ثمة مفاجأة كانت تنتظر الجنرال إسماعيل قآني، قائد قوة القدس الإيراني وخليفة قاسم سليماني، في بداية حزيران. كان عليه الحصول على تأشيرة دخول رسمية من وزارة الخارجية العراقية كي يدخل الدولة، وهذا أمر لم يكن يحدث لسليماني. فقد اعتاد على الدخول والخروج من العراق كما يشاء وفي أي وقت، بدون إذن وبدون تأشيرة، وأحياناً بدون دعوة أيضاً. ولكن منذ تم تعيين مصطفى الكاظمي رئيساً لحكومة العراق في أيار، قرر بأن على كل شخص يريد الدخول إلى الدولة الحصول على تأشيرة، بما في ذلك الشخصيات الرفيعة.
وهذه لم تكن الإشارة الوحيدة على أن تدخل إيران في العراق سيجد نفسه أمام حكومة تعيد النظر في حدود النفوذ الإيراني. بعد فترة قصيرة من تعيينه، بدأ الكاظمي بحملة لتقليص قوة مؤيدي إيران. وضمن أمور أخرى، نقل عدد من ضباط الجيش وموظفين كبار من وظائفهم، على رأسهم فالح الفياض الذي كان مستشار الأمن القومي في حكومة العراق في العقد الأخير، وهو الآن يترأس منظمة المليشيات الشيعية المدعومة والممولة من إيران، “قوات الحشد الشعبي. هذه المنظمة تحصل أيضاً على ميزانية من حكومة بغداد.
فسر الكاظمي هذه الخطوة بنيته تقييد فترة عمل الضباط بخمس سنوات، وفحصهم حسب نوعية أدائهم. ولكن وراء التفسير الرسمي هذا يظهر أنه يسعى إلى التخلص من الكثير من كبار النشطاء الذين يعتبرون من المؤيدين لإيران. أما بالنسبة إلى المليشيات الشيعية التي تنسب إليها الهجمات على أهداف أمريكية في العراق وعلى أهداف سعودية، فلم تعد هذه هي البشرى القاسية الوحيدة.
في نيسان، أثناء زيارته الأولى للعراق، التقى قآني مع قادة المليشيات ومنحهم خاتم فضة، كرمز للأخوة الشيعية، لكنه لم يحضر معه -كما هو دارج- الأموال أو تعهدات مالية. وقد أوضح أن المليشيات ستضطر إلى الاعتماد على الميزانية الحكومية العراقية، 2 مليار دولار في السنة. تفسير هذه التقليصات قد نجده في أقوال حميد حسيني، المتحدث بلسان شركات تصدير النفط الإيرانية، الذي قال في الموقع الاقتصادي الإيراني “إيلنا” بأن البنوك العراقية جمّدت مليارات الدولارات التي أودعت فيها بناء على طلب من الولايات المتحدة.
ضعف المليشيات الشيعية
منذ اغتيال قاسم سليماني، بدأ ضعف في بنية المليشيات، وانشق عدد منها عن المنظمة الأم وانتقلت للخدمة تحت إمرة الزعيم الديني علي السيستاني، وبدأ مؤيدو إيران يطورون لأنفسهم مصادر تمويل بديلة مثل جباية رسوم على الحواجز الفجائية والسطو على الممتلكات. وحسب تقارير عراقية، فإن قادة المليشيات المؤيدة لإيران غير معجبين بشكل خاص بقآني. وهو لا يعرف بعدُ الساحة السياسية والعسكرية في العراق. ولا يتحدث العربية، ويستعين بمترجم في لقاءاته معهم.
الشريك العراقي لسليماني، أبو المهدي المهندس –الذي قتل هو أيضاً في الهجوم الأمريكي على بغداد في كانون الثاني– خطط لتحويل المليشيات إلى قوة عسكرية مدربة بشكل جيد، تستطيع العمل كقوة عسكرية، تسيطر على الفروع المدنية، شبيهاً بحرس الثورة في إيران. لذلك، أنشأ وحدة هندسة للمليشيات التي أخذت على عاتقها مشاريع لشق الطرق. وبعد ذلك، كان ينوي إقامة وحدات مدنية تسيطر على صناعة النفط. لكن قتله أوقف هذه المشاريع وترك المليشيات معلقة في الهواء، منقسمة وبدون زعيم يتمتع بالكاريزما يمكنه توحيد صفوفها.
