«كأنك يا أبو زيد ما غزيت»… كأن الشعب المصري أبعد ما يكون عن الثورة التي ملأت الدنيا وأشغلت الناس… الريس ما غيره حسني مبارك «يحاكم الثورة» من خلف سجنه الزجاجي، كما قالت قارئة الخبر في محطة «الجزيرة» في الوقت الذي كانت فيه فضائية «البلد» ترسم إسمها على نصفي الشاشة التي تنقل الحدث المخجل.
الملامح واللغة الفوقية نفسها المليئة بـ»الأستاذية» والمتنصلة من كل الجرائم والخطاب نفسه «الأبوي» للريس، وكأن الشوارع لم تمتلىء بالدماء ومعركة الجمل لم تحصل.
رجل في خريف العمر خرج للتو من حمام ساخن في فندق بنجوم خمسة يلقي خطابا في الأمة ليطالب شعب مصر العظيم عمليا بالإعتذار له، وليعدد أفضاله على هذه الأمة العظيمة، التي تربع على عرشها أكثر من ثلاثين عاما خرج خلالها بعشرات المليارات من الدولارات.
لا غبار السجن ولا تعب العزلة ولا زوغان العين مظاهر عرفها الرئيس في سجنه وأغلب التقدير ما دام وجهه مشرقا خلابا ينضح حيوية ولسانه عرف درب النفاق للإنقلاب العسكري على أساس أن مصر في «اليد الأمينة»… أغلب التقدير أن تعتذر الأمة برمتها للقائد الملهم لإنها أخفقت في إدارة ظهرها لبسطار الديكتاتور بعد الرفش في بطنها… ألم يعدنا بشار نحن الذين «ظلمناه» بأن نعتذر يوما؟ ألم يستبدل شعبنا المصري الغلبان بسطارا بآخر؟
بين بشار ومبارك
حتى كلمة تعبير خجولة عن «الأسف» لم أسمعها كمشاهد عربي في الخطبة العرمرمية للرئيس، تماما كبشار الأسد الذي يتحدث بثقة عن النصر والمؤامرة وإعادة إعمار سورية في الوقت الذي تشرد فيه نصف الشعب السوري… فقط الديكتاتور العربي، الذي يتمكن من الإفلات دوما ولا يجد نفسه مضطرا لترديد كلمة أسف حتى ولو على الضحايا، الذين ماتوا بالصدفة ودون وجه حق خلال حكمه الممتلىء دوما بالتعاسة والنياشين والزنازين والقطط السمان.
حتى الديكتاتور عندنا يختلف عن غيره…على رأي أيقونة العذاب الشامية ليس أمامنا إلا ترديد «يا ألله ما إلنا غيرك يا ألله».
الإعلام المركوب
ملامح التردد التي ظهرت على وجه بعض المسؤولين الأردنيين على شاشة بلادهم في تلفزيون المملكة وهم يحاولون شرح التعديلات الدستورية الأخيرة لم تخدم هذه التعديلات ولم تقدم للجمهور تحليلا مقنعا لمبرراتها، وأظهرت بعض المسؤولين الكبار وكأنهم يلهثون وراء القطار أو أنهم «خارج التغطية».
الخطوة بالتأكيد «إصلاحية» ومطلوبة وقفزة نحو الشفافية، خصوصا بعد تأسيس وزارة دفاع يمكن أن يسألها أو يراقبها البرلمان ومؤسسة العرش يختلف البعض معها أحيانا وليس عليها، وكانت وما زالت «ضمانة» الأردنيين اليتيمة المتبقية كملاذ بعدما أرهقتهم إخفاقات الحكومات وأعيتهم تجارب صغار السياسيين وصغار اللاعبين.
الخطوة مهمة وطنيا بكل المقاييس، لكن الإعلام الرسمي «المرعوب» أو المركوب على حد تعبير المخضرم عبد الرؤوف الروابدة، أساء لها عندما أخفق في تفسيرها وشرحها وقراءتها، كما أخفق مسؤولون وسياسيون من «إياهم» في إضفاء طابع وطني على مراميها، عندما لبسوا قفازات النفاق فقط، ولم يتحدثوا للأردنيين عبر شاشتهم الوحيدة ومنابرهم الرسمية عن المرامي العميقة إقليميا وسياسيا لهذه التعديلات الدستورية، فقد بدا مجددا أن «العرس في جهة الغرب وإطلاق النار في جهة الشرق».
