في الحالة الانتحارية في الكويت

حجم الخط
0

د. عبدالوهاب الأفندي(1) يجب أن أعترف مسبقاً بأنني متحيز نوعاً ما أمام التجربة الكويتية، وأرى أنها، رغم المآخذ عليها، تظل من التجارب السياسية الرائدة في العالم العربي. أعرف كذلك أن هذا الموقف معزول لدرجة كبيرة على الساحة العربية، وحتى في بعض الأوساط الكويتية، وأن صورة الكويت والكويتيين تعاني من مشكلة مزمنة. ولكن مهما يكن فإن الكويت تظل ساحة مفتوحة، يتمتع فيها المواطنون بقدر لائق من الحقوق والكرامة إذا ما قورنت بالبلدان العربية المجاورة والبعيدة. على الأقل، ظل الحال هكذا حتى أمس الأول.(2)من هذا المنطلق فإن المشهد الذي بثته التلفزة عن قيام الشرطة الكويتية بالاعتداء بالضرب على برلمانيين كويتيين يعقدون ندوة سلمية داخل منزل نائب معروف مثلت صدمة عنيفة لقناعاتي وفكرتي عن الكويت، كما لا بد أنها شكلت صدمة لكثير من الكويتيين ومعظم المراقبين. ويطرح هذا المشهد تساؤلات محيرة حول الاتجاه الذي تسير نحوه التجربة الكويتية.(3)أول ما يتبادر إلى الذهن أمام هذه الممارسة الغريبة هو أن الحكومة تعتقد على ما يبدو أنها فقدت السيطرة على البرلمان، وأنها توشك أن تفقد السيطرة على الشارع. وفي هذا المجال اتجهت إلى محاولة يائسة للقمع والضرب كأداة لتدجين البرلمان وربما التمهيد لحله بعد أن فشلت التكتيكات الأخرى، من محاولات تحكم في الانتخابات إلى الإغراءات والضغوط على النواب والكتل البرلمانية.(4)جاء هذا الوضع على خلفية تضعضع سلطان العائلة الحاكمة واهتزاز صورتها وتفاقم صراعاتها الداخلية، وهي صراعات كشفت عن نفسها بوضوح في صعوبة الاتفاق على تنصيب الأمير الحالي الشيخ جابر الأحمد الصباح في عام 2006، واضطرار الأسرة (ويا للمفارقة!) إلى استخدام البرلمان لحرمان ولي العهد السابق الشيخ سعد الصباح من تولي الإمارة.(5)تجلت أزمة الحكم في الكويت أكثر ما تجلت في الصراع المحتدم بين الحكومة والبرلمان، وهو صراع يبدو مفتعلاً في الغالب، ويظل ملغماً بحساسيات مفرطة. على سبيل المثال نجد الحكومة تبذل قصارى جهدها لتجنب أي استجواب من النواب، رغم أن عملية الاستجواب من صميم مهام الهيئة التشريعية في أي نظام برلماني. إلا أن الحكومة ترى في أي استجواب عدواناً مبيناً، وقد تقيل الوزير المعني أو تقدم استقالتها كاملة حتى لا تتعرض أو أي من أعضائها لاستجواب.(6)’في هذا الإطار فإن الهجمة الشرسة وغير المسبوقة على النواب لم تكن مجرد مواجهة عابرة خرجت عن نطاق السيطرة، وإنما كانت رسالة واضحة من الحكومة لنواب الأمة بأن صبرها قد نفد من مشاكساتهم. فقد وقعت هذه المواجهة في نفس اليوم الذي ترأس فيه الأمير اجتماعاً استثنائياً لمجلس الوزراء انتقد فيه ‘التطورات والمظاهر السلبية التي تشهدها الساحة المحلية والتي من شأنها إشاعة الفوضى والتوتر وعدم الاستقرار’ وحث فيها الأجهزة الأمنية على ‘عدم التساهل أمام أي مظهر من مظاهر الإخلال بالأمن والاستقرار في البلاد’.(7)وصول المواجهة إلى هذه المرحلة يعني الانهيار الكامل لآليات التحاور، ليس فقط بين الأسرة الحاكمة والمواطنين بل بين مكونات النخبة الكويتية، وهي نخبة صغيرة ذات مصالح متشابكة. ومن هنا فإن تخوف الأمير في محله من الأمور تسير نحو كارثة محققة. ولكن أسلوب التعامل الحالي قد يعجل بالكارثة بدلاً من تلافيها.(8)لا ينتظر أن تصل الأوضاع إلى درجة الفوضى واندلاع أحداث عنف، وإن كانت الكويت شهدت وتشهد أحداث عنف موجهة في معظمها نحو أهداف أجنبية. وللكويتيين وجود معتبر في جماعة القاعدة وغيرها من التشكيلات العنيفة. ذلك أن للكويت تقاليدها المعروفة في التعامل مع مثل هذه الأمور، كما أن الوجود الأمريكي العسكري ونفوذ واشنطن المتزايد هناك قد يدفع إلى تدخل أمريكي مؤكد من أجل معالجة الوضع عبر الحوار.(9)لكن تبقى إشكالية الكويت المزمنة في عجزها عن حسم خيارها: إما العودة إلى مربع الملكية المطلقة، كما هو الحال في بقية بلدان الخليج، أو العبور إلى مرحلة الملكية الدستورية كما هيأتها لذلك تركيبتها الاجتماعية وتاريخها البرلماني العريق. وهي في هذ أشبه بالبحرين التي تجد نفسها في مأزق مماثل. الأسر الحاكمة في هذين البلدين تتوق إلى استعادة السلطة المطلقة، ويدعمها في ذلك كثير من الأنظمة العربية التي تخشى عدوى الديمقراطية. ولكن هذه الأنظمة عجزت باستمرار عن تحقيق هذا الهدف رغم المحاولات المتكررة.(10)لم يبق إذن إلا اتخاذ الخطوة الجريئة بالانتقال إلى النظام الدستوري الحقيقي، أو انتظار الكارثة. هذا إذا لم تكن الكارثة قد وقعت فعلاً. ولعل التاريخ يسجل أحداث الأربعاء المنصرم على أنها ‘عملية انتحارية’ نفذتها الأسرة الحاكمة في الكويت في حالة يأس واكتئاب مرضي.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية