قاسم توفيق: أكتب لنفسي لأستمر بالعيش ورواية «ماري روز» من اوائل الأعمال العربية التي زاوجت بين الأسطورة والواقع

حجم الخط
2

عمان ـ «القدس العربي» ـ نضال القاسم: قاسم توفيق قاص وروائي ملتزم بقضايا شعبه ووطنه حتى النهاية، وهو صاحب مشروع إبداعي مثير للجدل، ويلمس القارىء في أعماله القصصية والروائية تلك النكهة التي تعيد الاعتبار للمكان الأردني وتاريخه وشخصياته وحكاياته ضمن بنى سردية متماسكة ومتنوعة زاوجت بين الأسطورة والواقع. وهو يرى أن حضور عمّان المستمر فيما يكتبه ضرورة فرضتها حياته الطويلة فيها من لحظة ميلاده إلى الآن، مما أتاح له أن يلتقط تفاصيل عمّان حتى المجهرية منها، لذا فهي دائمة الحضور في كتاباته.
ويمتاز قاسم توفيق بلغته السردية الرشيقة المطواعة المطرزة باللهجة المحلية أحياناً، فهو مسكون بمزاج لغة جديدة لم يسبقه إليها أحد، وهو ما زال منذ منتصف السبعينيات من القرن الماضي يواصل مشوار التجريب والحداثة والتفرد والاختلاف، ولا يزال منذ سنوات يمارس دوره، مبدعاً أصيلاً، وقاصاً وروائياً ومشاركاً في الواقع الثقافي.
وقد صدر لقاسم توفيق حتى الآن ثماني روايات منها «البوكس، 2012م»، و«حكاية اسمها الحب، 2010م»، و«الشندغة 2006م»، و«ماري روز تعبر مدينة الشمس- ثلاث طبعات أخرها في العام 2010م»، وله خمس مجموعات قصصية قصيرة منها «ذو القرنين»، «العاشق» و«سلاماً يا عمان، سلاماً أيتها النجمة»..
وبمناسبة صدور روايته الجديدة «رائحة اللوز المُّر» التقيناه قبل أيام في العاصمة الأردنية عمّان في حوار خاص لصحيفة «القدس العربي» وسألناه عن تجربته في الكتابة، ومواقفه الفكرية، وعن واقع التجربة الروائية العربية وإشكالاتها، وكانت إجاباته تستحق التأمل والدراسة المتأنية.
* سنة 1977 هو تاريخ صدور أول مؤلفاتك «آن لنا أن نفرح» وهي مجموعة قصصية، هذا زمن النشر فمتى بدأ زمن الكتابة؟ متى أصابتك لعنة الحبر؟ وهل كانت الكتابة قراراً أم قدراً ؟
* هي حالة حب، مثلما تحب الأشياء وتتعلق بها، وتتفنن في تجميلها واستخدامها هكذا تعلمت الكتابة. نتكلم عن الفرصة الجميلة التي تصيبك في زمن وشروط ليست جميلة.
في طفولتنا كان يجب أن نلتحق بالمدرسة عندما نبلغ السابعة، هذا أمر قبيح. في ذاك الزمان كان عندنا جارة مسيحية لا زلت أذكر تفاصيلها الطيبة، هذه الجارة طلبت من أهلنا نحن الأولاد المشاكسين من تجاوزوا الخامسة أو السادسة من العمر أن تتكفل بتعليمنا القراءة والكتابة في بيتها، بالطبع كان هذا أجمل هدية يمكن أن يقدمها الجار لجاره، وهي لمنا من الشوارع، وإخماد شغبنا وضجيجنا.
تعلمنا القراءة والكتابة قبل المدرسة، وتعرفنا على كليلة ودمنة، والف ليلة وليلة من فم هذه الجارة التي كانت تشدنا لصوتها وحركاتها وتقليدها للحيوانات والبشر.
