‘قارع الطبول’ لعامر هشام الصفار: المفارقة والصدمة

حجم الخط
0

ما زالت القصة القصيرة جداً كنوع أدبي تحاول اجتراح مكان لها أو تندفع بحكم توجه اعداد غير قليلة من الساردين لممارسة كتابتها لانتزاع صفة التجنيس إلى جانب القصة والرواية والشعر . قدمت الـقصة القصيرة جدا نفسها معبراً حتمته أبجدية الحياة المتسارعة فاقتضت حلول الايماءة بديلاً عن التفاصيل ؛ وتكريس التكثيف عوضاً عن الإسهاب والتشظي .
وفي الوقت الذي اهملها جيل الستينيات في العراق باعتبارها تدويناً لا يفي بالغرض وتواصل معها جيل السبعينات باهتمام وجد كحاجة حتَّمتها الضرورة وهيأ لها تسارع الزمن ثم تعامل معها جيل الثمانينيات بقدر اكبر ممن سبقوهم فان حقبة التسعينات شهدت اتساع المدى القرائي لها بالتوازي مع عدد القصاصين والقصص المنتجة، وصارت عيون القراء تطير اليها حالما يبدأ عنوانها كقصص قصيرة جداً على الصفحات الثقافية .. ومع استخدام النت واتساع اعداد القراء افقياً، ومع تنوع المواقع الادبية وازديادها صار وجودها حاجة ؛ وصارت محل اهتمامهم . وصار كأنها حلت بديلاً للقصة الطويلة منها والقصيرة .. وكان لوجود هامش التعليق في كثير من المواقع الادبية عاملا مشجعا على متابعتها وتفاقم اعداد من يقرأ ويعلّق .. هذا التعليق خلق ذائقة نقدية عملت على تشكيل حلقة تحاور قرائية بين القراء بعيداً عن المؤلف . بل استحال المؤلف قارئا للنقود السريعة التي تُصنع وفق ذائقة القراء ومستوياتهم الثقافية رؤية بعضها محفّز ومشجّع على الكتابة حين يراها ايجابية تصب في صالح القصة المعروضة .
قارع الطبول .. رحيل سردي

ولأنها قصص قصيرة جداً فإن جمعها في كتاب يحتّم ان تكون كثيرة العدد .. وعندما يكثر عددها فان مواضيعها تتنوع وتتفاوت . ومن هنا يتوجَّب على المتلقي الناقد توخي اختيار باب أو ابواب محدودة يلجّها كي يتحاور مع عدد من القصص بحكم اهميتها كما يراها هو بما تضمه من شفرات (دالات) وما تفضي اليه من نتائج (مدلولات) .. ومجموعة (قارع الطبول) للقاص المثابر الدكتور عامر هشام الصفار تدخل ضمن هذا التوصيف. ولأنها تضم 136 قصة قصيرة جداً فإني كقارىء طالعت المجموعة المرة الاولى مطالعةً قصد المتعة وحصد اللذاذة ثم قرأتها قراءة بعين راصد يفكك النص ويبحث عن لآلئه وأحجاره الكريمة .
ولأننا بصدد القراءة قصد التفكيك والبحث لابد من ايضاح رأيين متضادين لكتّاب هذا النوع الادبي المستحدث الذي لم توضع له نظرية لحد الآن هروباً أو تهيباً ؛ تعالياً أو تنكراً . الرأي الاول يرى انها تمتلك اشتراطات البنية السردية بغض النظر عن عدد الكلمات والأسطر فيما الرأي الثاني يؤكد على اهمية اعتمادها على البداية والنهاية والشخصية والحدث والمكان بانتفاء الزمان اذا اقتضت الضرورية مع ضرورة حصول المفارقة والصدمة في الخاتمة … هذان الرأيان جمعهما القاص عامر هشام في مجموعته قارع الطبول ليبعدنا عن التصنيف في هذا المضمار وإن كانت اغلب نصوص المجموعة تختصر الفكرة وتتجاوز الحدث طبقاً إلى اسطر قليلة وكلمات تحاول أن تكون مُعبّرة سعياً لاثارة اهتمام المتلقي للتحاور مع النص خارج زمن قراءته .
المفارقة والصدمة
لا شك أنَّ الـق.ق.ج اعتمدت في تعاملها مع المتلقي على عنصرين أساسيين من عناصر نجاحها، وأقصد بهما المفارقة والصدمة .. فالقصة بحكم قصرها لابد من أن يكون لها فعل صادم مبني على مفارقة وإلا عُدت كلاماً لا يختلف عن اي كلام بتراكيب تمر عابرة في ذهن المتلقي . ولأنها كذلك تتوخى الـ ق.ق.ج تناول الموضوعات التي تترك أثراً في ذاكرة المتلقي فتجعله يتحاور مع الذات في مغزى القصة . ولعلنا ونحن نقرأ القصص نتلمسها تعتمد الاثنين : المفارقة في تناولها لمتضادين، والصدمة في نهايتها وتأثير نتيجتها على المتلقي .. لنا في هذا اعداد لا يحصى من قصص المجموعة، لا يشذ منها إلا القليل جداً . ففي قصة ( خبر عاجل جداً )ص20 يعرض الناص المفارقة عبر اهتمام الشخصية العلمية التي تحضر لكلام يطرح فيه أبجدية كتابه الجديد ويسعى للتوضيح تأتي المفارقة التي تُحدث الصدمة في أن من يعتلي المنصة رجل سياسة انتهز الفرصة لا ليحتفي بالكاتب ومشروعه إنما ليعرض اهميته هو كسياسي، وتأتي المفارقة مزدوجة بشيفرة ثانية تلك أن الجمهور بدلاً من أن يصفق لصاحب المشروع راح يصفق محتفياً بالسياسي .. وفي نص (مرسوم جمهوري) ص25، تتجلى المفارقة في تهافت الطفيليين، القافزين على صدر اللحظة بغية تحقيق مآربهم في وسط اجتماعي وظيفي عليل . فهؤلاء تراهم في كل زمان ومكان حين تنعدم أسس العدالة ويكون النظام هزيلاً معتمدين مقولة ميكافيللي ‘الغاية تبرر الوسيلة’ وسط أجواء ميسَّرة ومتاحة . فبمجرد ما أصدر مرسوم جمهوري أن (يكون كل موظف بدرجة مدير عام فما فوق خريجا جامعياً) حتى (امتلأ سوق المدينة بعد يومين بشهادات جامعية موقعة ومختومة) .. وفي نص (عري) يستطيع المتلقي وبيسر تأكيد حصول المفارقة والصدمة كعنصرين مهمين يؤكدان اعتماد الق.ق.ج عليهما في نجاحها . ولأترك المتلقي يكتشف ذلك بنفسه من قراءته لها :
(فتح نافذة غرفته في الفندق اليوم متأخراً بعض الشيء .النافذة تطل مباشرة ًعلى نهير صغير من نهيرات مدينة البندقية. رأى زورقاً أجمرَ تدفعه الامواج دون هدى . الزورق فارغٌ، وفتاة نصف عارية في النهير، تسبح بشطارة حيث الشاطئ الخالي من الناس …. انتبه أن صديقته من ليلة البارحة تركت سريرها مبكراً) ص38

الحنين .. ابجدية الوطن
تشكل النوستالجيا عند القاص ابجدية يعيش على ايقاع فعلها اليومي، ذلك أن عديد الشخوص يعيشون في نأي عن بؤرة الحنان، بعيدين عن دفء الاعشاش . يعيشون السحق اليومي بجزئيات ذكرى تتجسد رؤىً لا يمكن الهرب منها او التغاضي عنها . لكأنهم يردّدون بيت المتنبي ‘لكِ يا منازلَ في القلوبِ منازلُ // أقفرتِ أنتِ وهنَّ منكِ أواهلُ’ .. ففي نص (سفر) يدخل الحنين الى الاعشاش الرحيل روحياً الى الوطن، يجسّده قلق ممض يساور جالسين في ندوة أدبية يتحلقون حول شاعرة ستفضي لهم بألم يوجع قلب الوطن، مثيرة لوعةً على ماضٍ كان يفوح بأريج الطمأنينة رغم الفقر، وتشيع فيه روح المواطنة رغم الضنى. ويتجسد الحنين في نص (لوحة) حيث الغربة شيفرة هيمنة اجبارية ووجه الام ايقونة تترجم لوعة الاغتراب . فالرسام وهو يعيش النأي عن مدينته يجسد الاقتراب من أمه .. غربة مقابل حنين .. غياب بمواجهة حضور (لم أنس رسم وجه أمي قرب تنورها القديم وهي تسجره تحضيراً لخبز الصباح الذي لا زلت أشم رائحته من بعيد ). ص29… وفي نص (هجرة) تتجلى صورة الحنين عبر امرأتين تهربان من صقيع الغربة الذي يؤلمهما ويبعدهما عن مواطن الدفء فيلتجئن الى الدعاء الذي هو الوجه الآخر للتعبير عن