في الوقت الذي كان فيه قادة المليشيات يهضمون بشرى تقليص الميزانية، اقتحمت قوات وحدة محاربة الإرهاب العراقية الأسبوع الماضي قيادة “كتائب حزب الله”، وهي إحدى المليشيات الكبرى التي أنشأتها إيران في بغداد. في هذا الاقتحام تم اعتقال 12 ناشطاً، إلى جانب ضبط سلاح وصواريخ. وحسب المخابرات العراقية، استهدفت مهاجمة أهداف أمريكية في “المنطقة الخضراء” في العاصمة التي فيها المكاتب الحكومية والسفارات وقيادة الجيش الأمريكي.
كانت هذه هي المرة الأولى التي ينفذ فيها اقتحام بهذا الحجم ضد أحد المعاقل الإيرانية المهمة في الدولة. في كانون الأول الماضي، بعد مهاجمة سلاح الجو الأمريكي قاعدة لكتائب حزب الله قرب بغداد، خرج الآلاف في مظاهرات ضد الأمريكيين واقتحموا السفارة الأمريكية. ولكن لم تخرج أي مظاهرة ضد الاقتحام هذه المرة. صحيح أن مقاتلي المليشيا جاءوا في قافلة مسلحة إلى المنطقة الخضراء وطلبوا إطلاق سراح المعتقلين، لكن قوات الأمن العراقية جعلتهم ينسحبون إلى الخلف.
بين واشنطن وطهران
هذه الخطوات لا تشير بالضرورة إلى تغيير استراتيجي في سياسة العراق تجاه إيران. فقد جرى تعيين الكاظمي بدعم من إيران والولايات المتحدة، كشرط لموافقته على تولي هذه الوظيفة. ومطلوب من رئيس الحكومة الآن إجراء موازنة بين التدخل الإيراني وتبعية العراق للولايات المتحدة، مع أخذه في الحسبان نسيج القوى السياسية في العراق.
قبل نحو ثلاثة أسابيع، فتح الحوار الاستراتيجي بين بغداد وواشنطن حول مسألة سحب القوات الأمريكية من العراق. وأوضحت الولايات المتحدة مرة أخرى بأنها لا تنوي البقاء في العراق، ولا تنوي إنشاء قواعد ثابتة على أراضيه، لكن الطرفين لم ينجحا في الاتفاق على جدول زمني لبدء الانسحاب أو إنهائه. الموافقة الوحيدة في هذه الأثناء هي استمرار المحادثات في الشهر المقبل. الانسحاب الأمريكي هو طلب أملاه البرلمان العراقي، بدعم من حركات احتجاج اشعلت الساحة العراقية وأدت إلى إسقاط الحكومة السابقة برئاسة عادل عبد المهدي.
تعهد الكاظمي بأن يحقق انسحاباً للقوات الأمريكية، لكنه يعرف حاجة العراق للحصول على المساعدات الأمريكية المالية والعسكرية، إلى جانب دعم الولايات المتحدة للقروض التي تحتاجها دولته من مؤسسات التمويل الدولية. وفي الوقت نفسه، يظل العراق، الذي يستورد نحو 40 في المئة من احتياجاته من إيران ويشتري منها الكهرباء، ملزماً بمواصلة الحفاظ على العلاقة الوثيقة مع النظام الإيراني لضمان وجودها وقدرتها على دفع رواتب الموظفين. وكذلك لإصلاح فروع إنتاجها من أجل توفير أماكن عمل لملايين العاطلين عن العمل.
إن تقييد قوة المليشيات الشيعية ونشاطها ضروري لبغداد كي ترضي واشنطن، ولمنع هجمات أمريكية أخرى على قواعد المليشيات وضمان تزويد السلاح والتدريب الذي يحتاجه الجيش. كما أن استقرار العراق والانسحاب الأمريكي هما أيضاً مصالح إيرانية، التي يمكن أن تقيد نشاطات الكاظمي ضد المليشيات الشيعية.
في المقابل، تتوقع إيران أن يحقق رئيس الحكومة انسحاباً للقوات الأمريكية، وهكذا ستتسع نافذة تدخلها في العراق. كل طرف من الأطراف يعرف خارطة المصالح وقواعد اللعب وقيوده. وإذا أراد الكاظمي تنفيذ عملية استراتيجية ضد إيران فسيحتاج إلى انتظار الانتخابات العامة المقبلة والفوز فيها بأغلبية ساحقة. وإلى حين تحديد موعد للانتخابات، وإلى حين الاتفاق على قانون جديد للانتخابات، سيواصل العراق التصرف مثل كاسحة الثلوج التي تقودها ذئاب في قطعان متخاصمة.
بقلم: تسفي برئيل
هآرتس 2/7/2020