لقد أحببنا آنذاك القراءة، وأحببت أنا الكتابة إضافة لذلك. بعد المرحلة الابتدائية كنت قد قرأت الأعمال العالمية، لتشارلز ديكنز، وفكتور هيجو، وهمنغواي وكامو وعبد الحليم عبد الله، ونجيب محفوظ وكتبت أول قصة لي، ما زلت أحتفظ بكراسة المدرسة وفيها هذه القصة.
الكتابة عندي حالة حب و ليس غير ذلك.
* اليوم، وبعد مرور ثلاثين عاماً على صدور روايتكم الأولى «ماري روز تعبر مدينة الشمس» والصادرة في بيروت عام 1985م،ماذا تقول عنها ؟
* لن تشيخ وتعتق هذه الرواية، بل على العكس فأنها تزداد شباباً كلما عتقت، وهذه مسألة لا تفرحني بقدر ما تؤلمني، هذه الرواية قائمة على مبدأ مقارعة ثقافة التشرذم والتفرقة والتخلف، ولأنا لازلنا نعاني من هذا التشرذم والجاهلية الطائفية والأقليمية والتعصب الديني والتكفير فإن هذه الرواية ستظل صامدة بقوة لأنها تخالف كل هذه التابوهات وتمد لسانها الصغير في وجه عالمنا الموغل بالرجوع إلى الوراء.
على المستوى الفني فإن رواية «ماري روز» حسب ما أملكه من معلومات قد تكون من أول الروايات العربية التي زاوجت بين الأسطورة والواقع، وهي من عملت من حدثين متشابهين من حيث الفكرة « العلاقة بين المسيحيين والمسلمين في بلادنا» نصاً أدبياً واحداً، فحكاية ماري روز المرأة التي تحمل الرواية اسمها تدور في القرن التاسع عشر، وحكاية أبطال روايتي المحور الأساس فيها تدور في الوقت الحاضر. صحيح أنها علامة فارقة في منتجي الأدبي، لكنها بداية البدايات وحسب، لا أستطيع أن أميزها كما يفعل معها النقاد ولا أتبرأ من أي شيء كتبته. حبي الشخصي لهذه الرواية والحديث عنها كل الوقت قد لا يكون تمييزاً لنص روائي بقدر ما هو تمييز لمرحلة فاصلة ومهمة في حياتي المعاشة وليس المكتوبة فقط.
*لاحظنا من خلال متابعة قصصك ورواياتك أن العاصمة عمّان كانت دائماً تحضر في أعمالك وفيها تجري الأحداث وتتحرك الشخصيات، وهذا يقودني للحديث عن الأمكنة والفضاءات التي تتحرك فيها قصصك ورواياتك، وهل أن هذا الحضور المكثف للمكان في أعمالك هو حقل من حقول البحث عن بنية جديدة للشكل الروائي؟
* لا أعتقد أني أبحث عن أي شيء أو أني أنطوي تحت مظلة منهاج أو مدرسة أدبية، بعض النقاد يرى بأني كاتب واقعي اشتراكي، وبعضهم ضمني إلى البنيويين السرديين، والكثير من الدراسات المتعلقة في رواياتي تصفها بالرواية التجريبية. قد أكون بريئاً من كل هذه المسميات، و قد أكون كلها أو أكون شيئاً آخر مختلفا. لا تعنيني هذه التصنيفات، ولا أضعها في رأسي عندما أبدأ في كتابة نص جديد.
حضور عمان المستمر فيما أكتبه ضرورة فرضتها حياتي الطويلة فيها من لحظة ميلادي إلى الأن، لو أني ولدت وعشت في نيويورك كنت سأكتب عنها. تربطني في المكان حالة عشق غريبة، المكان عندي هو رحم الأم الذي ينشأ فيه الكائن لتسعة شهور، وهو البيت والحارة والمدينة والعالم كله، أنا ابن المكان حتى لو لم يزد عن أمتار قليلة لزنزانة في سجن حكومي.
لقد كتبت عن مدن أخرى بعد أن عشت فيها وعرفتها، الانسان والمكان. روايتي «الشندغة « تتحدث عن دبي، واسم الشندغة هي منطقة أحبها في هذه المدينة. المكان عندي له قدسية الحضور وليس التخيل. الحضور يعرفك على التفاصيل الصغيرة للمكان، وهذه التفاصيل هي التي تدفع للكتابة عند التقاطها. أنا أرى بأني قد التقطت تفاصيل عمان حتى المجهرية منها لذا هي دائمة الحضور في كتاباتي.
*ما هو دافعك لكتابة الرواية، وما هي القيمة المضافة التي تتوخون تحقيقها من خلال مشروعكم الروائي؟ وبمعنى آخر، ما رؤيتك للرواية ؟ وما مشروعك الروائي؟
* أنا أكتب لنفسي، لحاجة لا أعرف كيف أفسرها، لكنها حاجة مثل باقي الحاجات التي تلزم الإنسان حتى يكمل حالة العيش. مثل التنفس او الأكل أو الحب، لا أدري لكني أمارس هذا الفعل لإكمال مبررات وجودي.
بعد إصدار روايتي «عمان ورد أخير» في العام 1992 من القرن الماضي توقفت عن الكتابة حتى أصدرت رواية «ورقة التوت» في العام ألفين بعد صمت طال ثماني سنوات، لو أنك سألتني عن أسباب هذا الإنقطاع فأني سأجيبك بأن هذه السنوات الثماني كنت فيها منعزلاً عن الحياة بالكامل.
لا يوجد لدي مشروع روائي ممنهج ومدروس منذ بدأت تعلم الكتابة. عندي الآن رواية جاهزة للطبع اسمها «صخب» وأنجزت شوطاً طويلاً في رواية جديدة لم أسمها بعد. أنا أكتب لنفسي ولأستمر بالعيش، على الرغم من فهمي بأن ما أكتبه لن يعود ملكاً لي بعد أن يتم طباعته ونشره.
* قاسم توفيق، بصراحة، ما رأيكم بعلاقة المثقف بالسلطة ؟
*لا يفترض أن يكون هناك علاقة بين المثقف والسلطة، حتى وإن كانت هذه السلطة أكثر ديمقراطية «بين قوسين» من أمريكا. المثقف يجب أن تكون علاقته مع شعبه وقضايا شعبه، وفقط. وإن كانت السلطة مع الشعب فيجب على المثقف أن يكون مراقباً وناقداً للممارسات التي يمكن أن تسيء لهذه العلاقة التي بين السلطة والشعب.
*دعني أسألك سؤالا أخيراً، صدر لكم حتى الآن سبع روايات وخمس مجموعات قصصية، بصراحة، حين تعيد قراءة ما كتبت، ماذا تكتشف؟ وماذا عن تصورك للمستقبل، هل أنت الآن في حالة صمت أم في حالة كتابة؟ وبماذا تختتم هذا الحوار؟
*في حفل إشهار روايتي الأخيرة «رائحة اللوز المر» قلت الآن قررت أن أخرج عن صمتي وأن أتكلم، على الرغم من أني ككاتب لم أكف عن الكلام منذ أن أصدرت مجموعتي القصصية الأولى «آن لنا أن نفرح» في سنة 1977 وحتى الأن بعد أن صدر لي إثنا عشر عملاً من رواية وقصة قصيرة، لكني مع هذه الرواية قررت أن أصرخ لا أن اتكلم، لقد اكتشفت أن كلماتنا ليست مسموعة على الرغم من الصخب والضجيج الذي يخرج من أفواهنا. صار لزاماً علينا أن نصرخ ونعلي الصوت و أن ندق على الخزان.
الكتابة يا صاحبي جزء من نشاطات بدني العضوية لن أكف عنها إلا بعد أن اتوقف عن النبض والتنفس، سوف تكون هي آخر اعضائي التي تتوقف عن الحركة مع الموت.
سوف أختم هذا الحوار والأسئلة الكثيرة والمرهقة، بسؤال لك: هل سيتم نشر كل ما قلته لك الآن أم أن الرقابة سوف تمنعه؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية