يقول العنوان الفرعي لهذا العمل إنه “كتاب الشذرات الكبير”، إذْ أنّ الشاعر البحريني قاسم حداد يشتغل فيه على مبدأ استجماع شذرات كثيفة مقطّرة، حول موضوعات عديدة متشابكة ومتداخلة ومتقاطعة، تحت أربعة فصول: “لا تصقل أصفادك”، و”مثل وردة تقلّد عطراً”، و”سماء عليلة” و”الغزالة يوم الأحد”. ثمة وقفات، أقرب إلى تأملات البرهة الواحدة، حول الشعر والكتابة والحياة والسياسة والتراث والغربة والاستيطان، وشؤون وشجون أخرى عديدة؛ بلغة تأخذ من شعرية الإيجاز من دون أن تتنازل عن بلاغة الإيعاز، وبالتفات خاصّ إلى إيقاع الجملة وتوازنات الشذرة الواحدة بالقياس إلى ما قبلها وما بعدها، وإلى المناخ الخاصّ الذي تقاربه وتسعى إلى منحه صلة القرابة مع مناخ عامّ أعلى تقترحه جمهرة الشذرات.

مجموعة حداد الأولى، “البشارة” صدرت سنة 1970؛ وتعاقب بعدها أكثر من 30 عملاً في الشعر والنثر، فضلاً عن نصوص مشتركة مع كتّاب وتشكيليين وفوتوغرافيين أمثال جمال هاشم وأمين صالح وضياء العزاوي وصالح العزاز وطفول حداد. والشاعر هو الأبرز على صعيد الحداثة الشعرية في الخليج، ولعب ويلعب من موقعه هذا دوراً ريادياً بالغ الحيوية لدى التجارب الشابة بصفة خاصة.
هنا شذرات من “مثل وردة تقلّد عطراً”:
90
تكتبُ،
تشتهي استطعام لذّة فتح قلبك كأفق لقلوب كثيرة.
تكتبُ،
لأنّ الكتابة هي شرفتك الوحيدة في حياة تشحّ
فيها السُبل والآفاق،
تمنع عنك الشعور العميق بالحياة.
تكتبُ،
جمرةٌ حميمةٌ تدفعك إلى صنيع لا تُحسن سواه.
شرطٌ يجعلك مؤهلاُ للتجربة الفاتنة
فإذا جاءت الفرصة لا تتأخر عنها،
مثل طفل يكتشف الحب.
91
بلا أحلام
صار الليل جحيماً، مثل اسطورة الصباح.
وللشمس أجنحة شفيفة،
فراشة تائهة.
92
بضع قصائد على رمل الساحل،
منتظراً الموج،
كلما جاءت موجة ورفعت كتابته في
تاجها الفضي ودخلت بها اللجّ،
شعر بأنّ ثمة كائناً يستعد لاكتشاف
فلذات يبذلها البحر الكريم.
أن تضع قلبك في طريق الموج،
وتنتظر السفر.
منشورات تكوين، الكويت 2019