حصل الشيء نفسه تقريبا عندما أخفق الإعلام الرسمي نفسه في متابعة أربع أوراق نقاشية مهمة جدا طرحها الملك شخصيا على شعبه وعلنا… بعد هذا الإخفاق ينبغي لي شخصيا الإعتذار عن «حردي» وعتبي لإني أسكن طوال 46 عاما بجوار مؤسسة التلفزيون الأردني وأمر أمام بوابتها يوميا عدة مرات، ولم أر نفسي يوما على الشاشة المحلية.
ياسمين المنار
أشعر بالحزن أحيانا على كل من يقف خلف الكاميرا ولا نراه نحن معشر المشاهدين من حجم الدجل والتمثيل والتناقض والمشاعر المتعاكسة التي تجتاحه وهو يساهم بالطبخة، سواء على صعيد الإعداد أو صعيد التحرير أو الإخراج او السيطرة الفنية.
شعرت بهذه المساحة من الشفقة خلال إطلالة سريعة على نشرة أخبار بثتها محطة «المنار»، فبعد خبرين الأول عن تفجير إنتحاري في درعا والثاني عن بطولة الجيش السوري، الذي سيطر على منطقة كان فيها 600 عسكري متمرد، أما الخبر الثالث فعن 40 جريحا بالضفة الغربية برصاص العدو الإسرائيلي، ثم تبعه خبر رابع عن عشرات القتلى في العراق.
خلال رمشة عين أنهى المذيع أخباره التي «تسم البدن» لتقفز على صدر الشاشة صورة رقيقة لثلاث زهرات من نوع الياسمين يتراقصن لنستمع لصوت ناعم يتحدث عن مآثر سيدنا الحسين بن علي رحمه ألله.
شخصيا كنت أفضل كمشاهد أن أستمع لهذه الوجبة الروحية قبل أخبار الإقتتال الطائفي في سورية ولبنان والعراق، لعل من يطلق الرصاص على شقيقه بإسم الطائفة يتعظ وتتحول شاشة «المنار» وغيرها من الشاشات إلى مؤسسات تشع علينا بالياسمين والحكمة وعطر الروح… رحم ألله زين العابدين، فقد خذلناه جميعا وها نحن نستمتع بحروب هو منها براء بالتأكيد.
أفلام داعش!
الفيلم الوثائقي الذي بثته «فايس نيوز» عن «دولة داعش» في مدينة الرقة السورية مليء بالأحداث البوليودية الهندية والهوليودية… وقف القائد يداعب بندقيته البدائية ثم قال ببساطة ولكنة تونسية واضحة «سنرفع راية الدولة في البيت الأبيض»… المقاتل نفسه إقترح على الإدارة الأمريكية أن تنازل الدولة على الأرض وتترك الطائرات بلا طيار، إذا كان في أمريكا رجال!
ما لفت نظري أن صاحبنا لوح ببساطة بإحتلال البيت الأبيض وهو يرتدي نظارة شمسية سوداء من نوع أمريكي بالتأكيد… قد يكون غنمها من الحرب مع المارينز، فيما وقف شاب مغربي وهو يسبح بالبنطال في بركة مياه مهددا آردوغان بفتح إسطنبول قريبا، إذا أصر على منع المياه عن محافظة الرقة!
المشهد الأكثر طرافة هو متعاطي المخدرات السجين خلف قضبان دولة داعش وهو يصر على إبلاغ المراسل خلف الكاميرا بأنه «بايع» الخليفة أبو بكر البغدادي القرشي، وهو داخل السجن بكل حرية، مقسما أنه لم يجبر على الأمر… حركات كتفي الرجل وأسنانه المكسرة وتمايل خصره مؤشر قوي على أن الرجل «مسطول» على الآخر.
مدير مكتب «القدس العربي» في عمان
بسام البدارين