في كل اجتماع لجبهة الإنقاذ المصرية، يتوسط السيد البرادعي السلسلة، ليعيد تلاوة قائمة المطالب، من وراء نظاراته شبه المستديرة، وكأنه يقرؤها لأول مرة، في حين حفظها المتابعون عن ظهر قلب! في حين يقف السيد عمرو موسى إلى يساره، ليس بالضبط لأنه يساري عتيد تاريخياً، بل ربما لأن سمعه في الأذن اليمنى أبقى له عليه الدهر خلافاً لليسرى، وحتى يتاح له التأكد أن القائمة لم يطرأ عليها أي تعديل، وهي: إسقاط مرسي والدستور والإعلان الدستوري والنائب العام، والتصدق على الشعب المصري بما تبقّى!وشروط الإنقاذ هذه، هي ذاتها شروط الحوار مع ‘مرسي’ كما يدعونه رفعاً للكلفة، وإظهاراً للود، فهو بكل الأحوال زميل سابق، ومواطن مصري، بالرغم من انتمائه للإخوان المسلمين!الشيء اللافت مؤخراً، هو تنازلهم عن مطلب إسقاط مرسي، كشرط مسبق للحوار، وربما لفت أحد الحصفاء نظرهم، إلى صعوبة الحوار مع الرئيس بعد إسقاطه، وعليه فقد تنازلوا مؤقتاً عن هذا الشرط، تقديما لحسن النية، وإبقاء على فرصة الحوار قائمة!هناك بالطبع قائمة إضافية، تشبه قائمة ‘عفش’ العروس، التي يحرص المصريون على إرفاقها، وتتلخص في المباني المنهارة، وحوادث القطارات، وأخيراً المنطاد والجراد!بالطبع هناك أصوات مؤازرة تسبقهم بخطوة، وتطالب بعودة الجيش، وإعلان دولة بورسعيد، وتتويجاًلكل ذلك ، المطالب المشتركة:العصيان المدني، وتعطيل الانتخابات!وربما تكون الحكمة من وراء كل ذلك، هي إرباك الرئيس مرسي وتحييره لأي مطلب يستجيب، وكما يقول المثل:’إذا أردت أن تحير أحدا، خيره’!أما الحدث الموازي في الشارع، فيقتصر على سقوط القرابين:قرابين الحرب غير المقدسة، بين الإخوان وأعدائهم، بلا أي نتيجة تُرجى من وراء ذلك!وهذه العبثية السياسية، تذكرنا بالدول الإفريقية الأكثر تخلفأ، وبالتوتسي والهوتو، والذين هبطت عليهم ملائكة الصلح، بعد شياطين الإقتتال بدهر!وبالصومال وساحل العاج، والقائمة طويلة، حتى تسلل الشك إلى العقل المثقف، أن مصر شعبها وجيشها ونخبها، لا تتفوق على تلك الدول كثيرا، بل ربما تتساوى معها ، في إنتاج السلوك السياسي المتخلف، على كل المستويات!وقديماً قال الشاعر العربي:لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولا سراة إذا جهالهم سادوافليس كل من ارتدى بدلة سوداء وربطة عنق، ولا كل من لبس مسوح الدين، مؤهل لموقع السيادة!الرئيس مرسي شعاره الصبر وطول البال، والجيش يرسل رسائل ذات حدين، تربك المشهد أكثر مما تحسمه باتجاه محدد، مما يثير الشك فعلاً، في توفر حسن النية!وكأن شهوته للحكم لم تطفئها كل تلك الأحداث!اجتهاداته أيضاً تشير في الإتجاه الخاطيء، فو يهدم الأنفاق، ويصدر قرارات تمس حياة سكان سيناء، مثل تلك المتعلقة بحق تملك الأراضي، في حين أن هذه تحتاج إلى قوانين وتشريعات!وفي الحقيقة فإن مصدر هذه العنجهية مجهول، فالضبّاط الذين تثقل أكتافهم الأوسمة، يجري عليهم قول الشاعر’ابراهيم نصر الله’:كلّما مرّ عام بغير قتال ْجنى نجمة ووساما سيدي الجنرالْ!ولم يبق من مآثره بينناسوى رتابة وقع النعالْ!أخيرا جاء السيد’جون كيري’ ليضيف الألم إلى المهانة، فإشارة من كفه المباركة، ستحسم الأمور في اتجاه معين، وما دام السيد هو السيد، فما قامت ثورة، وما جدّ جديد، ولا زلنا مكانك سر، على الطريقة العسكرية!فأي خطيئة تلك التي نحملها على أكتافنا، حتى نستحقّ كل ذلك الإبتلاء؟لا بُدّ أنّ نُشخّص الداء ، قبل وصف الدواء!فعبر سنوات العبودية، انتهينا إلى ما يشبه فقدان الهويّة، وإلى ما يشبه ازدراء الذات، فلا الدين بصورته المُدجّنة، التي تقبل استمرار الأوضاع السابقة، بكل هناتها، ولا القومية التي قبلت حتى بما دون ذلك، تكفي لتنشل شعباً من هوة المهانة!وعلى أحد أن يفعل شيئا مختلفا: سواء كان الرئيس أو الشعب بقواه الواعية، أو كل من يملك زمام المبادرة، وإلا تحولنا من’مكانك سر’إلى’إلى الخلف دُر’.نزار حسين راشدqmn