الحنين واستدعاء الذكرى (أدت الحاجتان الصلاة، ورفعتا اليد دعاءاً لأن يعود الجميع للديار كما تعود الطيور المهاجرة لأعشاشها الأولى اسراباً وجماعات) ص61 .. وفي نص (قلوب ظمأى) يأخذ الحنين شكل انتظار فتاة تعيش غربة قاهرة عن الوطن، هي الآن على نهر التايمز منهمكة في (توزيع الماء البارد لتروي القلوب الظمأى في صيف قائظ /ص78 بينما (تنتظر ذاك الذي يروي قلبها الغض الغرير). وفي الوقت الذي يتحدث الجلاس عن اشجار الزيتون والبرتقال تنشغل هي في أمل حضور الحبيب .. عالمان منفصلان : عالم الحظوة والنيل والاستقرار ؛ وعالم الضياع والحرمان والفقد . أمّا الشوق إلى أيام الطفولة خزين الحنين الذي لا ينضب فيعرضه نص (البروفسور) ص19 الذي حملته سفينة الغربة إلى أمريكا منذ عقود كي يلتقي قريباً له ليستذكر ايام الطفولة الصبا والحب الأول، ومعهما يستذكر عبر (صورة قديمة تجمعه مع قريبه يوم اقتعدا سوية زنزانة سجن واحدة بسبب اشتراكهما في مظاهرة ضد معاهدة تقسيم الوطن). فالحنين يهيمن وتتفجر الذكرى، ليست فقط الجميلة منها بل والمؤلمة .. حتى المؤلمة تغدو في غرفة الحنين جميلة، تجاوزاً على القسوة .
الانسلاخ عن الهوية
كثيراً ما يترك الغياب عن الوطن افرازات سلبية تصنع غربة في البدء، ثم يتنامى الى اغتراب ثم بعد ذلك تتكينن حالة انسلاخ توفرها الظروف وتعمقها تواليات الزمن .. واذا كان المولود في الوطن يحن لأعشاش نأى عنها مُجبراً فإن المولود خارجه يأتي اليه غريباً، زائراً. قد لا تهمه اعشاشاً نما فيها أبواه ؛ ليس لأنه يتعالى عليها ويجافيها إنما يأتي عدم اهتمامه من عدم حصول رابط ذاكراتي معها، فهو لا يعرف عنها شيئاً : لم يتحسس حرارتها ولا عاش يوماً في كنفها . وتلك معضلة يعيشها المغتربون المولودون بعيداً عن الاوطان .. هذا القلق اليومي الذي يعيشه الكثير من الآباء المغتربين على أجيال ما بعدهم، الاجيال المتثقفة بثقافة الغير لا يمكن تجاوزه، ومن الصعب تقبله في نفس الوقت . ومن هنا يتفاقم القلق ويصبح هاجساً يومياً. هاجس ممض يتعامل معه القاص في نصه (لغة). فالأب الذي كتب ذكرياته وسعى لأن تكون رصيده الذاكراتي عند ابنائه ووجه بطلب منهم أن يحضر مترجم كي يترجم ما كتب، فقد تكرس الانسلاخ وغدا الابناء نائين نأئياً روحياً وعاطفياً عن لغة الأب (المعادل الموضوعي للإرث والتاريخ). أمّا نص (الشهم) فيرسم بعدين انسانيين فعلت الغربة فعلها في تناقضهما. أم تنشد لواقع اهلها، هناك في الوطن الجميل، وابن يعيش في واقع متناقض .. الأم لا تريد أن تنقطع عن ذاكرتها، وابن يتركها ليكون صحبة اصدقاء في بلد بعيد. الام تبغيه قربها، والابن بحكم حياته الجديدة يتمتع مع اقران له. يكتب لها من مدينة يقول عنها جديدة وسيتواصل معها من هناك .. تبدو الام المعادل الموضوعي للوطن صاغرة لنزق الابن المتثقف ثقافة جديدة لم تعهدها، والوطن غير قادر على اغرائه للعودة الى ربوعه .. محنة الغربة ومأساة المغتربين .
نحن إذاً إزاء قاص يتقن كتابة القصة القصيرة جداً بفنية عالية ومتمكن من استخدام ادواته الاستخدام الامثل، ملتقطاً بذكاء وموهبة متميزتين موضوعات وأفكاراً تغور في ذاكرة المتلقي وتترك أثرها في فضاء روحه. وهذا ما تبغيه القصة في طرحها وما يسعى اليه الكاتب في تحقيق رسالته المبنية على تحقيق اللذاذة وخلق المتعة ممزوجتين بالجانب التربوي في تنمية الذائقة على التعامل مع الجمال بلمساته ووجوهه المتعددة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية