحية والاتجار في الأموال والأراضي والعقارات والكثير منها تعتمد على المعونات والمساعدات الخارجية من قبل الدولة العظمى والدول الكبرى. ومثل هذا النشاط الاقتصادي يولد الفساد فهو في حقيقته مبني في الأساس على عمليات غسيل الأموال. فالدولة في الوطن العربي تتصدر لائحة الدول المنغمسة في الفساد بكل أشكاله، وهذا ما تؤكده التقارير السنوية الصادرة عن منظمة الشفافية الدولية. كل ما تقدم جعل من الدولة التركية لاعبا رئيسيا في التفاعلات السياسية الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط، أما الدولة في الوطن العربي فتساهم بشكل ثانوي في تلك التفاعلات ويكاد يكون غير ملموس.

وفي الختام، من الصعوبة بمكان القول بأن حكومة العدالة والتنمية استكملت معالم إعادة بناء الدولة، فهي مازالت تحكم تركيا وفق أحكام دستور عام 1982، الذي وضع من قبل المؤسسة العسكرية، على الرغم من كل التعديلات التي لحقت به. ولكن يمكن القول بأن الفيصل في ذلك سيكون في الانتخابات البرلمانية في صيف العام 2011، ففي حال فوز حزب العدالة والتنمية بغالبية المقاعد الجمعية الوطنية’ البرلمان’- كما فاز بانتخابات عام 2002- ستضمن له استكمال برنامجه الإصلاحي، فمنجزه القادم في يوم استقلال الوطني الثامن والثمانين سيكون دستور جديد للدولة التركية الجديدة، أما منجز الدولة في الوطن العربي، ففي حال استمرار غياب الديمقراطية و الحكم الرشيد و احترام حقوق الإنسان سيكون المزيد من التبعثر والانقسام. ‘ باحث عربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية